
دحرجة لمكان ما نحو قصص قصيرة جداً
إشارات الجسد في مسارات سردية
يوسف عبود جويعد
ينقلنا القاص يحيى السعيدي من خلال مجموعته القصصية القصيرة جداً ( دحرجة لمكان ما) وعبر الدلالة الرمزية التي اشار اليها في بنية العنونة ، الى اماكن مختلفة ، مكان اول ، مكان ابيض، مكان ما، مكان اسود، وفي كل مكان من تلك الاماكن نجد نصوص سردية تنتمي اليه ، من حيث الزمان المكان والثيمة والشخوص ، وفي (مكان ما) عمد القاص الى ترك نصوصه القصصية دون عناوين ، لكي يزج المتلقي في اتونها وسبر اغوارها واختيار العنوان لكل ثيمة لتلك النصوص ، كما نجد في هذه المجموعة تجريب واضح وخطوة موفقة نحو الحداثة ، اذ انه استطاع ان يخرج من جعل الحدث في النص السردي البؤرة الرئيسية التي ينطلق منها لتحريك مسار السرد داخل المبنى السردي ، بل أنه جعله حالة متساوية وموازية لادوات السرد ليحركها جميعاً دفعة دون ان يعتمد على الحدث كأساس لصناعة القصة القصيرة جداً، وبهذا فأننا نجد العملية التكثيفية المطلوبة في السياق الفني للقصة القصيرة جداً مضمرة خلف مسار السرد وغير واضحة المعالم للعيان ، الا أن المتلقي يحسها وهو يتابع البنية النصية ، ولم يكن التجريب مختصراً على الحدث انما ذهب الى ابعد من ذلك كون الاحداث السردية التي تمر علينا تحمل روح المعاصرة من حيث تناوله للثيمة التي استجزءت من واقع حياتنا المعاصرة ، حيث انه جعل العلاقة العاطفية ثنائية الرؤية اذا صح التعبير ، حيث نجد حب الروح ، ونجد كذلك حب الجسد ، وبهذا يشير القاص الى ضرورة الاهتمام بالجانب الجنساني الذي يشكل حالة مهمة ودائمة وضرورية لحياتنا ، حيث غلب هذا الجانب على نصوصه التي تنحى هذا المنحى ، اضافة الى الجوانب الحياتية الاخرى التي تهم الانسان في هذا البلد ، في قصة ( ترهات) يكشف لنا القاص حياتنا في هذا البلد
( يؤسفه أن يكون متأخراً على الدوام ..كثيرٌ من اللغط يرافق مسيرته! ، يعرف جيداً أن النهايات تثقب خاصرته الممتلئة بالترهات .. فينساب كل جهده مثل عبث غبي !، ممتليء بسوء الحظ الذي يعتقده انه رفيق مميز له . وحيد دون حكايا ودون بوصلة كعادته ، اتجه نحو بوابة الحلم بثقة.. قالت له موظفة المطار :
لا حجوزات في هذا اليوم ، الحرب ياسيدي على الأبواب ..
قفل راجعاً يلعن أباه الذي اشتهى المضاجعة في ليلة عاصفة ! ) ص 26
ويؤكد لنا القاص من خلال القصة القصيرة جداً ( مسرعاً ) حالة الارتباك والخلط بين الواجب الديني والحس الجنسي وما يسببه هذا الحرمان من اختلال في التوازن الحياتي ، وأن الاشباع لهذه الغريزة داخلنا من شأنها ان تعيد النظام الحياتي القويم لها
( يشاهد فلماً اباحياً .. تذكر أن الصلاة قد فاتته ! ، وقف على اعتاب سجادته ، ما زال الماء يقطر من ساعديه ، وجبهته متفصصة بنقاط مائية ..
مسرعاً : الله اكبر ..
عينه اليسرى تسترق النظر للباب .. يخشى ان تدلف امه مثل كل مرة ، لتذكره بوقت الغداء .. ارتبك احس بخطواتها فعلاً تلعثم بين كلمات السورة والدعاء ، اختلطت الحروف وركبت بعضها البعض .. هوى مسرعاً للسجود قبل ان يكمل مراسم ما ينبغي ان يفعله المصلي ليخفي ما يستطيل من جسده ) ص 34
ويكشف لنا القاص من خلال النصوص السردية التي ضُمت بين ثنايا المجموعة أن ما نخفيه ، أو نضمره ، أو نستره هو حزء من التركيبة الحياتية ، وحالة مكملة لسلوك المرء ، وان الجميع يمارس هذه الطقوس وهي حزء مهم من حياتنا وهكذا فأنه رفع عنها الستار لتكمل الرؤية لواقع الحياة . ونجد في القصة القصيرة جداً ( عبثي ) صورة ماساوية لهؤلاء المهمشين الذين يعتاشون على فضلات الطعام في حاويات النفايا
( شيئان يكادان يفتكان به : أسماله التي تثقل كتفيه ، والجوع الغول المتربص بأحشائه !، ردناه السوداوان يثيران روائح محتدمة .. القمامة صارت شحيحة !!.. الناس يلعقون أصابعهم طويلاً بعد كل وجبة ! ، ضحك بأسنان لجت بها صفرة منفرة ، كانت يداه تمارس مهمة البحث برشاقة لافتة .. العلب ملاذها حين تخونها الاكياس المنتفخة ! لم ييأس ولا مرة ، ولم يعييه طرد الذباب المتقاتل على عينيه وجدا أخيراً علبة اسطوانية مفتوحة بإتقان ! فيها بقايا لحم.. قلبها ثم رماها بعد ان رأى عليها رسماً لخنزير سمين .) ص43
أن القاص يقدم لنا نصوصاً قصصية قصيرة وقد استخدم ادواتها بشكل متقن واستحضر كل مقوماتها ، اضافة الى اختياره الموفق للثيمة التي خرجت من اطار الرتابة ، كما اتاح له الحق في الدخول الى عالم الجنسانية بشكل مبهر يجعلنا نشعر حقاً أن هذه لغريزة تشكل حالة ضرورية ومهمة في حياتنا ، وفي قصة (همهمة ) يقدم لنا القاص هذا الجانب بشكل واضح
(الجسد الذي يجلس قبالته يرسل ذبذبات مؤثرة . امتهن أمس كرامته بلا داع ، ليبتاع انساً غبياً لم يستمر سوى لحظات . كانت شقراء حاسرة، اوحت له الشياطين انها سهلة الانقياد فتبين العكس . همس لذاته همساً مفضوح التعابير . استراح للمصارحة ، ضغط على النزق بفخذيه ، وجده متوثباً تماماً، واصل الضغط فزاد التوثب .. الذبذبات الجنسية ترسم له خارطة على شكل جسد عار ، المكان يتحول الى غرفة حمراء بالكاد تكفي لهما ، غادرت الجالسة امامه بشكل مفاجيء..! نظر لعجوز قربه، وجدها تغط في نوم عميق .. احتمالات تحولها لفتاة شهية قائمة، لم لا..! ) ص 129
قدم لنا القاص يحيى السعيدي عبر مجموعته القصصية القصيرة جدا (دحرجة لمكان ما ) مسارات سردية متنوعة شملت جميع جوانب الحياة ، وقد استطاع أن يحرك ماهو ساكن في قاع الذات ليخرجه على عالم السرد ، فكانت رؤية حداثوية جديدة استطاع من خلالها تقديم الاحداث دون ان يلقي الستار على هذه الغريزة التي تنمو داخلنا ، وهي جزء لا يتجزء من تكوين الانسان ، فكان موفقاً في هذا الطرح
























