التشاور في قمة الرياض

التشاور في قمة الرياض
عبد الله محمد القاق
القمة التشاورية لمجلس التعاون الخليجي التي احتضنتها المملكة العربية السعودية الاثنين الماضي تجيء في ظروف صعبة وحساسة انطلاقا من رغبة جلالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز في جمع الصف ووحدة الكلمة والقضاء على الخلافات العربية الراهنة والتوصل الى مواقف موحدة ورسم سياسة استراتيجية شاملة لدول المجلس تكمن في بلورة اقتراح جلالته الهادف والبناء بالانتقال من مرحلة مجلس التعاون الى كيان واحد اتحاد من شأنه دفع المشكلات التي تواجه المنطقة والنهوض به في مختلف المجالات. هذه القمة التي تعلق عليها الدول العربية والاسلامية اهتماما كبيرا تكتسب اهمية في ظروف ثورات الربيع العربي وتفاقم الاوضاع في سوريا والتحديات الراهنة في الخليج والانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر وكذلك الاستفزازات الايرانية لدول المنطقة والاوضاع العراقية والمصالحة الفلسطينية وانشاء حكومة حرب اسرائيلية بالاضافة الى مجمل الاوضاع والتطورات الراهنة على الساحتين العربية والاقليمية والدولية والتحديات التي تواجه الامة العربية بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص الامر الذي يجعل من هذه القمة التشاورية التي سيحضرها قادة دول الخليج العربي نقطة فارقة ومميزة في تاريخ القمم الخليجية والعربية ايضا.
والواقع ان القمة التشاورية اعد لها وزراء الخارجية اعدادا كبيرا بغية اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتجسيد قرارات القمة السابقة التي عقدت في السعودية برئاسة خادم الحرمين الشريفين في ضوء اقتراح بالانتقال بمنظومة الجلس الى اتحاد والتي من سأنها تجسيد ركائز متطورة لهذا التعاون من اجل دفع عجلة التنمية الخليجية الاقتصادية والاجتماعيةومواجهة التحديات الراهنة التي طالما تطلعت اليها شعوب دول المجلس وعقدت الامال الكبار لتحقيق التطلعات العربية المنشودة.
وهذه اللقاءات الاخوية ستسهم في دعم مسيرة العمل الخليجي المشترك لان رعاية جلاته لهذه القمة ودعمه المتواصل للقمم السابقة يشكل علامة مميزة ومضيئة في دعم هذه اللقاءات الخليجية او غيرها من مؤتمرات القمة العربية لدوره البارز ورؤاه الوطنية والقومية في دعم الصف العربي والتعاون الاخوي المشترك ويحقق التضامن العربي والاسلامي المنشود لا سيما وان للمملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة الدور الرائد والبناء تًجاه القضايا الاقليمية والدولية والتي كانت تمثل لأمتنا تحديا سياسيا وامنيا حقيقيا حيث اسهمت رؤى وتجانس منظومة هذا المجلس من اجتياز مختلف التحديات التي واجهته بكل ثقة واقتدار.
كما وان هذه الاجتماعات التشاورية التي يرعاها ة خادم الحرمين الشريفين والقيادة السعودية عقدت وسط احداث هامة في البحرين سيبحثها القادة الخليجيون توطئة لدعم مسيرة اقتراح جلالته باقامة نوع من الاتحاد مع البحرين في اطار الرغبة الجادة بدعم هذه الدولة العربية الشقيقة المعروفة بسياسة قيادتها الوطنية والقومية الحكيمة وسعيها للاصلاح المنشود الكامل لتحقيق رغبات شعب البحرين العزيز والنهوض به في مختلف المجالات خاصة وان السعودية تسهم اسهامات كبيرة في دعم العمل العربي المشترك عبر كل الصعد والمجالات في وجه التحديات الراهنة والازمة الاقتصادية الخانقة التي تواجه دول المنطقة. والواقع ان من الموضوعات التي سيوليها هذا المجلس خلال هذه الجلسات التشاورية مسألة الاستيطان الاسرائيلي ورفض اسرائيل الاذعان للقرارات الدولية بشأن الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، ومواصلتها قضم الاراضي في القدس واستمرار توجيه التهديدات للفلسطينيين واللبنانيين وفرض الحصار الجائر على شعب غزة مدعومة بهذه السياسة من الولايات المتحدة والتي ارادت الولايات المتحدة من السلطة الاذعان للدخول في مفاوضات بالرغم من فشلها في اقناع اسرائيل بوقف الاستيطان علما بان مزايا وضمانات كثيرة قدمت لها لإثنائها عن موقفها المتغطرس والمتعنت تجاه قضايا الامة.. كما وان مسأة دعم اقتصادات كل من الاردن والمغرب ستون في اطار هذه اللقاءات فضلا عن مسألة احتلال ايران لجزر ابو موسى وطنيب السفلى والكبرى والتي كانت على مدار البحث خلال القاءات الماضية ستحظى بالاهتمام لان هذه القضية تؤرق دولة الامارات العربية ودول مجلس التعاون الخليجي خاصة بعد المناورات التي اجرتها ايران في جزيرة ابو موسى ولقيت انتقادات حادة من السعودية والدول العربية كافة لاسيما وانها جاءت في هذه الظروف الراهنة حيث طالب مجلس التعاون في مؤتمراته السابقة بضرورة انسحاب ايران من هذه الجزر واعادتها الى دولة الامارات كما وان الملف النووي سيكون حاضرا خلال هذه اللقاءات حيث يرى الجانب الخليجي كما ابلغني احد الوزراء الخليجيين مؤخرا بضرورة ان يكون الموقف الايراني شفافا وواضحا بشأن برنامجها النووي خاصة وان الحكومة الايرانية اكدت في اكثر من مناسبة بان هذا المشروع سلميّ وهي حريصة على اقامة علاقات طيبة وجيدة مع كل الدول بعيدا عن اي تدخل خارجي.
ولعل مسألة العملة الخليجية وغيرها من القضايا ستحظى باهتمام كبير في هذا الاجتماع التشاوري في وقت يرى فيه الاقتصاديون الخليجيون ان انشاء كيان الاتحاد النقدي الخليجي سيكون خطوة هامة ومتميزة في مسيرة مجلس التعاون الخليجي الطويلة نظرا لان هذا الاتحاد سيؤسس لانشاء البنك المركزي الخليجي كما افصح عنه العديد من الوزراء حيث اكدوا انه يعتبر بداية الطريق لاطلاق البرنامج الزمني للعملة الموحدة لانها تهدف الى توسيع رقعة الاقتصاد بين دول المجلس وتزيد من التعامل مع هذه المنطقة باعتبارها منطقة اقتصادية واسعة وغنية بموجوداتها واصولها الامر الذي سيضع هذه المنطقة كقوة اقتصادية كبرى في العالم.
ولعل هذه القمة التشاورية التي عقدت في الرياض تعتبراجتماعا تشاوريا له اهميته وهو بمثابة مراجعة للاحداث الراهنة واستكمال لدراسة توصيات الجنة التي شكلها مجلس التعاون الخليجي للمضي قدما في مسيرة اقتراح جلالة خادم الحرمين بانشاء الاتحاد الخليجي وهو الدور التي ستضطلع به منظومة مجلس التعاون في تحقيق تطلعات وطموحات شعوب الخليج ومن بينها انشاء السوق الخيلجية والاوضاع في العراق والتأثيرات الدولية جراء الازمة الاقتصادية العالمية على المنطقة العربية فضلا عن ان هناك دراسة ينتظر بحثها تتعلق بمسألة التعاون بين الدول الخليجية في برنامج نووي لاستخدامات الطاقة للاغراض السلمية لانه يشكل قيمة كبيرة تعكس ترابط دول المجلس واهتمامها بتعزيز الوحدة الخيلجية وتطوير عملية التنمية الاقتصادية في المنطقة لان امتلاك هذه التقنية للاغراض المدنية لم تعد ترَفا بل صار ضرورة حيوية وعملا استراتيجيا لإدخال تحسينات اساسية على الصناعة والزراعة وباقي المجالات الطبية والتنموية باعتبار ان هذه الطاقة تعتبر حلا نموذجيا للكثير من المشكلات ولمعالجة التحديات البيئية الناتجة عن زيادة الطلب على الطاقة مثل التغيرات المناخية والنقص في امدادات المياه والتصحر والاجتهادات التي تعاني منها البيئة الصحراوية والبحرية وتفاقم مشكلة تلوث الهواء وغيرها وكانت الكويت قد تقدمت في عام 2006 بهذه المبادرة الى قمة مجلس التعاون الخليجي لاستخدام الطاقة النووية وتبني المجلس ذلك دون ان يواصل تنفيذ مضامينه في مختلف المجالات.
والواقع ان التكامل الاقتصادي الذي يتطلع مجلس التعاون الى تحقيقه في هذه القمة التشاورية والذي بذل جلالة خادم الحرمين الشريفين واخوانه القادة الخليجيون دورا بارزا لتحقيق نجاح فعاليات المؤتمرات السابقة العتيدة سوف تؤدي الى فتح فرص جديدة لتحقيق التعاون والتكامل التحادي الاشمل بين دول الخليج في شتى الميادين بغية تحقيق الاهداف للامة العربية وتقارب اوثق بما يخدم قضايا الامتين العربية والاسلامية لأن تأسيس هذا المجلس منذ عام 1981 شكل خطوة جادة وايجابية تضاهي خطوات كبيرة اتخذتها الكثير من دول العالم لخلق كيانات اقتصادية قادرة على تحقيق معدلات نمو تنافسية ورسم مراحل التكامل الاقتصادي المنشود بين الدول الاعضاء لكونه يمثل نواة العمل التي انطلق الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة لتجسيد الترابط والتكامل بين دول المجلس ووضع الانظمة الملائمة لذلك خاصة وان دول هذه المنظومة تحظى بالتقارب الاجتماعي والبيئي في اللغة والدين والعادات والتقاليد وتتمتع بمميزات عديدة منها مواردها النفطية والغاز الطبيعي كما انها تحتل مساحة 2,67 مليون كيلو متر مربع وعدد سكانها يساوي حوالي 37 مليونا بكثافة سكانية 13 نسمة لكل متر مربع وناتج اجمالي محلي يقدر بـ 833 مليار دولار يمثل نصيب الفرد منه 22,775 دولارا وتعادل قيمة اجمالي الصادرات 424 مليار دولار في حين ان قيمة الواردات تصل الى 198 مليار دولار فيما يمثل الاجمالي الاحتياطي للنفط 484 مليارا واجمالي احتياطي الغاز 40264 مليار متر مكعب ولهذا تتربع دول مجلس التعاون على 44 في المائة من اجمالي الاحتياطي العالمي 24 وفي المائة من اجمالي احتياطي الغاز الطبيعي العالمي ايضا وفي ضوء هذه المعطيات يتضح لنا ان دول مجلس التعاون عبر هذا اللقاء التشاوري الاخوي يشكل لبة جديدة نحو تجسيد التعاون الاخوي البناء وبلورة اقتراح جلالة خادم الحرمين الشريفين في اقامة اتحاد خليجي فاعل ومتطور نظرا لكون المنظومة الخليجية تعتبر مرشحة لنيل المكانة الاكبر والاقوى في المحافل والمنظمات الدولية لمواقفها العربية والدولية وكونها رفعت من كفاءة التكامل بينها وزادت من تعاونها في مواجهة التحديات الراهنة في وثورات الربيع العربي.
رئيس تحرير جريدة الكاتب العربي الاردنية
/5/2012 Issue 4202 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4202 التاريخ 17»5»2012
AZP07