البحث عن ملاذ لناطق خلوصي

البحث عن ملاذ لناطق خلوصي

الصوت الداخلي الجهير والصوت الخارجي المكتوم

ليث الصندوق

ألملاذ الذي يقدمه الروائي والقاص والمترجم والناقد ناطق خلوصي في روايته ( البحث عن ملاذ ) هو ليس ملاذاً واحداً كما توحي إليه العنونة ، بل هو عدة ملاذات ، لكل منها مفهومه الذي يختلف بحسب طبيعة الشخصيات التي تنتمي إليه أو تلوذ به . إضافة إلى أن صفةالملاذ التي غابت عن العنونة لم تغب عن النص في أكثر من موقع فقد كان يعني الملاذ الآمن تحديداً ، ولعل إغفال الصفة في العنونة هو من قبيل الاختصار ، أو من قبيل البديهة ، فالملاذ لا يكون ملاذاً إلا أذا كان آمناً ، ولذلك تناولت الرواية الأسم وصفته ( ألملاذ الآمن ) من خمسة منظورات كل منها مرتبط بأحدى الشخصيات :

-المنظور الأول : هو منظور الشخصية المحورية وحيد المرزوق ، وهو مسؤول حكومي فاسد استحصل على أموال طائلة بطرق غير مشروعة ، وهرب بها إلى عمان ثم إلى  القاهرة يبحث لها وله عن ملاذ آمن . ووفق هذا المنظور فالملاذ يعني المكان الذي يضمن الأمان للسارق وللمسرقات . ولكن ملاذ المرزوق لا يتسع لأكثر من سارق واحد ، ولذلك حين لاذ به شريكيه في سرقة المال العام ممدوح الجمّال ونادية شرهان الهاربان بمسروقاتهما من العراق ، صدّهما عن نفسه بشيء من الريبة المفتعلة (ملاذي هذا لا يؤتمن ، حتى أنا ما زلت غير واثق بأنه ملاذ آمن . ص / 200  ).

-ألمنظور الثاني : منظور السيد نجيب البغدادي الذي هرب بعائلته إلى القاهرة بعد أن باع بيته في بغداد ودفع ثمنه لتحرير إبنه المختطف (ص / 79  ). والملاذ وفق هذا المنظور هو الساتر الذي يحمي كل أفراد الأسرة من مصادر النيران والتهديد .

-ألمنظور الثالث منظور ساكنة العمارة أم هاني التي أوفد زوجها للعمل خارج مصر من أجل أن يوفر لأسرته ملاذاً آمناً ( ص / (101   فالملاذ وفق هذا المنظور هو السور الجامع للأسرة والسقف الحامي لها . ولكن تمادي الزوج في تمديد عقد العمل في الخارج سيخلخل من أركان هذا الملاذ الآمن لفترة وجيزة ، إذ ان شيرين الإبنة الصغرى للعائلة ستقع في حبائل المرزوق الجنسية ، أو ربما هو الذي سيقع في حبائلها ( ص / (211 .

–        ألمنظور الرابع : منظور تميم الغزاوي ، وهو أحد سكنة العمارة ، قدم من غزة في فلسطين هرباً من غلو حكومتها في تفسير الدين ، ووفق هذا المنظور فالملاذ الآمن هو المنفى الاختياري للاجئ السياسي . والقاهرة وفق منظور تميم الغزاوي الواعي والناضج سياسياً واجتماعياً ليست ( الأم الرؤوم ) لمن يلوذ بها فحسب ، بل هي أيضاً ملاذ للجراد البشري القادم مع شهور الصيف متسربلاً بأكفان بيض بحثاً عن الملذات خارج بلدانه المنغلقة ( ص (118  .

–        ألمنظور الخامس : هو منظور حمادة بواب العمارة الصومالي الذي ارتضى لزوجته أن تكون وسيلة لانتاج المتعة الرخيصة للاخرين ، ووفق هذا المنظور يصبح الملاذ الآمن قرين المبغى ، وكما يقول حمادة فأن صاحب العمارة الأول  ( لوجه الله أو وجه الشيطان وفر لهم ملاذاً ولقمة عيش . ص /  (228  ولعل وجه الشيطان في المقبوس يقدم توضيحاً دقيقاً لمفهوم الرجل عن الملاذ .

والشخصيات التي تقف وراء هذه الرؤى أو المنظورات تتوزع على ثلاث مجموعات تشكل بمجموعها منظومة سردية متماسكة من العسير استبعاد إحدى شخصياتها بالرغم مما توحي إليه من كونها ثانوية أو هامشية . ولعل مردّ تماسك المنظومة يعود إلى ثلاثة عناصر هي ( التماثل ، والتنافر ، والحياد ) . ففي المجموعة الأولى يبدو المرزوق والبواب – بالرغم من الفارق النوعي الكبير والخادع في ظاهر شخصيتيهما – يبدوان شخصيتين متماثلتين ، فكلاهما يفتقد النزاهة والشرف ، وكلاهما تاجر بما لا يمكن إخضاعه للمتاجرة ، فالأول تاجر بأقوات الناس ، والثاني تاجر بعرض زوجته . وفي المقابل من هذه المجموعة تبدو شخصية نجيب البغدادي وتميم الغزاوي اللتان تكوّنان معاً  المجموعة الثانية متماثلتين مع بعضهما ، فكلاهما مناضل سياسي يساري سابق ، وكلاهما غادر وطنه بعد أن فقد فيه جزءاً منه عزيزاً عليه ، الأول فقد بيته ، والثاني فقد السبابة والإبهام من يده اليمنى . ومن الواضح أن المجموعتين السابقتين تتنافران قيمياً مع بعضهما . بينما تقف أم هاني لوحدها في مجموعة ثالثة محايدة ، ففيها تتعادل النوازع الانسانية المتضاربة : (ألضعف / ألقوة ) و ( ألصمود / الإستسلام ) و ( ألخطيئة / الطهر ) وهي في ذلك تشبه إلى حد كبير شخصية أم منير في رواية ( أبواب الفردوس ) للروائي نفسه .

 تتكون الرواية من أربعة عشر فصلاً مرقماَ ، وبعض تلك الفصول مقسم إلى مقاطع مفصولة عن بعضها بفواصل ، ويبدو أنه ليست هناك من أسباب منطقية أو محددات دقيقة سواء كانت زمنية أو مكانية أو سببية لتوزيع النص على تلك الفصول ، والشيء نفسه يُقال عن تقسيم الفصول إلى مقاطع ، ولذلك لم يتحرّج الكاتب أن يتجاوز فواصل مقاطعه في الفصل ( 4 ) عامداً إلى تداخل ثلاث فضاءات كان من الممكن فصلها عن بعضها لوجود شبهة اختلاف ما بين تلك الفضاءات :

–        الأول مرتبط بأم هاني جارة المرزوق في ذات العمارة السكنية في القاهرة ، وقد نقل الراوي هواجسها من احتمال أن يكون فتحي ( وكيل صاحب العمارة ) قد غضب من تدخلها في شؤون العمارة .

–        ألثاني يتعلق بالفضاء المكاني ، ولا يتعدى سطراً واحداً فقط ( رنّ جرس باب شقته . إنه فتحي إذن ستبدأ السهرة بعد قليل)

–        ألثالث ينتمي لفضاء زمني آخر أعقب الفضاء الزمني للحالتين السابقتين ( أستيقظ ضحى ، وما زالت آثار سكرة الليلة الماضية تصاحبه) ( ص / (64

ومن الواضح أن الفضاء الأول يختلف عن الفضائين الاخرين سببياً ، والثاني يختلف عنهما مكانياً ، والثالث زمنياً . ألراوي في ( ألبحث عن ملاذ ) هو راو مفارق لا أثر له في الأحداث ، وهو من النوع المسمى بالراوي العليم ، ورؤيته من النوع المسمى بـ ( الرؤية من الخلف ) وفي هذا النوع من السرد تكون درجة التبئير صفراً ، فالراوي هو مصدر الادراك في الرواية ، وهو الوحيد الذي يمكن سماع صوته والتعرف على وجهة نظره . وما يميز نص الراوي أنه جاء في أغلبه مونولوجات داخلية ، بل أنه حتى بعض الديالوجات الخارجية هي جزء من الداخلية ، والعكس وارد أيضاً . وعبر هذا التداخل في الحوارات يمارس الراوي ذات الطريقة التي يمارسها أغلب رواة قصص وروايات ناطق خلوصي ، وأعني بها الإيغال في أدق التفاصيل حتى تلك الهامشية منها مثل اختلاف المرزوق مع صاحبه ممدوح وهما يتحدثان عبر الهاتف حول صاحب بيت شعري ورد شطره عرضياً في حديثهما هل هو الرصافي أم الجواهري ( ص / (65  . وعبر الحوارات ( الداخلية تحديداً ) يستعير الراوي صيغة ضمير الغائب وإنطاق الشخصيات بملفوضه هو مضفياً بهذه الطريقة – التي تبدو أنها نوع من اختراق ذات الآخر – لنفسه مؤهلات ما فوق طبيعية . ولعله من البدهي أن تكون ضمن المؤهلات ما فوق الطبيعية للراوي العليم قدرته على قراءة الأفكار واستجلاء الأصوات الداخلية ، ولا يشذ عن ذلك راوي ( البحث عن ملاذ ) إذ تتجلى قدرته الفائقة على سماع الصوت الداخلي للشخصيات (المنولوجات ) وهي تتحاور مع أنفسها ، وتكشف الدفين من أسرارها . وهو لا يسمع صوت الباطن فحسب بل هو يؤوّل الحركات والإيماءات ليحولها إلى لغة وإلى أصوات .

وللتركيز على الصوت الداخلي أهمية في هذا العمل الروائي تحديداً لما يمثله من أداة كاشفة لدوافع ونوايا الشخصيات كافة ، وللشخصية المحورية تحديداً ( وحيد المرزوق ) وهو مسؤول حكومي فاسد ساهم في أستيراد ( صفقات الشاي التالف والرز المتعفن والطحين الذي لا يصلح علفاً للحيوانات وتم تمريره على الناس . ص /  (39  وحصل على عمولات وأموال طائلة هرب بها خارج البلد ، وهو بهذا الوصف شخصية سلبية تعيش مفصومة إلى شخصيتين ، الأولى ظاهرية متصنعة لا تمثل حقيقته تتسم بالاتزان والعفة والبعد عن الشبهات ، والثانية باطنية تمثل الحقيقة المدنسة لهذا الرجل بماضيه الفاسد وحاضرة الدنيء . أن الوسيلة الوحيدة لاختراق هذه الشخصية وكشف نواياها وخططها ودوافعها الغريزية هو النفاذ إلى داخلها عبر الوسيلة السردية السرية الوحيدة الممكنة وهي حواراتها الداخلية ، إضافة إلى الحوارات الداخلية للشخصيات الأخرى والتي يوفرها الراوي العليم للقاريء سواء بملفوظاته أو بملفوظات الشـخصيات.

ألفضاء المكاني للرواية مقسم إلى ثلاث فضاءات

ألفضاء الأول : وهو الفضاء الذي تنتمي إليه شخصيتان متعارضتان تماماً وكلاهما هربتا من العراق بحثاً عن ملاذ آمن ، الأولى الشخصية المحورية السلبية وحيد المرزوق ، والثانية إيجابية هي العراقي نجيب البغدادي وسبقت الإشارة للشخصيتين . وهذا الفضاء لن يحضر إلا من خلال تداعيات الشخصيتين .

ألفضاء الثاني : وهو الملاذ الآمن للمال العراقي العام المسروق سواء من قبل الشخصية المحورية أو من قبل شريكيه في السرقة نادية شرهان وممدوح الجمّال . وهذا الملاذ يمثل المحطة الأولى للمسروقات قبل نقلها إلى الملاذ الآمن الثاني ( القاهرة ) ، وهو في الوقت ذاته حلقة المنتصف ما بين هذا الأخير وبين المكان الذي حدثت فيه السرقة ( بغداد ) . وهذا الفضاء كسابقه لا يحضر في الأحداث إلا من خلال تداعيات اللصوص الثلاثة المرزوق وممدوح ونادية .

الفضاء الثالث : هو فضاء الرواية بكاملها تمثله العاصمة المصرية القاهرة ، وأغلب شخصيات الرواية تنتمي لهذا الفضاء ما عدا الشخصية الإيجابية نجيب البغدادي وعائلته ، ولصوص المال العام الثلاثة ، إضافة لشخصيات هامشية من جنسيات أخرى صومالية وليبية وسودانية وفلسطينية وسورية ، وتلك الأماكن لا تحضر في الأغلب إلا من خلال أسمائها .

ثمة مظاهر وأشكال في الرواية للمونولوج الداخلي فهو لا يأتي دائماً ملفوظاً لغوياً ، بل يترجم على هذه الصيغة من قبل الراوي الذي يوجه مستقبلاته لالتقاط أية إشارة تعوض عن اللفظ وتغني عن المعنى ، وبهذه الطريقة ختمت أم هاني إجابتها على تساؤل المرزوق عن الخدمات التي يقدمها بواب العمارة لسكانها (وأخفت بقايا ابتسامة غامضة . ص /  (21  ويبدو أن ثمة تعارضاً ما بين الابتسامة وبين صفتها ، فالابتسامة بحد ذاتها كشف على السطح لما في الباطن ، ولكن ما اخفته أم هاني وراء ردها الغامض متمثلاً بالابتسامة يبدو مقصوداً لذاته ، فهو يكشف أكثر مما يُخفي لا سيما أن إجابتها الإيحائية تلك جاءت متأخرة عن ما كان المرزوق قد اكتشفه من سلوك البواب وزوجته ، وبذلك تكون الابتسامة الغامضة ليست سوى تأكيد لصحة ذلك الاكتشاف . بل أن الراوي لا يبدو أحياناً معنياً بالتقاط الإشارات الحركية لأن مهاراته ما فوق الطبيعية تجعله يتماهى مع الشخصيات ، وينقل ما يدور في دواخلهم من أفكار :

–        لن يتصل بأحد في العراق

–        هو لا يريد أن يعرف أحد مكان وجوده الحالي

–        عليه أن يذهب إلى البنك غداً ليرى فيما إذا كانت الأموال التي حولها عن طريق صديق له في عمان قد وصلت

–        لا يهمه أن تأخرت الأموال فمعه الان ما يكفي

–        أنه في انتظارها الان ،

–        لو جاءت حقاً فانها ستقع في المصيدة

–        أتراها طمعت فيه وقد رأته يصرف نقوده ببذخؤ

ص / 24

تلك المقبوسات التي يبدو أنها مجرد متابعات ذهنية من قبل الراوي العليم لإفكار المرزوق هي في الحقيقة حوارات المرزوق الداخلية أو هي صوت فضائحه المستتر والمحجوب عن الشخصيات المتماسة معه والقريبة منه . ويبدو الفارق كبيراً ما بين دوافع وغايات خطابات الذات (المونولوجات ) والخطاب الخارجي (الديالوج ) الذي يوجهه وعي الشخصيات ليموه ويستر ثغرات وعيوب الخطاب الأول ، هذا التمويه وتلك الاستتارة هي محاولات واعية للحصول على إجابات الاخر المقابل ، والتأكد من  استجابته له .

 في الحوار المباشر ما بين المرزوق وأم هاني وهي لوحدها معه في شقته تبدو أسئلته لها بريئة وكأنها من مصدر آخر غير مصدر المرزوق ، فعندما تجيب أم هاني المرزوق بأن زوجها ( مدرس ثانوي يعمل في الخارج . ص /  (26  يكون التناقض ما بين الخطابين الداخلي والخارجي قد زال ، وأدى التمويه والاستتارة وظائفهما ، وصار بمقدور الراوي أن يسمع صوت الذات – ذات المرزوق – المتآمرة وهي تحتفي بانتصارها ، أو بوادر انتصارها على الفريسة ( هذه فرصة مضافة لاصطياد هذا الطائر الذي توغل في روحه وصار محط رغبته منذ ساعات . ص / (26 .

والمونولوجات الداخلية لا تقتصر على حوارات الذات مع نفسها فحسب بل أنها تتجاوز الفاصل ما بين ذات وأخرى متخطية الحواجز العقلية والجسدية والروحية لتصبح الذات في مواجهة الأخرى مكشوفة على حقيقتها ومسموعة ، وفي انتظار الإجابة التي ربما هي خارج التوقع ، في مظهر هو أشبه بالتخاطر ما بين العقول ، وعلى هذه الصورة انتهى اللقاء ما بين المرزوق وبين أم هاني ، وذهب كل منهما إلى شقته يحاكم ذاته ويؤنبها ، ولكن الصوت الداخلي للذات المؤنبة لدى كل واحد من الشخصيتين يبدو وكأنه كان مسموعاً من الآخر البعيد عنه ، وتلك ظاهرة قلما تتمخض عنها المونولوجات الداخلية . فهذا هو الصوت الداخلي للمرزوق بعد أن صار في شقته بملفوظ الراوي ( حين صار على سريره لام نفسه لأنه ربمل تعجّل في الكشف عما يلوب في داخله . ص / (28  . وهذا هو الصوت الداخلي التالي ، صوت أم هاني بعد أن صارت في شقتها ( وحين صارت على سريرها بدأت تُحاكم نفسها . ص /  (28   تُرى هل أن توجه الاثنين إلى سريرهما هو جزء من التوافق الخفي للذاتين المتعارضتين في العلن على توفير الإجراء المناسب لعقد فصول المحاكمة السرية التي عبرها ستترجم الذات إحساسها بالذنب إلى خطاب تأنيب بصيغة غير خطابية وبضمير الغائب . هذا الحوار التخاطري ما بين المرزوق وأم هاني عمل على رسم صورة لكل منهما لدى الاخر ، وحدد أبعاد شخصيته وكشف دوافعه الخفية ، وسيحدد لاحقاً لكل منهما طريقة تعامله مع الآخر .

ولكن التخاطر لا يوجب دائماً خطاباً في مقابل آخر ، فقد يحثّ فعل ما يؤدى من قبل أحدى الشخصيات الشخصية المقابلة إلى فتح نافذة لحوار داخلي ، ويجيء الفعل المنتظر من المرزوق على صيغة ضغطة زر جرس باب شقة أم هاني التي دعته للغداء ، بينما كانت هي داخل شقتها قد تلقت فعل الضغطة التي حثتها على إطلاق خطابها الداخلي (إبتسمت ، وهمست لنفسها : أنه عند وعده ، رجل مثله جدير بالتقدير . ص / (46  والراوي العليم متواجد في الموقعين ، أمام الباب ، وخلف الباب ، ينقل من الموقع الأول فعل الحث ، وينقل من الثاني الصوت الداخلي .

وفي موقع آخر من الفصل ذاته ( (3  يحث المرزوق بتفضيله تلبية دعوة أم هاني إلى الغداء على الذهاب إلى صلاة الجمعة ، يحثها هذا الفعل أن تطلق حوارها الداخلي المتسائل والساخر في وقت واحد ( أبتسمت ، وقالت في سرّها : هل حقاً فرط بصلاة الجمعة من أجلي . ص /  (47 والفرق ما بين فعل الحث والحوار الداخلي هذه المرة عن المرة السابقة هو أن صاحبيهما متواجدان في مكان واحد ( بيت أم هاني ) ولن يكون الراوي العليم مضطراً للتواجد في وقت واحد في موقعين منفصلين كما كان الحال في المثال السابق .

وربما يصبح الضحك جزءاً من حوار التخاطر بين ذاتين ، فقد وجد المرزوق نفسه يعتذر لشيرين البنت الصغرى لأم هاني التي كانت تريد موافقته على أن يلتقيا يوم الجمعة سراً ، وبذهبا معاً في نزهة متعللاً بذهابه يوم الجمعة للصلاة في المسجد ( ضحك في سرّه ، وربما ضحكت هي أيضاً ساخرة . ص /  (82  ومن البدهي أن الضحك لدى الطرفين هو تعبير عن السخرية ، ولكنها سخرية يوجهها كل واحد منهما الوجهة التي يريد ، فضحك الأول هو سخرية من الذات ، بينما ضحك الثاني هو سخرية من الآخر . وينتهي حوار الضحك الداخلي بين الاثنين بسخرية مماثلة ، ولكن فرقها عن السابقة أن شيرين كتمتها هذه المرة ، بينما المرزوق لم يستطع كتمها وذلك عندما رفضت الأخذ بشرطه للخروج معاً بعد أخذ موافقة أمها ، ورددت على مسامعه حديث الأبوة المجانية ألذي كان هو نفسه قد أسمعه لها ولأمها ( وما حاجتي لأخذ موافقتها أذا كنت سأخرج مع أبي الثاني  ص / (82 .

وفيما بعد سيطلق المرزوق في سره خطاب الضحك الساخر من الشيخ عبد التواب الذي تستغفله زوجته ( ص /  (121   وكذلك من زوجة الشيخ الأزهرية التي تبرر قبلته لها تبريراً ساذجاً ( ص /  (124  ولكن خطابي الضحك الساخرين الداخليين الأخيرين هما خطابان ينفرد بهما شخص واحد دون أن تشترك معه فيه ذات أخرى في عملية تخاطرية كما في المثالين السابقين .

وتتصاعد نبرة خطاب لوم الذات الداخلي مع تعاظم وخطورة الذنب ، فما بين نبرة اللوم الواطئة للمرزوق على سوء اختياره المدخل المناسب في طرح مقاصده على أم هاني ( لام نفسه لأنه كشف عن سوء نواياه أمام جارته أمس . ص / 29 ) وما بين توجيه أم هاني أسئلتها اللائمة إلى ذاتها عندما اكتشفت بعد فوات الأوان أن أبنتها الصغرى شيرين قد تورطت بعلاقة جنسية مشينة مع المرزوق . وخطاب اللوم هذه المرة لا يقتصر على أحد فهو موجه للجميع وموجع للجميع أيضاً :

–        هو موجه للمذنب المرزوق ( لماذا فعلت هذا يا وحيد المرزوق ؟ كيف ارتضيت لنفسك أن تغرر بمراهقة ؟)

–        وهو موجه للأب (ولكنك تماديت أكثر مما ينبغي في تمديد عقد العمل في الخارج . )

–        وهو موجه لذاتها أيضاً ( لماذا أبدت ضعفاً أمام أبنتها وتركت لها الحبل على الغارب )

( ص / (211

  أما طرف الخطيئة الثاني شيرين فلم يأت لومها بصيغة الخطاب الداخلي ، بل جاء بصيغة خطاب خارجي مباشر مركب من مجموعة تساؤلات :

–        أين سأولي وجهي من أبيك ؟

–        … من أعمامك ؟

–        .. من أهل العمارة ؟

–        متى حدث ذلك ؟

( ص / (211

وخطاب لوم الذات الداخلي للأم له تتمة ، ولكن تتمته لم تعد بحوزتها ، بل سيتناولها المرزوق منها ليديرانه بالتعاقب السري فيما بينهما ، فهو سيكون مضطراً لإصلاح الخطأ الذي ارتكبه مع شيرين بالزواج منها ، وبذلك فهو ( يلوم نفسه لأنه تورط مع مراهقة . ص /  (218 و ( يزداد غضبه الداخلي ولومه لنفسه . ص / (219  .

ويأتي الصوت الداخلي جلياً لا يوارب ولا يتخفى وراء المجازات والرموز مركباً من مجموعة أسئلة مقرونة بأجوبتها وبملفوظات الراوي وبأداته الأثيرة ( ضمير الغائب ) لينبش قمامة الضمير ، ويُلخّص اسرار الحوارات الداخلية ، ويكشف حقيقة المرزوق والدوافع الغريزية التي توجه علاقاته وتكمل فصول سيرته المتقلبة والمتنقلة ما بين ثلاثة فضاءات مكانية بحثاً عن ملاذه الخاص الآمن ، أو بالأحرى ملاذ ملذاته ، ولتذهب دونها ( ملايينه إلى الجحيم ، لمن سيتركها بعد موته ؟ …. ص /  (141  وكأنه يستبق بهذا الخطاب النهاية ، ويتنبأ بمصيره ومصير ثروته . وهذا الخطاب لم يعد صادماً ولا مفاجئاً للقاريء فقد عرف أولياته منذ البداية ، ولكن سيقابله إعتراف آخر صادم ومفاجيء يأتي من الطرف المقابل ( أم هاني ) التي ليّنت دولارات المرزوق – بعد صراع خفي – من صلابة مقاومتها تجاهه ، والغريب أن توقيت استسلامها له جاء متزامناً مع عودة زوجها المنتدب للعمل في الخارج إلى القاهرة . ومرة أخرى يأتي صوتها الداخلي بلغة الراوي وأدواته ( تعترف بأنها عمدت إلى تعذيبه بصدودها عنه طوال هذه الأشهر ، فهل حان وقت الإعتذار منه ؟ ص / (147.

وتأتي الخاتمة الصادمة التي لم تتعدّ بضعة سطور لتُنهي حياة المرزوق المتقلبة والمتهورة والمحمومة ، ولتطرح مجموعة من المفارقات والتوافقات اللماحة التي تميط اللثام عن بعض الدلالات الخفية للأحداث ، فالمرزوق الذي لم يكتفِ بسلب المال العام من وطنه سيسلب في مرحلة تالية ثروات شريكيه في الفساد نادية وممدوح اللذين أوكلاه على مسروقاتهما ، فسطى عليها ، وبذلك ستجد تلك الثرة الثلاثية المنهوبة مقابلها الرمزي في ثلاث رصاصات تُنهي حياته إلى الأبد .

وكما كان المرزوق يفتقد للشرف بمتاجرته بأقوات الناس ، ستكون نهايته على يد رجل شبيهه يفتقد الشرف ويتاجر بعرضه .

وكما جاءت الثروة المرزوق على حين غرة ومن دون استحقاق ستذهب ثروته منه على حين غرة ومن دون استحقاق إلى زوجته الشابة .

وكما أن الفترة من مجيئه من مغتربه الأمريكي الذي يحمل جنسيته إلى وطنه الأصلي هي فترة قصيرة جداً قضاها ليسرق ثمّ يهرب ، فأن الفترة من زواجه ومقتله هي فترة وجيزة جداً جاءت خلالها الزوجة الشابة لترث وتتنعم . وأن كان هذا الاستخلاص الأخير لم يرد في النص ، إلا أنه جزء من آليات التأويل التي هي من مهمات القاريء ، والتي سبق أن أعطى الراوي مفاتيحها إليه عندما ألمحت أم هاني إلى أمكانية تحقق هذا الإحتمال ( إن السعيدة هي التي ستصبح زوجته ، ستؤول إليها ثروته بالكامل فهو لا وريث له . ص / .(215  ولأن الحياة الآمنة للمرزوق كانت محصورة ما بين ملاذين ، الأول الأمريكي ، والثاني المصري ، إلا أنه قد غادر الملاذين على مرحلتين :

في المرحلة الأولى غادر الملاذ الأول من أجل أن يكسب المال بدعم من قوة الأحتلال  وفي المرحلة الثانية ، غادر الملاذ الثاني إلى الأبد خاسراً هذه المرة ثروته بفعل قوة أخرى هي الموت . وليس من قبيــــل المصادفة أن هذه المقابلة ما بين القوتين ( الاحتلال والموت ) تشـــــــير من طرف خفي إلى تشــــابه تأثير القوتين .

{ ألبحث عن ملاذ – ناطق خلوصي – دار ميزوبوتاميا للصحافة والنشر والتوزيع – بغداد – الطبعة الأول – 2016