الإرهاب في السينما. .من زهرة حلب إلى سيناريو فانية وتتبدد

الإرهاب في السينما. .من زهرة حلب إلى سيناريو فانية وتتبدد

الفن السابع يوثّق الخراب والدمار

 نزار شهيد الفدعم

شاهدت في المدة الأخيرة مجموعة أفلام تتناول موضوع إرهاب الجماعات المتطرفة دينيا ” من تونس وسوريا والعراق والجزائر وقد تفاوتت مستوياتها الفكرية والفنية ومضمون تأثيرها ، ولم يقدر لها إن تأخذ حيزا” كبيرا” من المشاهدة والانتشار عربيا” وعالميا” لعوامل شتى وإبعاد أخرى تتعلق بالتوزيع والإنتاج في الوطن العربي ..

وأخر الأفلام التي شاهدتها كان الفلم التونسي زهرة حلب للمخرج   رضا الباهي وبطولة هند صبري وقبل ذلك شاهدت لمواطنه المخرج نوري بوزيد (أخر فلم اخر الاسبوع ) الذي فاز به بجائزة مهرجان قرطاج دورة عام 2006 كأفضل  فلم وأفضل ممثل الدور الرئيسي لطفي العبدلي  كما فاز الفلم بجائزة أفضل  مونتاج .رضا الباهي كمخرج عرفته من خلال مجموعة أفلام أثارت الانتباه والإعجاب عند عرضها آنذاك منها العتبات الممنوعة (72) وشمس الضباع (75) والملائكة (83) لذلك حاولت إن أشاهد فلمه الأخير خصوصا وهو مشارك في كتابة نص الفلم وهذا أسلوب  اغلب مخرجي المغرب العربي أسوة” بمخرجي السينما الأوربية !.. فيلم زهرة حلب  اعتبره موقفا من الإرهاب ومن تجنيد الشباب التونسي في منظمات إرهابية أكثر من فلم يسجل بتاريخ الباهي السينمائي ويضيف له  ورغم إن  مواطنه المخرج نوري بو زيد أنجز فلمه (أخر فلم أو making off) قبله بسنوات عدة إلا أنه كان سينمائيا”  وفنيا” اعلي مستوى منه وقريبا” لنبض الشارع التونسي عندما تناول موضوع  تجنيد الشباب التونسي والتغرير بهم ودفعهم ليكون وقودا” في ماكينة الإرهاب من خلال استغلال ظروفهم المعيشية السيئة  ورغبتهم في التغيير حتى يصلوا إلى درجة اليأس  بعد إن تتحطم أحلامهم على صخرة النظام والفساد والتقاليد والتخلف عند ذلك تتحرك عليهم خلايا الإرهاب وتجندهم بعد إن تعمل لهم غسيلا للدماغ من خلال  بعض الأفكار الدينية والمقولات التي تم تحريفها حتى تكون في خدمة فكرهم السلفي الإرهابي ، لكن الباهي وقع تحت تأثير سيناريو  تمت كتاباته أو تم تحويره ليكون  خصيصا للممثلة هند صبري التي هي منتجة الفلم لذلك سيطرت على اغلب مشاهد الفلم بحكم السيناريو المكتوب لها  بدء من مشهد الاستهلال ، سيارة  الإسعاف وهي تتوجه لحادث وقع على الطريق العام وتقودها الممرضة هند صبري وانتهى بالأم (هند صبري) وهي في حضن ابنها قتيلة برصاصة أطلقها عليها بعد صراع بين النصرة وداعش في محاولة منها للهرب من مجموعة داعشية قامت بأسرها والاعتداء عليها لكنها في مشهد سهل تستغل فرصة انشغالهم وتتناول الرشاشة وتصفيهم دفعة واحدة وتخرج متنكرة بزي عسكري داعشي لكن القدر كان  لها بالمرصاد وعلى يد ولدها الذي جاء للقضاء على هذه المجموعة الإرهابية وتصفيتها ، نفس الفكرة موجودة في فلم فانية وتتبدد..الجماعات الإرهابية تقوم بتصفية بعضها البعض حسب المصالح والأهداف الخاصة  …هند صبري  المنتجة وهي ممثلة الدور الرئيسي أخذت مساحة واسعة من الفلم وتحول الفلم إلى حدوثه أم تحاول استرجاع ابنها من يد الإرهاب…إلى هنا والفكرة جيدة لكن المعالجة السينمائية كانت اقرب للميلودراما في بعض الأحيان خصوصا تنفيذ مشهد نهاية الفلم (قتل إلام على يد ابنها لأنه لم يعرفها ) والإنتاج كان  ضعيفا ولم يستطع إن يوفر تقنيات متقدمة عند تنفيذ المعارك ، بل هو اضعف الفلم  خصوصا في اختيار مواقع  التصوير الخارجية  التي عجزت  في نقل وتوصيف الواقع الحياتي للسيناريو المكتوب …في الفلم كل شيء مرتب ونظيف وجميل ورومانسي حتى في اشد مواقع الفلم خراب ودمار ، في ظل غياب وتسطيح للمعالجة الفكرية العميقة والإشارة إليها بقوة في نص الفلم ..ولا يمكن مقارنة الفلم وتأثيره صوريا ” وفكريا” مع فلم المخرج السوري نجدت انزور (فانية وتتبدد) الذي حمل الصورة كثير من الرموز الفكرية للحقبة الفاشية والنازية بدءا” من العلم الكبير لداعش  النازل من اعلي البناية الخربة التي اتخذها التنظيم مقرا” له وحتى سقوط هذا العلم على أيدي الجيش السوري بعد دحر العصابات الإرهابية  ليكون كفنا” للدواعش ..

حبكات موازية

ومابين البداية والنهاية كثير من الحبكات الموازية التي تدعم الحدث الرئيسي مثل بيع سبايا التنظيم في مزاد ، العلاقات الجنسية الشاذة المنتشرة ، عملية جمع الكتب من المكتبات العامة والخاصة وحرقها في وسط ساحة عامة وهو دليل على معاداتهم الفكر الذي يناهضهم ، نفس الممارسة كانت النازية قد سبقتهم إليها قبل ذلك بعشرات السنيين ..وهذا المشهد ذكرني بأكثر من فلم كان أخرها فلم (سارقة الكتاب ) للمخرج براين بيرسيفال المعد عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب ماركوس زوساك عندما يتم تجميع الكتب وحرقها في الساحة العامة …كذلك عمق الحوارات في الفلم التي كانت تكشف الفكر المتخلف الدموي لداعش خصوصا في مشهد الماستر سين الذي اعتبره  بين أبو الوليد القائد الداعشي  وأستاذ المدرسة الذي يتصدى لممارستهم اليومية وفكرهم المتخلف مما يدفع أبو الوليد للتخلص منه  بعد إن فضح سلفيتهم وجهلهم  وغبائهم وزيفهم  في المحاججة الفكرية  ..الطابع العام لفلم نجدت انزور (فانية وتتبدد) مختلف عن كل الأفلام التي ناقشت موضوعة إرهاب داعش ..هو طابع هجومي يبدأ من عنوان الفلم الذي يعاكس شعار داعش باقية وتتمدد إلى فانية وتتبدد إلى أخر مشهد في الفلم ، عندما يهرب قائد داعش من المدينة خلسة بعد هجوم الجيش السوري وتحريرها …وفي مشهد موحي يفتح هذا القائد وهو يستعد للهروب درج سري ويستخرج منه مجموعة من جوازات السفر عائدة لبعض الدول التي تدعم توجهات داعش ويأخذها معه  ومعها عملة أجنبية متنوعة كان قد ادخرها لمثل هذا اليوم  ..وفي مشهد تالي نجده يسير في احد شوارع اسطنبول  …المميز في هذا الفلم في أحيان كثيرة كان المشاهد يشعر ويشم رائحة الحرب قريبة منه لان المكان منحه مصداقية كبيرة بعدما تعذر على الإنتاج   بناء أستوديو ضخم فوقع اختيار المخرج على مناطق قريبة من خطوط النار وصورت اغلب مشاهد الفلم في منطقة داريا التي شهدت خرابا” ودمارا” داعشيا ” وهي قريبة من مواقـع داعش والنصرة….