الباحث نبيل العطية يدّون رؤاه في كتب وكتّاب

الباحث نبيل العطية يدّون رؤاه في كتب وكتّاب

مشتركات بين طه حسين ومصطفى جواد

شكيب كاظم

يستهويني فن المقالة، وأرى فيه طريقة مكثفة للتوصيل، من غير إفراط ولا تفريط، وعرف في العراق مقاليون، اشتهروا بكتابة هذا اللون، يقف أستاذي الدكتور علي جواد الطاهر – رحمه الله- في المقدمة منهم، فضلاً عن مهدي شاكر العبيدي، وحميد المطبعي والدكتور طه جزاع، والدكتور قيس كاظم الجنابي والدكتور سعيد عدنان والأستاذ نبيل (إبراهيم)، العطية، الذي هو ثالث الثلاثة من هذه الأسرة التي قدمت للثقافة العراقية والعربية الشيئ الكثير ممثلة بجهود الأستاذ الجامعي خليل إبراهيم العطية، والباحث والمحقق للعديد من أمات المخطوطات الأستاذ جليل العطية، لذا سَعُدْتُ حقاً وأنا أقتني كتابه الصغير حجماً، الكبير مادةً الذي عنونّه بـ (رؤى في كُتُب وكُتّاب) الصادر سنة 2016، ويقع في مئة وعشرين صفحة، واحتوى على اثنتي عشرة مقالة، محورها الأساس الكُتُب والكُتّاب العراقيين والعرب، ويبدو أن الأستاذ نبيل العطية من الشغوفين بأبي الطيب المتنبي، ومَنْ لا يُشْغَفُ به حُباً؟، وما زالت مقولة ابن رشيق القيرواني ترن في سمع الدهر: جاء المتنبي فملاً الدنيا وشَغَلَ الناس) لذا خصص أكثر من مقالة لهذا الشاعر العملاق، واقفاً عند ما كتبه الدكتور طه حسين عنه، وطه ما أخذ لهذا الأمر أهبته فهو أقرب إلى إسقاط الفرض، فهو يصّرح إنه لا يحب المتنبي، ولقد عَجِبْتُ كيف لرجل يستطيع ان يكتب بعلمية، وهو  متخذٌ هذا الموقف المسبق إزاء الشخص المدروس؟ كما يعلن أنه لم يصطحب معه وهو يكتب كتابه هذا سوى ديوان المتنبي، لذا جاء كتابهُ هذا الذي سماه (مع المتنبي) وفيه الكثير من الشطط، ألم يرتب طه حسين بنسبه ألم يقل إنه لقيط؟! قائلاً ((أكان المتنبي يعرفُ أباه؟ قال المؤرخون نعم، ولم يقل المتنبي شيئاً. فأنت تقرأ ديوانه من أوله إلى آخره وتقرأه متأنياً، لا تجد فيه ذكراً لهذا الرجل، وماذا ترانا نقول في كتاب يصّرح مؤلفه بأنه “خواطر مرسلة تُثيرها في نفسه قراءة المتنبي في قرى الألب في فرنسة؟! أية كتابة هذه، لا مصدر ولا مرجع، ولا من يسأله عن قضية وإشكال في تلك الربوع الجبلية واضعين في الحسبان إنه مستطيع بغيره لفقده ناظريه فضلاً عن شغف زوجته الفرنسية بالحفلات والطعام والشراب، وهو ما ذكرته في كتابها الرائع الذي يصور حياتها مع طه حسين منذ أن تعرفت إليه في باريس أيام الطلب وحتى أواخر أيامها، الذي عنّونته بـ (معك). ويتحدث المؤلف عن المشتركات بين كتابات طه حسين عن المتنبي وما كتبه الراحل مصطفى جواد عنه، كذلك يفرد الباحث نبيل العطية، مقالة أخرى مما يؤكد شغفه بالمتنبي –  كما وأشرت إليه سابقاً- متناولاً فيها موقف الرصافي من المتنبي حياةً وشعراً. مقالته عن الباحث النحوي والشاعر الرقيق مصطفى جمال الدين (1927-1996) صاحب القصيدة المدوية، والبيت الأكثر دوياً.  التي ألقاها في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد بشهر شباط 1965.

بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر     إلا ذوت ووريق عمرك أخضر

إذ يذكر (( أن الدكتور مصطفى جمال الدين، استثناء من القاعدة فهو أحد أولئك النوادر ممن جمع بين رقة الشعر، وجفاف مادة البحث النحوي، حتى لتحسب ان هذا الشعر الرقيق ليس من إبداعه، وإن بحثه النحوي لا يمكن أن يصدر عنه إذ شتان بين رقة هذا وصرامة ذاك)) تراجع ص88.

 إذ ليس بخاف على الدارسين والقراء الجادين، ان الشيخ مصطفى جمال الدين درس في أطروحته للدكتوراه، الجهود التي بذلها الأصوليون في دراسة النحو العربي، التي أراها فتحاً جديداً في عالم الدرس النحوي، والذي كتبه بإشراف العلامة النحوي الراحل الدكتور مهدي المخزومي (1917-1993م /1335-1414هـ) وما أدراك بحثاً يكتب بإشرافه والذي كان يشفق عليه وعلى قرائه من هذا الغوص المضني في يم الدراسات النحوية واللغوية والدينية والفقهية وللمذاهب جميعها، لكنه مصطفى جمال الدين، ما كان يرضى إلا بحثاً يرضيه ويرضي الصفوة من الباحثين –  تراجع ص118 من كتابي (هوامش ومتون. في الأدب والنقد والفكر) دار فضاءات / الأردن/ 2015.

ويضيف الباحث نبيل العطية إلى ذلك قوله في الصفحة ذاتها: (( في قصيدته (بغداد) الملقاة في مهرجان المربد الأول المقام في ستينيات القرن الماضي، أطل علينا بعمامته السوداء، وإلقائه المؤثر، وبترنم واضح، فأنتزع الإعجاب وأشعل الأكف بالتصفيق.

أقول ان الشاعر مصطفى جمال الدين ألقى قصيدته المدوية تلك في مهرجان الشعر السادس، الذي عقد إلى جانب مؤتمر الأدباء العرب ببغداد للمدة من يوم الاثنين الموافق 15/شباط/ فبراير من عام 1965، وحتى يوم الأربعاء 24/ من الشهر ذاته، وأفتتح مهرجان الشعر السادس مساء الجمعة 19/ منه، وألقى الشاعر مصطفى جمال الدين قصيدته في الجلسة الثانية من مهرجان الشعر، التي أقيمت وقائعها على قاعة الشعب ببغداد مساء الاثنين 22/ من شباط/ 1965، وفي هذا المؤتمر وعلى هامشه أقيم حفل غنائي شدا فيه مطرب العراق الأول محمد الكبنجي، فما كان من الشاعر أحمد رامي، وقد أستخفه الطرب، إلا أن يرمي معطفه عالياً في الهواء، فكانت نادرة من نوادر المؤتمر  تبقى تذكرها الناس. وما القى قصيدته في مهرجان المربد الاول المقام في الستينات من القرن الماضي كما يقول الباحث نبيل العطية وطقس المرابد استحدث اول مرة سنة 1971 .