البحراني الذي لايهدأ.. نحات عراقي إختار طريقاً محفوفاً بالأهوال

البحراني الذي لايهدأ.. نحات عراقي إختار طريقاً محفوفاً بالأهوال

جبار جودي

 لا تمرّ فترة طويلة الا ويطالعنا فيها الفنان الصديق أحمد البحراني بفكرة فنية نحتية جديدة .. إنه يقف بقوة على حافات الأفكار وتصارعها ويقتنص مفارقتها بدقة وكأنه يفكر بطريقتنا نحن المسرحيين .. إذ يتنقل في أعماله الأخيرة هائماً بين الذات وبين مايعترك في داخلها من اصطراعات ومايحيطها في العالم من حولها .. هذا الفراتي الجميل ابن طويريج تلك المدينة الغافية على ضفة الفرات إذ تخرج سنة 1989 من معهد الفنون الجميلة بعد أن حاول إنجاز تمثال نحتي لثور هائج كأطروحة تخرج لم يكتمل عمله فيه لظروف عديدة .. هذا العراقي الذي يعتز كثيراً بأستاذه عبد الرحيم الوكيل النحات العراقي من الجيل الأول..   رافقتُ البحراني صديق أيام الصبا لفترات طويلة وتعلمت منه تقنيات النحت وأحببت هذا التخصص المتعب والقاسي وعرفت كيف أمتع نفسي بمشاهدة الفنون التشكيلية وماتطرحه من مزاج ذاتي خاص يتم تعميمه على الآخر كإرهاصات فنية تتقلب في أفق إبداعية واسعة الطيف والمدى .. إذ لايمكن لي نسيان عام 1988 بسهولة أبداً إذ ترافقنا أنا وصديقي في عمل واحد وهو إنجاز مئة وعشرين تمثالاً من تماثيل المتحف البغدادي مع النحات الرائد عبد الجبار البنّا وكنا نعمل في المكان الذي يطلق عليه الآن تسمية مقهى حنش في شارع المتنبي ونسكن في فندق النهر الجميل في شارع النهر .. يالها من أيام عظيمة بكل مافيها من حلوها ومرها .. وكان أجر البحراني ضعف أجري كونه ابن المهنة وأنا عيال عليها ..

 وبعد ذلك جمعتنا الأيام في صنعاء الجميلة إذ أنجز البحراني بإصرار وعناد كبيرين وبظروف قاسية معرضاً نحتياً متكاملاً كان قبلة للزوار من مختلف المشارب والأعراق .. فالمعرض ضم أكثر من ثلاثين قطعة نحتية مابين الرليف والمجسم ولايمكنني نسيانه أبداً لحجم المعاناة والإبداع الذي طرزه في تلك الأيام الصعبة .. وبعد ذلك إختط البحراني لنفسه طريقاً محفوفاً بالمخاطرة وأهوالها وبكل اصرار وعزيمة وكثير من الصبر والأناة بدأت ابداعاته تنسرب من محليتها المحظة لتدخل في محيط عربي واسع وتتدرج لتظاهي المشروعات الفنية العالمية بكل زهو وألق ..   ان اقامة معرض رسم او كرافيك او خط وزخرفة لا يعتبر شيئاً أمام معارض النحت الكبرى فهنا تتداخل ابداعات الفنان بالتكنولوجيا اللازمة لتجسيد هذه الابداعات من مراحل عمل تقنية متعددة تتمثل في صب القوالب من مادة الى اخرى وصولاً الى شكلها النهائي الذي نشاهده امامنا ولنا ان نعجب به أو لا .. فذلك متروك لذوقنا وذائقتنا .. لكننا نقف بثبات وعلى أرض صلبة ونحن نشاهد ابداعات البحراني المتراكمة كماً وكيفاً وهي تحلّق في سماوات جديدة من أفق الفكرة والخيالات المنثالة بين معترك اليومي الشخصي وبين محيطه العالمي .. ربما تكون شهادتي هذه في البحراني قاصرة أحادية أمام جمال منجزه الابداعي ورصيده المعرفي وهو يقيم معرضه الشخصي الأخير الآن في مؤسسة كتارا في الدوحة ..

قبلة لجبينك صديقي وانت تتوسط مسافات الجمال التي لا تنتهي ..