
حين سمعنا صفير الرصاص، تسمَّرت خطواتنا في محلها، ورأينا سيل الطلقات تنغرس في التراب على بعد أشبارٍ من أحذيتنا، مخلِّفة زوبعة غبار سرعان ما تصاعد وصار يغطينا من جميع الجهات، الحق ارتبكتُ حينها أشد الارتباك، إذْ طيلة حياتي في معارك الجبهات لم أشهد رصاصا ماكرا ً هكذا يراقب خطواتنا خطوة بخطوة، قلتُ في سري وقد تثلَّجتْ عروقي:
- لقد انتهينا!
غير أنَّ تلويحة الفتى الكردي «محمد» نحو جبل شاهق أعادتْ الخفقان إِلى قلبي، حين رفعنا الرؤوس إِلى ذلك الجبل، رأيت غمامة رمادية تومئ هي الأخرى بالبنادق التي كانت مواسيرها تلصفُ بوميضٍ لامع لانعكاس خيوط الشمس عليها، حينها كوَّر الفتى الكردي يديه على فمه وراح يحدثهم بالكردية، وبعد مناورات كردية بالكلام لم تطل كثيرا، التفت الفتى نحونا وقال متبسماً، وهو يلحظ هلعنا المتصاعد من رئاتنا اللاهثة:
- أنتم في أمان.
بزغتْ ضحكة المانعي قبلنا جميعا؛ وأدركت حينها انه كان خائفاً وأقلَّنا شجاعة. لم تمر سوى دقائق كُنَّا خلالها نحاول إعادة الهدوء لهواجسنا القلقة، حتى رأينا أمامنا ثلاثة من الكُرد بلحاهم الطويلة المحلزنة وقد غطت صدورهم أشرطة الرصاص، كان المشهد بحاجة إِلى كثير من الهدوء والشجاعة؛ لم أجد سوى زمزمية الماء التي كان يحملها أحدهم ممراً لتبادل الثقة والتفاهم، فقلت:
- أنا عطشان..
ما كدت انتهي من طلبي حتى كانت الزمزمية قرب فمي؛ دلقتُ جرعة ماء باردة في فمي، ومن شدة ارتباكي لم تصل إِلى بلعومي؛ فلقد أعدتها إِلى راحة يدي ونشرتها على وجهي، قلت في خلدي:
- مازالوا بريبةٍ منَّا.
كنتُ بحذر تام، وشهوة البقاء لدي ليست لها حدود، على خلاف الآخرين الذين شربوا الماء دون ريبة ولكن بشيء من الخوف؛ ربما كنت شديد المبالغة بحذري دون معنى، والحق لم أكن أشعر بالظمأ إزاء توقي وتعطشي إِلى الحرية والخلاص، وربما بسبب هذه الهواجس بدأت اشعر أنَّ الكُرد الثوَّار الذين برفقتنا، صاروا ينظرون لنا بتهيب وعناية. دعوني هنا أتوقف قليلاً، طيلة حياتي في المعارك العصيبة تيقنت من حكمة واحدة: هي أنَّ الشجاعة الحق تلك التي تلتهب في أعماقك وليست تلك التي تراها مستعرضة أمام العين، فلطالما رأيت جنوداً يتحدثون كثيراً عن جَلدِهم وجرأتهم ولكنهم في ساعات الموت الحاسمة، رأيتهم يهربون كنعاج، بينما رأيت الذين هم في نظرهم جبناء، أشد الشجعان، أذكر أنَّ والدي قال لي ذات يوم:
- المظلوم أشد الشجعان ولكن الفرصة لن تتيسر له، ولكن إياك من شجاعته عندما يظفر بلحظات الحرية.
لقد تجسَّد ذلك بوصولنا إِلى تلك القرية، التي كانت أغلب بيوتها مشيَّدة من الطين، ويبدو أنَّ قاطنيها قد فرّوا منها قبل شهور، إنْ لم أقل قبل أسابيع، والبرهان مهد الطفل الخشبي الذي رأيناهُ بكامل مستلزماتهِ محترقاً، حتى «خرخاشة» الطفل مازالت على وسادته وقد سالت روحها وألوانها من شدة العصف، بيد أنَّ إبريق الماء لما يزل يحتفظ بمائه، وبصوت مبحوح تساءلت:
- ربما يعرف الثوَّار بيت أي مسكين هذا؟
وبسرعة فائقة ترجم محمد سؤالي إليهم ثمَّ عاد يقول لنا بعد أن سمع الجواب من أحدهم:
- هذه داره، وهذا مهد طفله..
وخزني قلبي وأنا أتساءل بوجلٍ:
- ما الذي حدث؟
هيمن على الجميع صمت رهيب بعد سؤالي؛ أقول مريع لأني لمحت أحدهم يضع سبابته على زناد البندقية؛ سرعان ما تركنا في حيرتنا وخرج إِلى فضاء القرية المطبوخة بالقنابل الثقيلة؛ وراح يطلق الرصاص برشقات طويلة؛ بينما انشغل المعتوق بخلع حذائه الممزق لينتشل حذاءً بالياً منسوج من القطن كان مهملاً في زاوية الغرفة وبمهل دسَّ قدميه بجوفيه الرطبين وهمس بأسى:
- إنها أجمل وأقسى ذكرى.
هنا استخبر المانعي بهلع:
- لم أفهم لماذا الرجل أطلق الرصاص بهذه الرعونة؟
كدت بحدسي أنْ أجيبه، ولكن لا أدري لماذا فضلت الصمت؛ وأي كلام يجدي وأنت تشم رائحة البيوت المحترقة تملأ خياشيم روحك. كان الدمار قاسياً في أرجاء القرية؛ بينما صاحب الدار بعد أنْ أفرغ مخزن البندقية وشحنات غضبه، انتبذ ركناً قصيًّاً وهو يجفِّف الدمع بكوفيته المرقطة، فعلق الفتى الكردي:
- لقد فقد عائلته بالكامل هنا.
أشار إِلى البيت الذي مازالت رائحة الشواء تنبعث منه. رافقنا الصمت حتى وصلنا إِلى قرية «قوچان»، تركونا في بيت مهجور؛ حتى زحفت ظلمة الليل إِلى هواجسنا وغربتنا، حاولنا حينها استفهام ما جرى لتلك القرية، لكن الفتى كان يجيب عن أسئلتنا بالدموع تارة، وبشتم صدَّام تارة أخرى، فكرت حينها بانتشال البندقية من بين يديه، فلربما عاطفته المشتعلة تدعوه إِلى زرع رصاصها في أحشائنا، لكن تلك الفكرة المخيفة تبدَّدت، عندما دخلت علينا فتاة كردية بزي مزركش لماع وهي تحمل آنية من الخبز الأبيض كبرقع عروس مع إبريق اللبن، كانت الفتاة واثقة من نفسها كما لو أنها اعتادت على هذه الخدمة على الرغم من عمرها اليافع؛ وحين سألها محمد «باللهجة الكردية «:
- أنتِ ابنة من؟
أجابت بالكردية التي ترجمها لنا فيما بعد:
- أنا ابنة الثوَّار؛ وافتخر بخدمة أي مناضل يقارع ضد الطاغية.
كان مديحها في الواقع أكثر مما نستحق، فنحن لم نكن سوى شعراء في بداية مشوارهم، وهربنا للخلاص ليس إلاَّ. عرفنا أنَّ هؤلاء الثوَّار البسطاء بدأوا يحرصون على احترامنا ومودتنا لأنهم ببساطة كانوا يظنون أننا سنصبح قادة العراق في المستقبل القريب؛ إذْ بعد استجوابنا التمهيدي طلبنا منهم رؤية مام جلال الطالباني للتحاور معه، وكان ردهم أنَّ ذلك يستغرق وقتا، فقلنا لهم:
- بمقدورنا الانتظار.
فازداد تهيبهم منا واحترامهم لوجودنا بينهم؛ وبتنا نصدق تلك الفكرة في تلك الليلة، أننا أصبحنا مناضلين دون أن ندري!
حسن النواب























