
إكتشاف وطن في اللا أين
سرد يتسع لمزيد من الأحداث والشخصيات
يوسف عبود جويعد
نكتشف عند الولوج في فضاء رواية (في اللا اين) للروائي طه حامد شبيب ، إننا فوق ركام هائل من الخراب ، وأن العودة الى الصفر والاحساس بالوطن والوطنية ونكران الذات يتطلب منا تضحية كبيرة ، وكذلك يتطلب شحذ الهمم لرفع هذا الدمار الذي حدث في البنية التحتية والعودة الى الصفر ،تلك هي البداية التي نضع فيها الوطن فوق كل شيء من اجل بنائه من جديد ودفن هذا الخراب وإعادة بناء الانسان من جديد ، فمن خلال شخصية دانيال الذي وهو ساردها ومدون رحلة اللا أين رسم ملامح شخصيته بأتقان شأنه شأن بقية الشخوص حتى بدا كائنا حيا يتحرك امامنا وليس صورة وهمية كما اعتدنا عليه في اغلب الروايات التي مرت علينا يترك فيها سارد الاحداث بدون اسم الى آخر تفاصيل الرواية كون الروائي ابدع في تفاصيل البنية الشخصية وقدم لنا بشكل ينمي عن معرفة كبيرة في استخدام ادوات السرد الروائي كونه حرك تلك الادوات بكامل عددها وعدتها وبشكل متناسق من اجل صناعة رواية تصل لى الهدف وهو يزجنا عنوة وسط الاحداث المحتدمة دون ان نجد ما يعكر صفو هذا الدخول من مقدمة وتمهيد ورؤية نقدية واشياء اخرى هي دخيلة وضارة في حد ذاتها وبامكانها ان تكون مدمرة ومخلة للمبنى السردي فالروائي الحصيف عليه ان لايدخل تلك الشوائب في عالم روايته ، وهذا مانجده من خلال رحلتنا في فضاء هذا النص وسرعان ما نكون وسط بحر هائج الامواج ومجموعة من الرجال والنساء والاطفال الهاربين من جحيم هذا البلد والمهددين وهم يرحلون نحو المجهول نحو اللا اين وهي رحلة محفوفة بالمخاطر ومع هذا وهم وسط البحر في قارب اوزيل المهّرب يكتشفون ان الجزيرة التي هي وجتهم حدثت فيها مواجهة بين القارب الذي يضم الهاربين من البلد من الذين سبقوهم وبين خفر السواحل بسبب انقلابه في البحر وبدلاً من انقاذ من فيه قتلوهم في البحر بحجة انهم غرقوا لذا يقرر امجد وهو احد شخوص الرواية مع دانيال تغيير وجهة القارب الى جزيرة اخرى الا ان المهرب يعرف جزيرة منقطعة ولايصل اليها احد ومنعزلة عن العالم ويوافق الجميع على تغيير الوجهة الى تلك الجزيرة المنقطعة من اجل انقاذ انفسهم من الموت المحتم ومن هنا يبدأ الروائي نسج خيوط النص ليقدم رؤية فلسفية عميقة متممة لاحداث واقعية حدثت لابناء هذا البلد ، حيث البحر ، الضياع ، الغربة ، الخوف ، الظلام ، المجهول ،اللا اين ينتظرهم ( عند حافة الجرف توقف وطوّح بساعة معصمه بعيداً بعيداً نحو موجة مقبلة ، ثم راح يخرج من كيس اسود معلق بذراعيه كتبه الثلاثة ، فيطوح بها الكتاب تلو الآخر نحو الموجة ذاتها ، والتفت الينا وهو يبتسم . فما كان منا نحن الذين آثرنا المكوث معه الا ان نطوح جميعاً ، دون تردد بهواتفنا النقالة الى موجة مقبلة لاحقة . كما لم يتردد من كان يضع على معصمه ساعة في ان يطوح بها ، مثلما يطوح بصرّة اودع فيها هماً انتزعه من صدره. ولو كان لدينا أي نسخة من كتبه الثلاثة لطوّحنا بها ، هي الاخرى ، من غير ان يطرف لنا جفن ، كان ذلك بعد ثلاثة عشر يوماً من وصولنا الى شاطئ هذه الجزيرة).ص5
كان ذلك العتبة الاولى في المبنى السردي الذي سوف يضعنا مع هؤلاء المهاجرين الهاربين من جحيم الوطن للبحث عن ملاذ آمن ، وبالرغم من هذه الجزيرة منقطعة عن العالم الا ان سبل الحياة فيها متوفرة ، حيث وجدوا عين ماء عذب ، ووجدوا اشجار عنب وتفاح وزيتون
ووجدوا كهفا يأويهم ، وامام هذه الاحداث الكبيرة والفكرة التي وظفها الروائي داخل المبنى السردي والشخوص الذين استطاع ان يقدم ملامحهم بشكل متقن ، تكون مهمة الروائي شاقة ومتعبة ويجب عليه ان يحرك ادوات السرد بشكل متوازن ، وبالسياق الفني المطلوب ، فتارة يدخل في تفاصيل حياة الشخصيات ، واخرى يحرك الاحداث نحو نموها وتصاعدها واهدافها المبتغاة ، وعليه ايضاً ان لا ينسى جانب المتعة والتشويق والمفاجآت التي تحدث ، وكان متمكنا في نقل الاحداث بانسيابية عالية ، وبعد كل هذا فأن مهمة الرجال ان يعدوا في هذه الجزيرة وطن لهم ، وطن يحبوه ، وطن نزيه ، صاف، خال من أي آثار همجية او نزعات طائفية ، ويتفق نصف هذه المجموعة البقاء في الجزيرة واعدادها من اجل ان يعيشوا فيها ، ويطلب امجد من اوزيل المهرّب ان يجلب لهم اثناء مجيئه في المرة الثانية عنزتين وتيس وعشرين دجاجة بياضة وديكين وحنطة معفرة لزراعتها ، اضافة لذلك صنعوا شبكة من الاغصان اللينة للاشجار لغرض صيد السمك المتوفر اثناء المد ، وهكذا فأن مهمتهم تكبر ليلتحق معهم مهاجرون آخرون ، فيصنعون اواني فخارية ، وتنورا، وبيوتا، ويحصدوا الارض ،ويعجنوا الطحين ، وهكذا تتوطد اواصر العلاقة الحميمية بينهم وبين تلك الجزيرة جزيرة اللا أين ، الا ان دانيال بطل هذه الرواية الذي ظل عليلاً ودائم السعال وتنتابه نوبة سعال واختناق تتأزم حالته ، ولم يستطع ان يذوق اول رغيف خبز حار وفارق الحياة ، بعد ان احس ان الوطن هنا بدأ مع هذا الخبز الحار ، ونكتشف ان العودة الى الصفر وحب الوطن وبنائه من جديد، ونكتشف ايضاً أن اللا أين تلك موجهة الى الوطن الاصل ، فهو ذاهب ايضا الى اللا اين ، كما نكتشف من خلال هذا النص السردي ان صناعة الرواية تتطلب مهارة عالية وقدرة على مسك الاحداث وتحريكها وفق سياقها ، فما ان نبحر بين ثناياها ننسى تماماً وجود روائي يدون الاحداث ونعيش مع هذه المجموعة بادق تفاصيل حياتهم ، كما نلاحظ الدقة المتناهية في نقل الاحداث ، وابراز ثيمة النص ورؤيتها الفلسفية العميقة والتي دارت بين شخوص الرواية لتوضيح تفاصيلها من خلال الحوارات المعمقة بينهم ، كونها تضع امامنا حلولا مهمة لكي نستطيع انقاذ هذا الوطن واعادته الى وضعه الطبيعي ، من خلال البداية من الصفر ، وحب الوطن ، وان نعيش متحابين ، ونبذ الفرقة والطائفية والافكار الهمجية ، كون الروائي يضعنا في نواة وطن صاف نزيه خال من اية شائبة ، وبالرغم من ان رواية (في اللا اين) تعد رحلة نحو المجهول الا اننا نجد فيها رسالة انسانية كبيرة ، وانساق ثقافية مضمرة ، وخطابي ادبي ، وخطاب حضاري ، كما نجد فن صناعة الرواية الحديثة التي توازي في بنائها السرد العالمي .
من اصدارات دار سطور للطباعة والنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي
























