
إحتفالية متأخرة
السارد المضمر في الضفاف السعيدة
هشام ال مصطفى
يوصف السارد المضمر – الخفي – او المؤلف الضمني هو الكاتب للرواية والسرديات الاخرى .. بينما يصفه الناقد واين سي بوت بالذات الثانية للمؤلف 1) ) في حين يعبر عنه رولان بارت بانه سيد الكواليس (2) وانه من ورق وليس من لحم ودم . كيف لي تطبيق اهم المصطلحات النقدية لعلم السرد والذي يعتبر من الفتوحات المهمة داخل المؤسسة الاصطلاحية للسرديات وعلومها.اطبقه على رواية عراقية وسط الخراب الجميل الذي نعيشه.
اكتشافات
اولا : رسم :
رسم عادل ((لوحة بلوم وستيفن ديدالوس )) بطلا يوليسيس لجيمس جويس محاولاً المزاوجة بين الملحمة الاغريقية ورواية يولسيس . (الضفاف السعيدة ص 17 .وهو ما انضجته (( الضفاف السعيدة)) في مزجها بين العملين حيث الاسطورة الأغريقية ورواية جويس .
ثانياً : الاثر والتأثر
في مقالتي الموسومة (الاثر والتأثر ) ( (3حاولت اكتشاف تأثر المؤلف في عقله الباطن ( اللاوعي )بتقنيتي تيار الوعي واللاوعي .
ثالثاً : المؤلف الثاني
في الضفاف السعيدة رواية ثانوية / ميتاسرد / مكتوبة من قبل المهندس جهاد جليـــــل ( ج .ج ) بينما الرواية الرئيسية بقلم دجلة بطلة الرواية . والضفاف السعيدة واحدة من الروايات العراقية القليلة التي تسرد على لسان امرأة وكاتبها رجل .كما هو الحال مع رواية (( اوراق سيدة الشجر لعبد الزهرة علي ))((4. وتكاد رواية الضفاف السعيدة تشعرنا بالانثى ونعومتها ، حتى يخيل اليك ان الكاتب امرأة وليس رجلا .
رابعاً : تناقضات وخلطة سحرية
دجلة بطلة روايتنا تحب ابن عمها عادل ، فهو رفيق طفولتها وزميل صباها ، وشريك نضوجها ، الذي تخلى عنها مهاجراً ليتركها في كآبة وحزن وقنوت ، انتظاراً لعودته المستحيلة . فيجعلها ترسم خطوط حياتها في خريطة روايتها ناقلة مزاوجة عادل في لوحته الى روايتها بمزجها و خلطها خلطة سحرية للعوامل اعلاه وللتأثيرات الذاتية والمحيطة ((5.
خامسا ً : الملخص
حبكة رواية الضفاف السعيدة وثيمها ومحورها تأتت من موقف عادل الذي فتح التأويل في اللاوعي للبطلة . فأبيها كان رمزا لها ذلك الفنان المعماري الذي شيد العمارة الجميلة – تيتمت به وهي صغيرة – ووجدت في ابن عمها عادل استمراراً لتفوق ابيها الفني ، فما نالته وما نالت عاطفته ولكنها وجدتها في شخص المهندس جهاد جليل من خلال سطوره التي سطرها في كتابه الضفاف السعيدة ، وتتفاجأ فتجده انسانا راحلا غير موجود، غرق في دجلة فتأبى ان تتقبل موته لأنه مخلصها ، انه يوليسيس الذي ينشد ايثاكا لينقذ زوجته بينولوب ويحررها من حكم الطغاة الذين استوطنوا قصره وهكذا كان جهاد جليــــــــل (يتشارك باختصار حرفي اسمه مع جيمس جويس ج .ج ) المهندس ابن العائلة المكافحة هو المخلص بدلاً عن عادل ابن الطبقة البرجوازية .
وهنا كانت المزاوجة في الملاحم الاغريقية ، يوليسيس الملحمة ويولسيس جويس .
سادسا ً: ربط ملحمي :
ديدالوس في الاساطير الاغريقة (يعني اسمه الصانع الماهر ) هو الفنان البارع الذي صمم الابيرنث (قصر المتاهة الذي حبس به المونيتور). وقد استخدم اسمه جويس كوالد لبطل روايته في حين في رواية القره غولي كان ابيها ذلك الفنان الماهر الذي ارادت له البقاء وكلا الروايتين بحثت عن العلاقة بين الاب والأبناء .
سابعاً: مقاربات – جيمس جويس (ج ج ) .
يبرز الاديب جيمس جويس مراراً وتكراراً في رواية دجلة لضفافها السعيدة حيث كتبت اطروحتها للتخرج عن روايته يوليسيس وحوله .. ثم ساعدت اختها في كتــــــابة رسالة الماجستير حول ادب جويس لذلك فان تعلقها بأفكار الاديب العالمي وبشخوصه واضحة وكانت قريبة جدا ً منها .، ويظهر الكاتب القره غولي تعلقها بالادب الانكليزي (الذي انهت تخصصها به) وتأثرها الشديد به بتأثيرات ابن عمها وخالتها (اهدتها نسخة من يوليسيس ) وحياتها البرجوازية فيضمّن الروائي من خلالها قصائد من الشعر الانكليزي بطريقة الكولاج كمكمل لسرد الرواية بطريقة فنية جمالية .
ثامناً : احلام .
ثيمة الانتظار بالمخلص الموعود تظهر بجلاء في روايتنا هذه اذ تشير الساردة الى المخلص الذي تحلم به ، ناقلة صورة العراق وسط الازمات والحروب محاولة رصد تحولات البلد وتراجعاته بموت الطبقة الوسطى المثقفة ( (10عبر مقتل او وفاة معظم افراد عائلتها . وقد مهد عدنان القره غولي لكل ذلك ليوصلها الى حافات الجنون ، ولم يعط لنا المغزى الحقيقي والبعد الحقيقي للرواية الا في نهايتها لاكتشاف ذلك المغزى : المخلص ، المنقذ الذي غيبه عنا بقصد ، وليؤشر الغياب و الظلمات (11ثم يدلنا عليه في نهاية الرواية فيظهر اسم الراويه (دجلة للمرة الاولى والوحيدة في الصفحة قبل الاخيرة للرواية ) دجلة المنقذ ، دجلة الخير ، دجلة خير من يقرأ اشعار الحصيري واحسن من يفهمها ، دجلة التي يرمي جهاد جليل اشعاره فيها . او يسقط في مياهها شهيداً او مغيبا ً فيظهر فيها اسمها ((دجلة )) كناية عن الخلاص والمياه التي تغسل اثامنا ((12.
تاسعا ً: مرجعيات .
ابو بطلة الرواية .. هو ديدالوس آخر ..مصمم معماري ، مهندس . تكتشف الساردة ارتكابه ذنبا ً في طفولتها ، اشبه بالذنب الذي ارتكبه ديدالوس في الاسطورة الاغريقية بهروبه الذي تسبب في سقوط ابنه ايكاروس وموته حسب الاساطير الاغريقية .
والد دجلة يتوفى في ظروف غامضة وأجواء مريبة مشكلا تراجيديا بائسة ونهايات حزينة ((13 .
عاشرا ً : ، بداية اسطورة ونهاية حياة.
قد تكون الرواية نبوءة خلاص ، ونهاية اسطورة غيبية للانتظار السلبي لقدوم المخلص /المنقذ في ثقافات الشعوب ، ودياناتهم وخصوصا ً عند انتشار السلبيات الاجتماعية فتسيطر الافكار الدينية (تنتهي احداث الرواية عام 1996 وهي مخطوطة عامي 2002 و (2003 فتبحث الشعوب عن مخلصها حسب الافكار الدينية والكتب السماوية لانتظار ظهور العزير عند اليهود والمسيح عند المسيحيين والمهدي (ع ) لدى المسلمين فتحلم بظهوره وتبشر به ((14 .
احد عشر : حوارت تأكيدية
نلخص هوامشنا وحواراتنا التاكيدية:
أ- تسأل البطلة صديق ج.ج (المهندس بائع الكتب في شارع المتنبي ككاتب المقال الذي هو مهندس باع الكتب في فترة الحصار ) فيخبرها عن اشاعة ظهوره بعد غرقه (تعبير عن الموت غير المؤكد بل ان الكاتب يجعل موت البطل غامضاً للقارئ فيفكر في موته مقتولاً او منتحراً ربما) .
تسأله – هل هو مسيح جديد ؟ (15 ).
– ربما يكون مسيحاً آخر . ليته يظهر .( ص (98.
ب- دجلة تلتقي بمخلصها ليلاً عند ذات الجسر الذي هوى منه عند القيام باعماره لنكتشف التماع الاضواء واصوات الموسيقى في لوحة جمالية نادرة .حيـــــــــــث تعــــــــــزف موسيـــــــقى القـــــــــــداس الجنائــــــــزي للمحنة العراقيـــــــــة
القداس الجنائزي هو العنوان الذي اشتق منه العنوان الثـــــــانوي للرواية Manifisto in D minor والفصل هذا موشحاً بقصيدة (عبرة راهون تبكي ) لجيمس جويس (16 ) في كولاج متناسق مع متن السرد فتراها مخاطبة ج ج وهو يرمي صفحات كتابه الضفاف السعيدة – ليجمع الاوراق والماء في عناق ( ص 136 )وهو نفس عنوان روايتها / الميتاسرد / التي كتبتها باحثة عن نفس المغزى وذات الاهداف .
ج- يقول جهاد جميل انه يرسل افكاره الى ضفافه السعيدة لن يوقفها السايكلوب بوليفومس و اوليوس ولن تؤخرها السيرينيس (ص 137) ليؤكد الكاتب المزاوجة بين الاوديسة و الذي قصد به جويس برمز السايكلوب احادي العين الذي رمز به الى الطائفية و ذي النظرة الواحدة ليؤشر لنا احدى علل المجتمع وتحدياته .اما اوليوس Aelous ملك الرياح الاربعة 17) ) في الاوديسة يؤخر رحلة يوليس في العودة الى اثاكا حول الخلاص بارساله الرياح الاربعة كل على حين ) فهو يرمز الى تحديات الاستقطابات الاقليمية والدولية حينها التي تعصف بالمجتمعات وتتجاذبها الى صراعاتها ولعلها اشارة ذكية الى السيطرة الاحتكارية الجديدة بواسطة رمز هذا الكائن الاسطوري عبر العولمة وآلياتها فتأخر حريتنا ويعقونا لفترات زمنية من عمر الاجيال وفي الاشارة الى السيرينيس (السيرينيات في الاوديسة هي حوريات لها اجنحة تسحر البحارة المارين قربها حين يسمعون غناءها فيسلبن عقولهم فقام يوليسيس بصب الشمع في اذان بحارته تجنباً لسماعها كي تنجو قواربهم ) وهكذا تنبأ القره غولي بسرقتنا كونيا ً الى عوالم افتراضية ، نعم انها مخلوقات خارقة ،تشوه سلوكنا وتجعلنا ندمن عليها فتسيطر على ادراكنا وكانه يشرح لنا نبؤة مستقبلية ، سر من الاسرار العجيبة للسيطرة . ما بعد الحداثة وما بعد / بعد التحديث .. بواسطة التطور اللآلي المدهش ( (18 الاتمتة (18)/ والمخلوقات الفضائية الغريبة / السبيرمانـــــــــــــــــــات (spare,s mans / اي القوة الكونية الغامضة / ما بعد فضاءات الانترنت .
و ربما قصد بها القره غولي البروببكندا ووسائل الدعاية واللهو في اسقاط حداثوي مثير لنسياننا اهداف الخلاص .
د – تعكس الرواية ضوءاً ساطعاً على ظروف العراق اشارة الى المكتبة وتجاوز دورها ، المعرفي في البحث عن الحرية والتطور والتقدم .. لان الحرية فهم الضرورة / حسب ماركس(19 ) ايثاكا مكتبتي غزاها الاهمال .. مكتبتي غرقى ، تمر بها الفصول و يولسيس غائب عنها.. يولسيس اين انت )) ( ص38 ).
ه – رؤية القره غولي الانسانية توضحت عبر :
1-مكبث والساحرات ص41-43
لمحات ذكية من الساردة المضمرة الى النساء اللواتي ساهمن في في تحطيم الاب: خالتها شذى وأمها وحبيبته الايطالية 20 )).
2-والدة دجلة / جامدة المشاعر ، صخرية الاحساس ، كأنها عديمة الانوثة ، امرأة قانعة، سلبية ، فيما تظهر خالتها تضمر عقدا دفينة لكنها ، طموحة ، امرأة باسرار غير معلنة .واذ تكون دجلة قد تربت عبر تأثير الامرأتين هاتين من الطبقة الوسطى فانها اصبحت سلبية بعيدة عن مؤثرها الحياتي الفعال .
3-رؤية الشبح والاموات ، الاب ، حمى الضياع ، وترددات ايهامية للتوصل
الى الحقيقة ، ولعل ظهور الاشباح وسط العزف السمفوني / خلفية الرواية / من اهم التفنن السردي والتوصيف السيميائي الخلاب الذي يذكرنا بالروايات العالمية واجوائها الغامضة .
4-خلود جهاد جليل والقداس الجنائزي لموزارت . تتضح ان هنالك علاقة سحرية بين الاثنين فالأولى للتأثر والتأثير ورمزية لدور الطبقة الكادحة والمستضعفين في حياتنا والثانية رمزاً ثقافياً وخلفية جمالية مؤثرة والعلاقة بين جهاد و موزارت طبقياً.
5 -بناء المكتبة تقليداً طراز مكتبة شكسبير و شركائه الغربي الفخم اشارة الى دور الغرب في تأسيس العراق الحديث ورمزاً للثقافة الاجنبية المؤثرة على تفكير الطبقة الوسطى .
6-مريم والمخلص ( ص (148تدل على نظرتنا المقدسة للمخلص كما اشرنا سابقاً .
7-الاب رمز لماضي لم يكتمل ، وكما قلنا المكتبة لثقافة تحتضر ، وعالم يموت وكأن عدنان اوضح نهاية للتأثيرات البريطانية ، والاستعداد للتتغير الامريكاني .
اما ( ج ج ) المهندس العراقي فالأمل بالمستقبل وبصانعه المعماري / البناء الماهر (ص 183 ) ولعل خبر موته واختفاءه ، ثم عودته المتكررة ، كشبح او كإنسان كياني حسب رؤيته من الآخرين ربما اراد المؤلف ان يقول لنا بأن الامل لن يموت بعودة الصانع الماهر !؟ .
استنتاجات نهائية
هل ارادت الرواية القول :-
1-ظلم الحصار ، والسيطرة الكونية اللاحقة واثارها السلبية على المجتمع.
2-موت الثقافة بانهيار الطبقة الوسطى وموت ابطالها ورموزها وتأثيراتها الثقافية.
3-الرواية عكس المنطق الاسطوري اذ تثبت لنا تراجعاً مخيفاً وسلبيا ً بموت ابطالها وانهاء ادوارهم ودلالة اكيدة على التراجع السلبي العام في مجمل حياتنا ، وانهيار البنية التحتية للمجتمع ، وتوقف البناء الفوقي مما يؤدي الى توقف النمو المعرفي والتطور الاقتصادي وسلبية المجتمع بتخلفه وتراجع القانون .
4-من الناحية الفنية ، والتقنية ، استعمال السارد المضمر ، وبسرد هجين ، مختلط ، فسيفسائي ، وتعدد الادوار لابطال الرواية وشخصياتها الرئيسية والثانوية ، وبسرديات مكثفة ، وتفنن بلاغي بين لنا الظهور والغياب المتكرر و بانسجامية لغوية أخّاذة ، كل ذلك يجعل من الرواية فتحاً جديداً في عالم الرواية العربية المعاصرة ، ومن ناحية التأثرات والتأثر بعوالم اخرى اضفت لها ابعاداً كونية متصاعدة ، اسمحوا لي بالقول انها من اهم الروايات العراقية التي ظهرت في السنوات الاخيرة .. بل من احسنها تكاملاً فنياً ، لغةً ، سرداً حسب رأيي المتواضع .
























