الحلم بلّم الشمل في رواية طشاري

الحلم بلّم الشمل في رواية طشاري

سيرة شخصية لتاريخ العراق السياسي المعاصر

ناطق خلوصي

صدرت  ” طشاري ” ، رواية إنعام كجه جي ، في طبعتها الثانية عن ” دار الجديد ” عام 2014وكانت طبعتها الأولى قد صدر ت عام 2013عن الدار نفسها ، ثم وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية ” البوكر ” ، وهي ثالث أعمالها الروائية بعد ” سواقي القلوب ”   2005و ” الحفيدة الأمريكية ”  2008  وتنتظر صدور رواية جديدة لها بعد بضعة أشهر .

 تقع هذه الرواية في  251 صفحة من القطع المتوسط  تتوزع على واحد وأربعين فصلاً قصيرا ًتتنقل الشخصيات والأحداث بينها تنقلا ً متواترا ً ،وقد اختارت الروائية مقطع قصيدة السياب” غريب على الخليج ” الذي يقول :

” لو جئتِ في البلد الغريب إليّ

ما كمُل اللقاء

المُلتقى بك والعراق على يديّ

هو اللقاء “

  لتستهل به الرواية وهو استهلال ينطوي على أكثر من دلالة ترتبط بأحداث هذه الرواية المفعمة بالحس الوطني. أما الإهداء فهو إلى ” ماهي شماس ” التي ربما تكون شخصية الدكتورة ” وردية اسكندر ،  الشخصية الرئيسية في الرواية ، مما يشي بواقعية أحداثها . أما عنوان الرواية  فتستعيره الروائية من المقولة الشعبية ”  طشاري ماله والي ” التي تشير إلى التشتت والتوزع مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات  ،وتفسر ذلك ” إنهم أهلي الذين تفرقوا في بلاد العالم مثل الطلق الطشاري . ” طشاري ماله والي ” تردد وهي تنوس في جلستها فيتهدج صوتها لكنها  تتماسك وتضحك لكي لا تبكي ” (ص  .(90تفتتح الرواية بوصول الثمانينية العراقية  الدكتورة وردية اسكندر اللاجئة حديثا ً في فرنسا  ، إلى قصر الأليزيه الرئاسي في باريس على كرسي متحرك ، مدعوة ً لحضور الاحتفاء بالبابا الذي كان في زيارة إلى فرنسا ، وتجد من الحفاوة بها ولاسيما من الرئيس ساركوزي  بشكل خاص ، ما أنساها بعض ما عانته من إهمال في بلدها الذي قضت أغلب سنوات عمرها في خدمته طبيبة نسائية وتوليد على درجة عالية من المهارة . لكن ذلك الاحتفاء لم ينسها مأساتها الشخصية المتمثلة بتشتت أفراد أسرتها  : ” رفعت رأسها تتأمل الثريات والنقوش الذهبية والرسوم البديعة التي تطرّز سقف القاعة  وتمنت لو كان زوجها المرحوم جرجس معها ، ليمسك يدها الباردة ويقارعها كأس الكريستال . لو ركبت هندة الطائرة من كندا  ورافقتها إلى الأليزيه  . لو حضر ابنها برّاق من تلك الجزيرة النائية وتأبط ذراعها . لو صعدت ياسمين  إلى أعلى برج في دبي  ونطّـّت إليها ” ( ص 16) . إنها محنة الأم التي تفرق أبناؤها وتركوها وحيدة  وجعلها ذلك تشعر ” كأن جزارا ً تناول ساطوره وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن ” ( ص 17)  وتحلم مع ذلك بلم شتات أسرتها في يوم من الأيام .لقد أحدثت الظروف المستجدة وضعا ً خاصا ًمأساويا ًفتح الباب على سعته للهجرة واللجوء والتشتت الأسري : ” هكذا هو أطلس الويلات . وقد وجدتها ياسمين فرصة لتهرب من بيت صار كالسرداب المهجور . صمت وعتمة  وحسرات وانتظار لغد ٍ أسوأ ” (ص  (19 لاسيما أنها تعرضت للتهديد بالاختطاف، و ياسمين هذه هي صغرى بنات وردية تصف الرواية بمرارة السخرية عملية زواجها  فتقول أنها ” شُحنت ” إلى عريسها في دبي ولم تكن قد رأته منذ سنوات . القرف وهوما كان يحدث في بغداد هو ” الذي دفع ياسمين إلى القبول  بزوج جاءها بالمراسلة . خطبها من شقيقها بالتلفون  … وتسلمها في مطار دبي مثل طرد بالبريد المضمون ” ( ص .(129إن توق وردية إلى أولادها ، جعلها  توظف التفاوت في التوقيت الزمني وسيلة ً للاستذكار لتدلل على أن أولادها الغائبين حاضرون في ذاكرتها ليل نهار :

” الساعة هي الأن السابعة صباحا ً في باريس ( حيث تقيم هي(.

التاسعة في بغداد ( حيث يعيش أقاربها وأصدقاؤها وذكرياتها( .

العاشرة في دبي  ( حيث تقيم ابنتها ياسمين ( .مازالوا  في  منتصف الليلة الماضية في مانيوتوبا ( حيث تقيم ابنتها هندة وأسرتها في كندا(.وهي الواحدة بعد منتصف الليل في هايتي ( حيث يقيم ابنها برّاق). وإلى جانب ذلك توظف الرسائل كوسيلة لتذكّر أولادها الغائبين ، فالرسائل وسيط أمين لنقل المشاعر ، لذلك كانت تحتفظ بها وتحافظ عليها بحرص : ” تسوف أوراق الرسائل وتتشقق من كثرة القراءة  والتقليب . تحاول وردية أن ترتبها  حسب التواريخ ” ( ص  57) .  ولأن عائلة الرواية هي عائلة الروائية نفسها ، كما قالت لنا ، فقد  منحها ذلك قدرا ً وافيا ً من المعلومات وظفتها في صياغة عملها الروائي  مما أتاح لهذا العمل من المصداقية  ما جعله يحظى بقبول القارىء بشكل كبير على ما نزعم . وكما هو واضح ، تبدو الرواية محكومة بحلم الرغبة في  لمّ الشمل وهو من الأحلام المستحيلة في ظل الأوضاع الراهنة وحاتلة عائلة وردية الخاصة  ، ونزعم بأن الروائية نفسها  تدرك هذه الاستحالة .

ابتكار فكرة

فهاهي تبتكر فكرة ” المقبرة الألكترونية ” فيتفتق عنها ذهن الفتى اسكندر الذي صمم قبورا للأموات من أفراد العائلة  والأحياء منهم أيضا ً لتضم رفاتهم  وليتحقق حلم لمّ الشمل من خلال لمّ شمل العظام في الأقل ما دام حلم لم شمل الأحياء لم يتحقق . واسكندر هذا هو إبن الراوية  التي  هي الروائية نفسها  ، وهو حفيد سُليمان شقيق وردية الكبير المولع باللغة العربية  ويتكلم بالفصحى ( وهو عسكري) ولم يكن يرد ّ على من لا يناديه باسم ” سُليمان ” بالضمة على السين. تنحو الرواية منحىً سيَريا ً حيت يتم التأكيد بشكل خاص على سيرة شخصية رئيسية فيها وسيرة مدينة يدور فيها جزء مهم من الأحداث مع التعرض لجانب من تاريخ العراق السياسي المعاصر  . أما الشخصية المعنية هنا فهي الدكتورة وردية التي عاشت طفولتها وصباها في الموصل ، وشبابها في بغداد حيت أكملت دراستها الجامعية في الكلية الطبية دون رغبة منها فقد ساقها  إليها معدلها العالي في الامتحان الوزاري مصحوبا ً برغبة أهلها ، وبشكل خاص ضغوط أخيها الكبير سليمان وكانت هي تتمنى أن تكون معلمة تشبّها ً بأختها . تم تعيينها ، بالقرعة ، طبيبة في مستشفى الديوانية  وكانت خائفة وهي في القطار، بصحبة أختها  التي تكبرها سنا ً، في أول سفرة لها إلى هناك ، لكنها فوجئت بحشد من المسؤولين  والأطباء ووجهاء  المدينة في استقبالها في المحطة ولم تكن تتوقع ذلك . وربما ترك ذلك الاستقبال أثرا ً نفسيا ً إيجابيا ًعليها فيما بعد . لقد كانت تعتقد بادىء الأمر  أنها لن تصمد في الديوانية  أسابيع وليس عاما ً واحدا ً كما  هو مقرر لها ، لكنها مكثت  هناك ربع قرن وتزوجت وأنجبت أطفالها  وغادرتها وهي في سن الكهولة . في الديوانية ” ستعيش أحلى سنوات شبابها . وستواجه مخاطر المهنة  وستسهر على نار أو تنام قريرة العين . وستعقد أوطد الصداقات  وتخالط أشكالا ًمن الناس وتتعلم كيف تتعامل معهم: فرّاشا ً ذا أسمال أو إقطاعيا ً صاحب أطيان ” ( ص 34). كان ذلك  منتصف خمسينيات القرن العشرين  حيث كان النسيج الاجتماعي العراقي ما زال متماسكا ً ولم تكن سلسلة الحروب قد بدأت لتخلخل هذا النسيج فيأتي الاحتلال ليمسح كل أثر للتماسك. تصف الرواية الديوانية آنذاك فتقول عنها وعن صلة وردية بها ،أنها : ” مدينة هادئة ومتقشفة ومحافظة وتشبه شخصيتها . مضت إليها أول ما مضت بكثير من التهيب   وكأنها  تنهض من مهد ميلادها وتسير إلى نعشها . كل ما عاشته قبل الديوانية قشرة بصل . وكل ما ستعيشه فيها سيمد جذورا ً ويرسخ  وينمو ويتفرع ويخضوضر  ويبرعم  ويطرح الثمار ……. وهي ستؤرخ  لهذا المكان مسقطا ً لقلبها ” ( ص 31) في تقويم ايجابي للمدينة. ولعل من أبرز سمات الديوانية آنذاك أنها مدينة تسامح ديني و تعايش بين المكونات وكان غير المسلمين فيها يعيشون بحرية . فالدكتورة وردية ، وهي مسيحية ، كانت تسير سافرة وتقود سيارتها في شوارع المدينة المحافظة دون أن يعترض أو يتعرض لها أحد . أما  اليهودي صاحب معمل الطابوق أبو يعقوب فقد ظلت عائلته  تعيش بسلام إلى أن تم تعليق المشانق في ساحة التحرير ، خاف الرجل من أن يصله الدور فآثر أن يهاجر .  وفي مقابل الاحترام الذي حظيت به وردية في الديوانية ، ومن باب رد الجميل ، بذلت جهودا ً استثنائية  لخدمة أهلها  بادئة بالمستشفى الذي كان في حالة مزرية . فقد كانت ” الردهات مثل سوق شعبي . في كل منها عشرة أسرّة يقيم فيها عشرون مريضا ً نصفهم يرقد على الأرض “(ص 18) . ووجدت أن من المعيب أن يفتقر لأية  صالة توليد مما يحرج النساء أثناء الولادة  ، فتحركت على المسؤولين ولم يهدأ لها بال إلى أن أفلحت في تحويل إحدى الشرفات في المستشفى إلى صالة نظاميبة للولادة.مهنيا، كان عليها أن تكسب ثقة نساء المدينة كما تقتضي مصلحتها وعوامل نجاحها في عملها وشهرتها وهي داخل وسط محافظ وعشائري ، فتحركت في هذا الاتجاه ولكن بذكاء وحذر. كانت تحضر مجالس العزاء التي تقيمها النسوة في بيوتهن في المناسبات الدينية  وتفعل مثلما يفعلن : ” في القرايات تنساب دموع وردية بدون  أزجال أو محفزات “(ص 172)  حيث تتذكر موتاها . وكان ابنها برّاق ، يشارك ، وهو صغير ،  في طقوس عاشوراء في المدينة .. وكانت تعرف أنها : ” لا يشفع لها أنها طبيبة آتية من العاصمة لكي يثق بها الأهالي . أنّ لكل محيط  رموزه . لكل قفل مفتاحه ، ومفتاح نساء المدينة في عبّ العلوية شذرة “( ص 60) التي ستقتحم  مجرى الأحداث بقوة شخصيتها  ومكانتها الدينية وموقعها العشائري ، وكانت وردية في حاجة  إلى رمز بهذا المستوى تحتمي به  وييّسر مهمتها. وشذرة ، كما تقول الروائية : ” امرأة نسيج وحدها . نظرتها مسبار  وكلامها ماء ورد  وأدعيتها بلاسم ، تستمد احترامها  من لقبها الديني  الذي يشهد أنها من آل الرسول ” ( ص 60)  وهكذا جمعت الرواية بين العلمي والروحاني فاستغلت وردية هذه الخصيصة لصالحها ,فقد ” طمأنتها العلوية  ووعدتها بأن تروّج لها بين النساء . كانت متنفذة  ومطاعة ومرهوبة الجانب ” ( ص 63)  وهي النموذج الذي كانت الدكتورة تبحث عنه وتحقق لها ذلك .  كسبت ثقة نساء المدينة إلى الحد الذي صرن يحرصن على الذهاب إلى عيادتها في بغداد بعد انتقالها من المدينة .   كان الحس الوطني هاجس وردية في شبابها . ففد كانت تقود المظاهرات  ضد الانكليز ومعاهدة بورتسموث مثلما كانت تجمع التبرعات لجرحى التظاهرات . لكن انغمارها في العمل المهني أضعف ذلك الحس  دون أن يغادرها تماما ً وحين داهمها هاجس الرغبة في الهجرة تحت وطأة الشعور بالوحدة وربما بإلحاح  ابنتها البكر هندة اللاجئة في كندا ، ” ظلت تنــــفض رأسها طاردة ً الفكرة :

ــ أموت وأدفن هنا ولا أتهجول ” (ص  40) .

قدرة صمود

 لكن قوى الضغط التي تعرضت لها ( لاسيما النفسية منها ( كانت أقوى من قدرتها على الصمود  والمقاومة  فآثرت الهجرة إلى فرنسا حيث تعيش إبنة أخيها وأسرتها الصغيرة . تعتمد الرواية على الاسترجاع بشكل واضح تنتظمها سلسلة من الاستذكارات ترد على لسان وردية أو ترويها ابنة أخيها عن لسانها . ونتعرف من خلال ذلك على جوانب من تاريخ العراق السياسي الحديث . فنمر بأحداث مظاهرات عام 1948 التي شاركت فيها وردية في مطلع شبابها ، كما سبق لنا أن ذكرنا ، ثم بثورة 14 تموز 1958  وما رافقها من أحداث دموية إلى جانب التحولات التي استجدت في المزاج العام ، ولم تعد وردية تحتفظ بحماس مطلع شبابها السياسي ، ولم تجد ما يغريها بالميل إلى اليسار (والشيوعي منه بشكل خاص) أما بسبب انشغالها بعملها كطبيبة ، أو بتأثير أخيها سليمان  الذي كان مواليا ً للحكم الملكي وتضرر من ثورة 14  تموز التي أحالته على التقاعد ، إلى جانب تأثير زوجها الدكتور جرجس منصور الذي كان قومي الاتجاه فقد ” صار ناصريا ً عنيدا ً وفُجع ، بعد النكبة بمرارة  النكسة . بكى رحيل جمال عبد الناصر  كمن يبكي أباه . ظل الدكتور جرجس منصور ناصريا ً ومرض ومات وهو يحلم بالتحرير ” ( ص 108) . كان الاهتمام متبادلا ً بين هندة وأمها . فقد بذلت جهودا ً من أجل وصولها إلى كندا لمعالجة  ألم ركبتيها التي تشكو منه ، لكن الحكومة الكندية رفضت تحمّل نفقات اجر اء العملية  فاحتجت   قائلة ً : ” آخ من هاتين الركبتين. حتى كندا ليست مستعدة لتحمل نفقات علاجها : ” يحضرون في  التحالفات  والحروب ، يرسلون الجنود والطائرات. يقصفون  ويقتلون ويحاصرون . ثم يولون  ولا يبولون على يد مجروح ” ( ص 59) . وتتوقف الرواية عند صور معاناة اللاجئين العراقيين  فتقدم حالة هندة وأسرتها مثالا ً على ذلك : ” كان زوجها مهندسا ً  ناجحا ً في بغداد وشارك في تشييد المطار الدولي ، وهي كانت طبيبة تبني حياتها معه  وتعرف إلى أين تمضي بهما الأيام . لكن الحرب  بل الحربان   شوشتا الصورة  وقذفت بهما إلى الأردن ” (ص 181)  لتبدأ رحلة المتاعب  . تصف   الرواية حجم معاناة هندة عندما كان  زوجها سلام قد استدعي للخدمة العسكرية و” بدأت الحر ب وانفتحت نار جهنم ” ( ص 181) . كما تصف  ما حدث في طريق الموت  عند توقف معركة الكويت وانسحاب القوات العراقية: ” يصل سلام أشعث أغبر مرتديا ً دشداشة متسخة  وقد انسلخ لحم بطنه . زحف مع رفاقه على الرمل الحارق في طريق الموت ” ( ص 183) . ثم بدأت رحلة البحث عن عمل ، لتبدأ بعدها رحلة البحث عن اللجوء الانساني ، وهي رحلة تحملت  هندة جزءا ً كبيرا ً من مهمة تحقيقها  وفي كندا التي وافقت على قبول لجوء الأسرة كان عليها أن تتحمل عناء السعي  للاعتراف بشهادتها لتعيبيبنها فاجتازت كل الامتحانات المطلوبة لذلك . وحين تم تنسيبها للعمل في محمية للهنود الحمر في منطقة نائية، كان عليها أن تحمل  معها ابنتها الرضيعة  بالطائرة في رحلة أسبوعية ، متنقلةً بها بين موقع عملها ومحل إقامتها ، ست ساعات في الطائرة ذهابا ً ومثلها قي العودة . ولم تكن معاناة أسرة أم اسكندر وهي في فرنسا أقل من معاناة هندة . لقد سبقت عمتها وردية في اللجوء هي وأسرتها الصغيرة ، لكنها ترقض العودة إلى بعداد رغم أنها  تقول عنها أن ” الشوق إلى بغداد  يجلدني كل يوم  وينفذ قيّ حد الهجر والنكران. فارقتها ولم أشبع منها . أحلى البلاد وموطن الحب الأول ” ( ص 243)  ترفض العودة  رغم معاناتهم في شقتهم الصغيرة  في باريس حيث يمنع عليهم الكلام أو الضحك بصوت عال ٍ لكي لا يتسببوا في إزعاج الجيران والتعرض للمساءلة  القانونية. أما زوجها  فيتخلى عن شهادة  شهادة الدكتوراه  التي يحملها ويفتح مطعما ً للفلافل يقف فيه طوال  اليوم ، بل أنه ” يجلد نفسه بتعليق شهادة الدكتوراه  على حائط المطعم  فوق المقلاة  العميقة للفلافل ” (  ص 90) لغة الرواية فصحى مطعّمة بمفردات وتعابير عامية أو فريبة من العامية ،  مستعارة من أكثر من لهجة ، بدءاً بالعنوان ” طشاري” ومرورا ً ب ـ” عجيّة ” ( التي تعني طفلة صغيرة بلهجة  الموصل( و ” صخر جلمود” و ” ناس ملاح ” (بلهجة المغرب) و” إنت منين “و” تاليها يابنة أخي الحبّابة ” و لايبولون على يد مجروح ” و” شلتك ببطني ”  و ” اتهجول ” و”فلافل “، وغيرها ، وهي مفردات وتعابير مستساغة قريبة من النفس وتحظى  بقبول واضح . أما الإشارة إلى اسم المطرب ” سلمان المنكوب ” فلها دلالة موحية بالارتباط مع نكبة العراقيين  بالحروب والحصار والاحتلال  والهجرة وطلب اللجوء الإنساني بما ينطوي عليه من صعوبات ومخاطر .

رحلة طويلة

  ومثلما بدأت الرواية بوردية فإنها انتهت بها أيضا ً . بدأت بها وهي في باريس وانتهت بها وهي في باريس التي  كانت قد وصلتها  بعد رحلة عمر طويلة قضتها بين الموصل وبغداد والديوانية .إنها تستذكر الآن أيام بعداد في ظل الاحتلال الأمريكي . فقد تخلت ” عن عيادتها  حين لم تعد تأمن على روحها هناك . دخل الأميريكان  وملأت أرتالهم  الشوارع فسادت الفوضى بدل النظام واشتدت الريح الصفراء ” ( ص 248)

. وبدلا ً من أن تسجل في ذاكرتها  أسماء المواليد  ألذين ولِدوا على يديها ، كانت وردية وهي في بيتها في بغداد فد علقت على جدار مطبخها ورقة تسجل عليها ” أسماء  القتلى من زميلاتها وزملائها ، من تعرفه ومن لا تعرفه ” ( ص 249) . وكان هذا سببا في هجرتها  ، مخلّفة ً وراءها الوطن الذي أحبته وسفحت سنوات عمرها فيه !