إستشهاد ولدي دفعني إلى الإنتفاض على السكوت

الأطرقجي بين الماسونية ومشوار الصمت ومشروب الأباطرة الكبار

 

إستشهاد ولدي دفعني إلى الإنتفاض على السكوت

 

جميع مؤلفاتي تدقّ أجراس التحذير من خطورة التحديات

 

رزاق ابراهيم حسن

 

بغداد

 

فجأة يطلع علينا سالم الاطرقجي بثلاثة كتب، الاول مترجم وهو عن الماسونية، والثاني والثالث مؤلفات، واحد عن الصراع بين المخابرات الايرانية والعراقية وعن الاحداث والمتغيرات السياسية في العراق، والاخر عن مشروب الاباطرة الكبار، النفط وموقعه في السياسة الدولية وتاثير ذلك على العراق، ولكن هذه المؤلفات الكثيرة الصفحات، والمشوقة للقارئ تشير الى خبرة طويلة وناضجة في الكتابة.. الامر الذي يتطلب الرجوع الى البدايات ، فكيف تعرف الباحث والمترجم سالم الاطرقجي على الكتابة ومتى؟

 

ويقول : لقد تعرفت على الكتابة منذ سنواتي الاولى، وطفولتي ومبتدأ خطواتي ومنذ ان كنت اتلقى (الابجد هوز) في الكتاتيب لانني من مدينة انتمت الى قبيلة الورق والقلم.. مدينة انجبت فطاحل الشعراء والادباء والفنانين فمن اكاديمية حاراتها واسواقها تخرج الشاعر عباس ابو الطوس هذا الفقير المدقع نصف المشلول الذي صرخ في مطلع الخمسينيات بوجه السلطة الحاكمة.

 

ان المشانق للكرام مراقص

 

والسجن من اجل البلاد فخار

 

مدينة انجبت شاعر المراثي وراعي الغنم الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة الا في ايامه الاخيرة حيث علمه بعض اصدقائه الحروف الابجدية.. كاظم منظور الذي كان يكتب مراثيه مغناة ملحنة ليسرق بعض كبار الملحنين الحانه دون الاشارة اليه.

 

مدينة احتضنت قيادة ثورة العشرين التي انطلقت شرارتها من الفرات الاوسط وتخرج منها فنانون كبار امثال قارئ المقام حمزة السعداوي والفنانة الكبيرة زهرة حسين النقاش (زهور حسين) وقارئة المقام فريدة محمد علي والمخرج الراحل عزي الوهاب والرسامة بهيجة الحكيم والفنانة ليلى محمد علي، وهي شهدت ولادة اولى نواة التنظيم النسوي للحزب الشيوعي العراقي في عام 1951 وسبق ان التقيت احداهن وهي السيدة ام مهدي عام 1978. وكانت الثالثة من بين مدن العراق بعد بغداد والرماديالتي شهدت ولادة تنظيم وحدوي عروبي عام 1954 .

 

*ولكن لم تجب على السؤال.

 

– كنت مثل اغلب العراقيين الموهوبين اميل للقراءة ومحاولة الاجادة في الانشاء والخطابة واطمح الى كتابة الشعر، وكانت البيئة الكربلائية تساعد على ذلك، لانها بيئة مجالس ثقافية وحسينية، ولان الشعر جزء محوري من حياتها اليومية، ولان الادب كان مقترنا بالاحداث والمتغيرات السياسية في هذه المدينة ذات الاجواء والتقاليد الثقافية المتوارثة.

 

حالة وظيفية

 

{ اين ما كتبته في بداياتك، فالمعروف انك بدأت باصدار كتاب عن الماسونية، وهو مترجم عن الفارسية؟

 

– الترجمة عندي ليست كا ما عشته وكتبته في حياتي، ولكنها حالة وظيفية مارستها وعشتها منذ دخولي عالم الوظيفة في اواخر عام 1961، وقد دفعتني الظروف مرغما للوظيفة، فقد اخترت لها ولم تكن من اختياري فطالما كان الوالد يحول بيني وبينها ودون ولوجها، اذ كان حسب تعبيره واعتقاده يردد (فلوس الحكومة حرام) ولكن الوظيفة كانت الجسر الذي اوصلني للترجمة، حيث انتقلت من خلالها الى عالم (المجهول) الذي اراني العجائب والغرائب من الامور اذ اتيح لي ان اعمل مترجما في ظروف هي بحد ذاتها وثائق ومعطيات غاية في الاهمية، وذات اشارات دقيقة الى مستقبل العراق، وما يواجه من تطورات وتحديات: اما الكتب فقد بدأت معي منذ الطقولة حين شرعت اخط بالطبشور والفحم على جدران البيت عبارة (عال العال) التي التقطتها من على الطباغ النفطي المستعمل تلك الايام ونسميه (جولة).

 

خمسة اجزاء

 

{ هل كان كتابك المترجم عن الماسونية عملا وظيفيا؟

 

– لم اكن اعرف عن الحركة الماسونية شيئا الا ان عملي الوظيفي في الترجمة اتاح لي ان اتعرف عليها، واكون الجسر الذي اوصلني اليها لاكتشف العجائب من الامور، وقد عزز من ذلك عثوري على كتاب بعنوان (الماسونية في ايران) لمؤلفه اسماعيل رائين ويقع في خمسة اجزاء، وما ان شرعت في قراءته حتى وجدت نفسي امام حقائق اشبه بالاهوال والزلازل، وبخطورة هذه الحركة، ولانها كانت تمسك باهم الشخصيات الايرانية، ولان ايران قريبة من العراق والوطن العربي فقد صممت على ترجمة هذا الكتاب الى العربية، وانني اعيش خطورة هذا الكتاب باستمرار، وصدقني يا اخي ان قلت لك : ان ما يحيط بنا اليوم ونحن في الالفية الثالثة خطير، وكل خطورته تشير الى هذه الحركة.

 

{ ولكن كتابك الثاني المؤلف كان عن ايران ايضا وكان يحمل بعض خصائص السيرة الذاتية؟

 

– ايران جزء من هذه المنطقة (الشرق الاوسط) التي يراد رسم خارطتها من جديد، ولذلك ينبغي ان نهتم بما كتب عنها وما يحدث فيها، ولكن كتابي الثاني (اوراق من مشوار الصمت) ليس سيرة ذاتية، بل ان الظروف التي عشناها قبل 2003 والتي نعيشها اليوم اي بعد 2003 هي التي تجعل المرء يتعامل معها كما يتعامل مع الكلمات المتقاطعة ، ولقد شرعت في تسطير الصفحات الاولى من الكتاب عام 2002، على ما اعتقد واطلع عليه الصديق الراحل الفنان مهند الانصاري والمخرجة المبدعة رجاء كاظم، وقد همس الراحل مهند الانصاري في اذني : (هذه سيرة ذاتية تحمل امورا اخرى)، اما المخرجة رجاء كاظم فقد اخبرتني : (انها سيرة ذاتية ومن المحظور تنفيذ عمل يحمل طابع السيرة الذاتية) ذلك انني كنت اطمح الى ان تكون عملا دراميا، وقد بقيت هذه السيرة الذاتية على حالها ولكن الظروف والحوادث اللاحقة اضفت عليها القدرة على الامتزاج مع امور اخرى، وكان من المتوقع ان تظل دفينة الرفوف والذاكرة وان تنشر كسيرة ذاتية، ولكن الكارثة التي افقدتني اخر العنقود من ابنائي الذي استشهد في حوادث بعد 2003، جعلتني انتفض على الجرح الغائر المفتوح والمنشور عليه الملح بعيدا عن الدموع، وان اتجه للكتابة بشكل يجمع بين الذات والاحداث، ويضع الانسان في صميم الحرائق والنكبات ويعزز من العلاقة بين السيرة الذاتية والاحداث السياسية، ثم انني كما تلاحظ في كتاب (اوراق من مشوار الصمت) لم اكتب رواية وانما كتبت عن وقائع حقيقة تضعني في صميم الاحداث، وكتبت عن علاقات ملموسة بين السيرة الذاتية والوقائع، وافترض بانني حققت من خلال ذلك الصدق والامانة، واعطيت للاحداث مصداقيتها.

 

{ وهل توجد علاقة بين كتبك الصادرة؟

 

– هناك عامل مشترك يربط بين كتبي الصادرة وهي ثلاثة كتب، يضاف الى المذكورة عناوينها كتاب بعنوان (مشروب الاباطرة الكبار) هو الانذار والتحذير.. حذار يا ناس .. انهم يريدون لنا ان نهرول سريعا للموت وان نترك اوطاننا مستباحة لهم.. وان اعداء الامة يريدون لابنائها الاندحار والفناء دون تمييز فهل من سامع وهل من مجيب؟

 

{ ولكن ذلك بحاجة الى وثائق .. اين هي من مؤلفاتك؟

 

– في كتاب الرسول كشفت بالوثائق مدى خطورة الحركة الماسونية بل انه وثيقة بكل محتويا ته وفي كتابي الثاني رفعت الستار عن بعض هذه الوثائق اي الاحداث التي عشتها او اطلعت عليها كمترجم وكما تعرف ان اي مترجم يحالفه حظه البائس للمشاركة في مباحثات تعقد خلف الكواليس او الابواب المغلقة يطلع على صفقات واحداث لا يتقبلها العقل احيانا ويلمس لمس اليد ما يدور فوق الطاولات وما يجري تحت الطاولات لتشق امام هذا المترجم طريقا، احدهما تؤدي به الى المليارديرية والاخرى الى الموت والفناء وان استطاع ان يكون بعيدا عن كلا الطريقين فسوف يقضي ما تبقى من حياته كالذي يسير وهو يتحدث مع نفسه لينظر الناس اليه مخبولا.

 

مراحل ومؤلفات

 

{ مؤلفاتك هل هي من نتاج المرحلة ام من مراحل سابقة؟

 

– اجبت على هذا السؤال .. انها كانت دفينة الذاكرة منذ اكثر من اربعة عقود وردة الفعل التي انتابتني باستشهاد ولدي على يد الارهاب دفعت بي لا فتح هذه الخزانة اي خزانة الذاكرة لاتناول من داخلها بعض هذه الاوراق.

 

{ لغتك في الكتابة اقرب الى اللغة الادبية ولكن مؤلفاتك سياسية.. كيف تجمع بين السياسة والادب؟

 

– انا من جيل كان ولم يزل يلتهب تحرقا للمعرفة، كما ان مدينتي كانت ولم تزل مولعة بالشعر والادب، ثم ان الادب هو الوجه الاخر للسياسة وهو سلاح خطير ولهذا قال احد النازيين (كلما سمعت كلمة ثقافة شهرت مسدسي) كما ان الاديب (اوسكار وايلد) حين اوقفوه في احد الجمارك سائلين اياه ان كان يحمل معه ممنوعات فاجابهم وهو يشير الى رأسه (نعم احمل رأسي).

 

الا ان البدا ية كانت مع الادب والشعر، اذ بدأت بكتابة الشعر وانا طالب في الصف الاول المتوسط ونشرت اولى قصائدي في منتصف الستينيات في صحيفة بغدادية لا يحضرني الان اسمها، كان يشرف على صفحاتها الثقافية الصديق عمران القيسي وكانت القصيدة بعنوان (عندما تصهرنا الشمس) بل ازيدك علما ان عشقي الحقيقي للقراءة بدأ وانا تلميذ في الابتدائية ومازلت اذكر سيرة حياة الفنانة الراحلة اسمهان التي كتبها محمد التابعي والتي ما ان انتهيت من قرائتها حتى اصبحت طريح الفراش من شدة الحمى الا ان نكسة حزيران وضياع القدس الشريف والاقصى وضعت قدمي على ارضية اخرى وجعلت لي منعطفا بل في عشق يحمل في طياته كما يقول الشاعر حسين مردان:

 

دم ونار واشلاء ممزقة

 

واضلع صاخبات تشتكي التعبا

 

 ولهذا كانت كتاباتي السياسية ذات نكهة ادبية.

 

{ لقد احتوى كتابك على احداث معروفة، فما الذي قدمته من وثائق وما الذي تم تاجيله؟

 

– ان ما دونته في كتبي يشكل 30 بالمئة مما يمكنني قوله واليوم وانا عاكف على تحويل ذلك الى عمل درامي فسوف اسعى ومن خلال معالجات درامية لرفع الستار عن 40 بالمئة اخرى ليكون مجموع ما ذكرت وكشفت عنه مبلغ 70 بالمئة اما 30 بالمئة المتبقية فسوف ترافقني الى العالم الاخر لادون هناك ولهذا اوصيت ان يضعوا في كفني رزمة اوراق وقلم وان خذلت دون تلبية هذا الطلب فلن يكون امامي سبيل الا ان افصح عنها حين اقف مع الجميع امام ميزان العدل الالهي.

 

{ ما هي مشاريعك المستقبلية وهل ان الوثائق المعتمدة في كتبك حقيقية ام من الذاكرة؟

 

– بالنسبة لمشاريعي المستقبلية فانا عاكف على كتابة كتاب بعنوان (كيف تكون مترجما) وبهذا اكون قد دفعت الى الطبع في كل عام بكتاب.

 

الماسونية في جلباب العولمة – 2012

 

اوراق من مشوار الصمت – 2013

 

القوى الكبرى ومشروب الاباطرة الكبار – 2014

 

كيف تكون مترجما – 2015

 

اما عن سؤالك ان كانت هذه الوثائق حقيقية ام من نسيج الخيال فهذا يعني انني قادر على محاكاة الذين كتبوا روايات الف ليلية و ليلة.