البون الشاسع بين دبي وبغداد ـ نصيف الجبوري

البون الشاسع بين دبي وبغداد ـ نصيف الجبوري
كنا في شبابنا نهاية الستينات والسبعينات من القرن الماضي نستهزئ بدول الخليج العربية سواء فيما يتعلق بأنظمة حكمهم العشائرية الوراثية او ارتباطاتهم بدولة الملكة البريطانية او تخلفهم الحضاري المدني. بالمحصلة لقد كنا نختصر القول عليهم بكلمة أصحاب العكل. ان هذا المصطلح يعني ويرمز في ايامنا تلك الى التخلف والرجعية والعمالة وغير ذلك من النعوت المعيبة. عندما سافرت الى دبي قبل ايام للبحث عن عمل هناك فوجئت بل اصبت بالذهول عندما كان يصطحبني صديقي الى هذا المكان او ذاك. فقد لقيت تقدما هائلا في جمبع المجالات تشهده هذه المدينة وغيرها من مدن الامارات. لا اريد ان يفوت على القارئ بادئ ذي بدء بأن كاتب هذه السطور لم يغادر الى دبي من بغداد او الصومال او كابل ليندهش بما يراه.
انما هو يعيش في باريس ويزور كثيرا لندن وبروكسل ومدريد وبرلين وروما ونيويورك. عندما وصلت هذه المدينة انتابني حزن وفرح عميقان في آن واحد، حزن على بغداد حاضرة الدنيا والتي كانت في يوم ما فخر العروبة والاسلام ورمز التقدم والابتكار. وفرح على تطور مدينة عربية تنافس ارقى المدن الاوربية وتتفوق عليها في مواطن كثيرة.
يقال بان رئيس الامارات الراحل الشيخ زايد رحمه الله تمنى يوما ما ان تصبح دبي مثل بغداد في فترة نهاية السبعينات. لكننا اليوم نعيش في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، فبغداد الان في حال ودبي الان في حال آخر. انه من اليسير بطبيعة الحال ووفق تلك المعطيات المقارنة بين دبي وباريس او نيويورك او برشلونه او برلين لكن كيف السبيل الى المقارنة بينها وبين بغداد انه لأمر عسير. لكننا سنحاول عبر بضعه امثلة.
لا ينكر احد بانه لا توجد في الامارات انتخابات محلية او اقليمية او برلمانية او رئاسية لكنه من الصحيح ايضا بان فضاء الحرية في دبي وبقية مدن الامارات واسع. فمن يريد التنزه في الحدائق والمنتزهات والمعارض والاسواق يجد الكثير من الاختيارات ومن يرغب تناول الطعام والشراب فسيجد العالم المصغر هناك ليجد ما يشاء من اطايب الوجبات. ومن يريد الفنادق فهي في متناول اليد لكل الطبقات سواء كانت غنية او متوسطة او فقيرة ومن يريد التنقل فهناك وسائط نقل متعددة كالباصات والمترو الالي دون سائق او سيارات الاجرة الرخيصة نوعا ما.
أما حول يوم الانتخابات في العراق فقد حاولت الحكومة قسرا ان تسوقه كعرس انتخابي في حين يثبت الواقع على الارض بانه كان عكس ذلك فقد كان مأتما ذبحت فيه الديمقراطية باسم الديمقراطية وكنت شاهدا حاضرا آنذاك. فكم من العوائل منعت من التصويت لعدم وجود اسماء اصحابها في القوائم الانتخابية بفعل فاعل وليس بالخطأ او الصدفة. وكم من قرى منعت للتوجه الى صناديق الاقتراع. وكم من صندوق ملئ ببطاقات معدة سلفا. في تلك الاعراس كما يدعون تعرضت ساحة تظاهر الحويجة لهجوم سقط فيه الكثير من الضحايا في الوقت الذي نص دستورهم على أحقيتها. اضافة الى القتلى من هنا وهناك لتمرير هذا الحدث والعمل على تفويز من يراد له الفوز. ولا يخفى على احد بأن الجيش والشرطة في انذار دائم مصفحاتهم والياتهم العسكرية قي كل زاوية واصابعهم على الزناد وفوهات بنادقهم موجة الى العدو المجهول دون كلل او ملل منذ عشر سنيين.
في الامارات العربية نرى العمل الدأوب على قدم وساق في جميع المجالات من الدوائر التي كنت اراجعها الى المحلات التجارية الى عمال الانشاء والاعمار الى موظفي الامن والامان في المطارات والمحطات والمراكز المهمة الاخرى. ولم أشاهد مظهرا عسكريا واحدا من دبابات او رشاشات او مدافع او طائرات حربية. الشوارع الفارهة نظيفة تزينها الازهار والبنايات جميلة ونظيفة سواء في طور الانشاء او المنتهية والمسكونة من قبل الشركات او الافراد. هناك مواكبة دائمة للتطورات التكنولوجية والمنافسة الشريفة التي برعت بها هذه الدولة مع مدن العالم الاخرى فبرج خليفة وما حوله تحفة من تحف العالم ومدينة النخلة تحد ناجح في جعل المال في خدمة الناس وجلب الاستثمارات العالمية لخدمة الاقتصاد الاماراتي. انها تجربة جديرة بالدراسة والتمحيص من جهة والتقدير والتشجيع لمن ارسى اسسها من جهة اخرى.
في بغداد التزحلق على الطين والخوض في الاوحال عند الامطار. أما في الامارات فتزداد الشوارع بريقا ومن يريد التزحلق على الجليد فسوف يجد ذلك هناك وليس في حاجة لان يسافر الى منطقة الالب الفرنسية الايطالية. في الامارات يمكنك استخدام الانترنت في المطار مجانا وفي العراق لا يمكن ان تستخدم الانترنت كما تشاء لانقطاع الكهرباء في اوقات كثيرة. سواق النقل الخاص في بغداد لا يحتاجون الى رخصة سيافة نتيجة حرية الفوضى. أما الزحامات المفتعلة بسبب نقاط التفتيش العبثية فهي تملئ شوارع العاصمة. ولعل سواق النقل الخاص من اكثر الشرائح تهميشا في المجتمع على الرغم من خدماتهم الجليلة لنقل عموم الناس في ظروف غاية في الصعوبة. يبدو بان ليس هناك اي امل لأنشاء مترو بغداد لتخفيف الزحامات الخانقة. اما هناك في دبي فالمترو ومحطاته تحفة من تحف الجمال المعماري.
تعرفت ايضا من خلال جولتي في الامارات بأن الموظفين يقبضون رواتب عالية ويتمتعون باحترام خاص من قبل الدولة ولهم منح سنوية. مع العلم بان هناك الكثير من الاجانب الذين يعملون في الامارات سواء كانوا من الخبراء او ذوي رؤوس الاموال او الاطباء والمهندسين والفنيين دون الحديث عن القطاع الخاص الذي يسيطر عليه عموما مسلمون من اصول هندية. يعمل في دوائر الدولة ايضا الكثير من العرب والمسلمين معززين مكرمين يسكنون افضل الشقق والبيوت بل ان الكثير منهم من يساعد اهله وذويه في بلدانهم الاصلية.
أما احوال الموظفين في العراق وسلم رواتبهم فليس هناك اي معيار يعتمد عليه سوى قرارات هذا المسئول او ذاك من احد اركان الاحزاب الحاكمة. ولا أملك سوى الحديث عن تجربتي التي بدأتها مع وزارة النقل منذ حوالي سنة. فلفد عزمت على الاستقرار في العراق لخدمة وطني بعد انتفاء اسباب البقاء في الغربة أثر سقوط النظام السابق الذي شردنا واعاد بلدنا الى القرون الوسطى. قدمت اوراقي لطلب الاعادة الى الخدمة الى وزارة النقل التي سبق ان فصلت منها لأسباب سياسية في اب 1980. لقد ساعدني في مسعاي هذا أخوة كثيرون وتمكنت من خلال تدخلاتهم الوصول الى اصحاب القرار. كان من المفترض ان اكون محظوظا لأجد العمل الذي يناسبتي لأنني لست بعثيا او تكفيريا وكنت معارضا معروفا للنظام السابق اضافة الى انني كنت قد تعينت مهندسا في الوزارة قبل اب 1980.
لا اريد ان اطيل في امور قد تبدو شخصية لأول وهلة لكنها تمثل نموذج من واقع يعانيه الكثير من الموظفين غير المرتبطين بأحزاب السلطة التي حولت وزاراتها ومؤسساتها الى أقطاعات خاصة بها وبأتباعها بغض النظر عن المؤهلات والكفاءات. المهم فأن النتيجة النهائية وكما يقول المثل العربي تمخض الجبل فولد فأرا. جاء القرار من الوزارة بتعييني معاون رثيس مهندسين براتب شهري مقداره 539 الف دينار بعد ان اضيفت اليه مستحقات سنوات الفصل السياسي والعلاوات منذ اكثر من ثلاثين سنة. ان هذا الراتب لا يكفي لدفع ايجار شقتي في بغداد وهو بالتالي يساوي نصف راتب الشرطي او الجندي مع تقديري واحترامي لهم. هكذا تقدر الكفائات في العراق الجديد.
كان العراق دولة مدنية برلمانبة ترمي التطلع الى مستقبل زاهر تتراجع تحت وقع الانظمة الجمهورية العسكرية لتصل في نهاية المطاف الى دولة محاصصة طائفية احزابها دينية تريد الاستئثار بالسلطة والمال والجاه تحت مسميات الديمقراطية والوطنية. أما الامارات فقد كانت محميات بريطانية متنافرة متناحرة استقلت وتوحدت منذ عام 1971 لتتحول الان الى قوة اقتصادية ودولة يحسب لها الف حساب. تلك هي دولة الامارات العربية المتحدة الملكية الوراثية الرجعية وهذه هي دولة العراق الجمهورية الديمقراطية الفيدرالية التقدمية.
AZP07