إستراتيجيّة الأسماء في مقتل بائع الكتب -فاضل عبود التميمي
حين انتهيتُ من قراءة رواية (مقتل بائع الكتب) للكاتب سعد محمد رحيم الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع بغداد 2016 اكتشفت أنّ اختيار أسماء الشخصيّات فيها خضع لمعيارين اثنين الأول: اعتباطي مؤدّاه أنّ قسما من الأسماء التي اطلقها الروائي على الشخصيّات كانت من صنع تخيّله الذي منحه القدرة على اقتراحها فضلا عن اقتراح سلوكها الذي يمتّ الى ذاكرة الروائي بصلة، فهو يتطابق مع فضاء الرواية من باب وجودها المفترض الذي منحه الروائي فرصة الظهور في المتن بوصفه دليل شخصيّات روائيّة لها ما يسوّغ انتماءها إلى الحياة، وظهورها على الورق كي يمنح المتلقي فرصة تخييل أجوائها، والتمتع بما فيها من إدهاش وسرد، وهذا ما وجدته في اسم بطل الرواية (محمود المرزوق) الذي تراءت لي اعتباطيّة اسمه على الرغم من أنّ سيرته تكاد تكون صورة دقيقة منتزعة من ِسير قسم من مثقّفي العراق ،و أدبائه في عقدي الستينيّات، والسبعينيّات وجزء من الثمانينيّات، فضلا عن أسماء أخرى كانت تسمياتها قد تمّت باعتباطيّة دالّة على الحريّة التي يتمتع فيها الروائي وهو يعمل في متطلبات استراتيجيّة تعنى ببناء الرواية، وتركيب شخصياتها كما في تسمية: فراس سلمان، وكاميران عادل، وجانيت، وفاتن، وناتاشا، وحسن المقدادي، وماجد البغدادي الصحفي الذي كلّف بكتابة كتاب عن حياة محمود المرزوق ، على الرغم من شبهه بشخصيّة الروائي نفسه. ويبدو لي أنّ الروائي سعد محمد رحيم نجح في تقديم هذه الأسماء فهي أصوات فاعلة في متن الرواية، ومناسبة للمحيط الثقافي الذي اشتغلت فيه الرواية أعني: ثقافة مدينة بَعْقوبَة يوم ذاك بما فيها من حضور للفن التشكيلي، والشعر والقصّة، والرواية والنقد، فضلا عن وجود اتحاد الأدباء فيها، وجمع من المسرحيين، ومحبي الثقافة، فالمدينة كانت ولمّا تزل منفتحة على فضاءات التحديث المختلفة، وهذا ما أهّلها لأنْ تكون مسرحا مبكّرا لممارسات ثقافيّة منذ أوائل القرن العشرين ولا سيّما في المسرح، والشعر، وكتابة القصّة. أمّا المعيار الآخر الذي ظهرت من خلاله الأسماء الروائيّة فقصديٌّ سعى من خلاله الروائي سعد إلى الإتيان بأسماء حقيقيّة هي جزء من تاريخ بَعْقوبَة، وسلوكها الإجتماعي: الثقافي المعاصر؛ ولهذا كان الروائي حريصا على تكريس عنايات تلك الشخصيّات للنهوض بسرد الرواية، وتشكيل فصولها أعني بالعنايات هنا الممارسات الثقافيّة التي تدلّ على نمط التفكير الخاص بتلك الشخصيّات الذي اقترن بسلوكها، وإبداعها، وقد كان له إيقاع في ثقافة المدينة المعاصرة التي قدّر لها أن تكون منفتحة على الجديد والمفيد في الأدب والحياة. إنّ اعتماد الروائي على تلك الشخصيّات بما لها من أسماء معروفة ما كان إلا بسبب اعتزازه بمدينة بَعْقوبَة التي عاش فيها ردحا من الزمن، ومن فيها من أسماء كانت، ولمّا تزل جزءا من ذاكرته الحيّة، ومن احساسه بجمال المكان؛ ولهذا عمد الروائيّ إلى استعارتها من شاشة الحياة كي يودعها شاشة السرد بما تمتلك من حساسيّة اجتماعيّة وإنارة خاصّة، واثارة تعمل على تشكيل نصّ جماليّ لا يبتعد كثيرا من الواقع، وتحولاته ليكون في مشغل الفن الذي يتسامى وهموم الإنسان المعاصر.
إنّ التدقيق في الأسماء التي تقصّد الروائي إيداعها متن الروية يحيل على محمولات ثقافيّة كانت تلك الأسماء تتّخذها علامة مميّزة في مسيرة حياتها، وهي تعيش سلوكها اليومي في مدينة لها ما يميّزها من المدن الأخرى سواء في مرجعيّاتها الاقتصاديّة، أو السياسيّة، أو الاجتماعيّة، فـ(بَعْقوبَة) مدينةٌ آراميّة عريقة تمتد بعيدا في عمق التاريخ لكنّها تنتمي إلى اقتصاد المدن الزراعيّة التي تنفتح على الريف والعاصمة بمقدار واحد؛ ولهذا حافظت على طابعها الريفي دون أن تنسى أنّها مدينة لا تبعد كثيرا عن العاصمة بغداد، وكأنها حيّ من أحيائها. لقد قُدّر للروائي سعد أن يلتقط أسماء فاعلة في المشهد الثقافي، وأن يجعلها جزءا من الرواية دون إقحام لها، أو تمجيد، أو تزييف لسير أصحابها فقد جعلها ناطقة بما تحمل من ولاءات، وانتماءات، وعلامات نابضة بما فيها من حراك ثقافي، وإبداع وتلك الأسماء هي:اولا- كاميران عادل: وهو محيي الدين زنكنة المسرحي العراقي المعروف عربيّا الذي كان يعمل بهمّة مؤسّسة دون أن تتدخل جهة ما في (الدعاية) له ، أو التبشير بمنطلقاته الفكريّة والجمالية، حتى أنجز أكثر من أربعين مسرحيّة منشورة في كتاب مستقل، أو في مجلة أدبيّة معروفة، كلّها كتبت باللغة العربيّة الفصحى، وقد ترجمت إحدى عشرة منها إلى اللغة الكردية، ومثّلت أغلب مسرحيّاته في عواصم الثقافة العربية: بغداد، وعمان، ودمشق ، والجزائر، والمنامة ، والخرطوم ، وتونس ، والإسكندرية ، الزقازيق ، والكويت ، وتجاوزت شهرتها المحيط العربي لتمثل في برلين أيضا، لكتبت عنها عشرات المقالات، والدراسات النقديّة التي عاينت متنها، وأنصفت زنكنة لما له من فكر إنساني مميّز، وقد ظهر في الرواية صديقا للمرزوق الذي وصفه بأنّه أهمّ كاتب مسرحي ،فيما دوّن أهم مقولة كان يرددها حين يُسأل كيف حالك؟ فيجيب أمشي مع المواشي.ثانيا – مصطفى كريم: وهو شخصيّة بَعْقُوبيّة واقعيّة اسمها الحقيقي كريم الدهلكي أبو مصطفى أحّد اعلاميي بَعْقُوبَة الذي تولى توزيع الصحف والمجلات والدوريات في المحافظة منذ زمن ليس بالقليل من خلال مكتبه الإعلامي المعروف، وقد أحال الروائي عليه بجملة من التوصيفات الواقعية منها: أنّه يعلّق في مكتبه صور أرنستو جيفارا بوصفه رمزا سياسيّا له حضور مميّز في ثقافته، وسلوكه السياسي، فضلا عن إحالته على واقعة مهمّة مرّ بها الدهلكي تتمثّل في اقتحام الامريكان مكتبه أيام الاحتلال الأولى، فمصطفى كريم هو قناع الأب الذي ظهر مرموزا له في الرواية.ثالثا- سعد محمد رحيم: وهو مؤلف الرواية الحقيقي الذي دخل متنها تحقيقا لمبدأ ظهور الروائي المنظور في روايته، وهو يقدّم ذاته بوصفها جزءا من اللعبة الروائيّة والمؤلّف بهذه اللعبة أعطى فرصة للمتلقي ولذاته أيضا لأنْ يكونا شريكين في بناء اللعبة الروائيّة، وتلقيها ضمن أجواء سرد ما بعد الحداثة التي وفّرت للمؤلف الروائي فرصة التدخل في بناء الرواية، والدخول إلى سردها، والبوح بما يريد. إنّ حضور المؤلف في متن روايته كما فعل سعد محمد رحيم تجريبٌ لشكل جديد من أشكال الكتابة التي غادرت المألوف المتداول لتتّجه نحو تجريبيّة جديدة قبل بها الروائي المعاصر بعد أن تشرّبت في كتابته تجارب روائيّة غربيّة رائدة ليقبل بها المتلقي المعاصر بوصفها نمطا من التحديث البنائي الخاص بالرواية الحديثة.
رابعا- هيمن قرداغي: وهو في الحقيقة القاص صلاح زنكنة الذي أحال عليه الروائي من خلال التوصيفات الاتية: أحّد أدباء ديالى البارزين، وكرديّ يكتب بالعربيّة، ويدخّن بشراهة، ويصفّف شَعره على طريقة البير كامو، ويحلق ذقنه وشاربه بعناية ، يشبه غجريا أسبانيا ،ويلبس قميصا مشجّرا ليظهر أصغر من عمره، فضلا عن أنّه زير نساء ،أو هكذا يحلم أن يكون على الرغم من أنّه تزوّج ثلاث نساء، وربما يحلم بالرابعة!.
هذه الإحالات تتطابق تماما مع اسم القاص صلاح زنكنة، وسيرته الثقافيّة والخاصّة، لكنّ (هيمن) وهو اسم أحد أولاد صلاح زنكنة أحال على دلالة خاصّة بالثقافة الكرديّة، فضلا عن إحالته المكانيّة التي تتّصل بمدينة عراقيّة كردستانيّة اسمها قرداغ، فهو قناع غير مموّه وضعه الروائي على وجه صلاح ليثير من خلاله أسئلة ما.
خامسا- إبراهيم البهرزي: وهو الشاعر البعقوبي الذي وصفه الروائي بأنّه ينتمي إلى الجيل العراقي السبعيني، وقد أصدر مجموعته الشعريّة الأولى:(صفير الجوال آخر الليل). وأحالت الرواية وهي في غمرة انفتاحها على مدينة بَعْقوبَة على أسماء أعلام أخرى منهم: كاكه عباس وكنيته (أبو فؤاد) الذي عاش في بعقوبة في الثمانينيّات والتسعينيّات من القرن العشرين، وعزيز الحسك الفنان التشكيلي المعروف، وحسّان مطر صاحب استوديو الامل الذي هو على وجه الحقيقة إحسان مطر، ومطعم غسان للمشويات، وشارع الأطباء، فضلا عن اشارتها الذكية إلى د. حسن سرحان الناقد والمترجم عن الفرنسية، الذي تولى في الرواية ترجمة رسائل جانيت إلى محمود المرزوق في إحالة الى شخصيّة حقيقية لكنها من محيط ثقافي مجاور. وعلى الرغم من واقعية هذه الأسماء فإنها اخذت حيّزا مهمّا من سرد الرواية، وأضاءت جوانب مهمّة من متنها الذي ارتبط بقسم من أفعالها، وما تمتلك من مزايا لم يغفلها تخيّل الروائي، وهو يعيش حريّة تامّة في اختيارها على الرغم من تقصده في تغيير بعض أبنيتها رغبة منه في المغايرة السرديّة، وهو يعاين الواقع بعين (فنيّة). لقد تعامل الروائيّ مع تلك الأسماء بقصديّة واضحة لما تمتلك من سمات ثقافيّة مؤثّرة في نسيج الحياة الثقافيّة في بَعْقوبَة، وبعضها معروف في العراق كلّه بما تمتلك من إبداع أدبيّ، فهي أسماء قريبة من ذاكرة الروائي الحكائيّة، ولها صلة باهتماماته الثقافيّة فكان من اليسر جلبها من فضاء الحياة إلى فضاء الرواية لتقدّم له سردا ناضجا أخذه من مجمل نشاطاتها وقد تعامل معها تعاملا فنيّا من خلال مخيّلة خصبة موّارة بالحركة والاقتناص.
{ ناقد وأكاديمي عراقي

























