إتجاهان يتصارعان في مواجهة تحديات معالجة الثغرات والنواقص

نحو رؤية عقلانية  للحركة العربية لحقوق الإنسان     – 2 –

 

إتجاهان يتصارعان في مواجهة تحديات معالجة الثغرات والنواقص

 

عبد الحسين شعبان

 

وكلما استطاعت تحقيق ذلك فإنها ستتجه للتوازن ولوضع مسافة واضحة مع الجميع فلا تتحول إلى حزب سياسي أو منظمة معارضة أو تكون واجهة لها مباشرة أو غير مباشرة، لكن عليها أن تصوغ خطابها على نحو صريح وواضح ومبدئي، لكي تؤثر في جمهور واسع، وبالتالي يمكن أن تلف حولها حركة جماهيرية تضم أنصاراً ومؤيدين واعين، يستطيعون بثقلهم وبما تعتمده الحركة من أساليب عمل ومرونة وحصانة، فرض الاعتراف بوجودها، وبالتالي الاضطرار للتعامل معها.

 

الاتجاه الرابع- النظرة التجزيئية أو المفاضلة في الحقوق

 

وفي إطار الحوار والجدل الدائر داخل الحركة وخارجها هناك اختلاف أيضاً بين النظرة الشمولية والنظرة الجزئية لحركة حقوق الإنسان، فتارة تقدّم الحقوق الفردية، المدنية والسياسية، وأخرى يجري التركيز على أولوية الحقوق الجماعية وبخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في حين أن حقوق الإنسان ينبغي معاينتها على أساس شمولي ومن زاوية كلية، فالمفهوم الذي ركّز على الحقوق الفردية لم يكن بإمكانه تجاهل الحقوق الجماعية، لاسيّما خلال الأزمات، فاستعان بدور الدولة والقطاع العام وهو ما يتطلب إيلاء اهتمام أكبر حالياً في ظل خطر تلوّث البيئة وحماية السلام وتوظيف نتائج الاكتشافات العلمية – التكنولوجية الكبيرة، التي تحتاج إلى طاقات هائلة وإمكانات ضخمة كما هي غزو الفضاء ومحاربة الأمراض والأوبئة وقضايا التصحّر وغيرها.

 

أما المفهوم الثاني، فهو الذي ركّز على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد أثبتت التجربة أن التخلي عن الحقوق الفردية المدنية والسياسية أو إهمالها قاد إلى أنظمة شمولية استبدادية (توتاليتارية دكتاتورية) ولم يساعد في خلق التوازن المطلوب والتنمية المنشودة، وهكذا انهار الاتحاد السوفييتي بعد أكثر من (70) عاماً على الثورة الاشتراكية التي ركزت منذ بداياتها الأولى على حقوق الإنسان الجماعية وبخاصة حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحق العمل والتعليم والتطبيب والضمان الاجتماعي وتوفير الفرص الثقافية للمواطنين وغيرها. لكن تلك المفاهيم اصطدمت بالتجاوزات على حقوق الانسان الفردية وحرياته الأساسية وبالتالي لم تخلق التوازن المطلوب، وحدث هذا للعديد من أنظمة التحرر الوطني.

 

إن أي محاولة لإهمال أي جزء من حقوق الإنسان تؤدّي إلى نتائج وخيمة، فلا ينبغي بحجة عدم إكتمال المقدّمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تأجيل إحلال الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الفردية بشكل عام. وإذا كان الإقرار النظري بهذه الحقوق أمرٌ لا مفرّ منه، فالعبرة بالتنفيذ. أما بالنسبة للحقوق الاقتصادية والثقافية، فالمسألة أكثر تعقيداً ولا يمكن بالطبع إهمال حق أصيل وأساسي من حقوق الإنسان، كحق تقرير المصير، بالنسبة للشعوب والأمم التي ما تزال تعاني من التبعية- وهضم حقها في تكوين كيان سياسي (دولة) مثلما هو الشعب الفلسطيني مثلاً، ومثل هذا الحق يتعلق بالجماعة، الشعب، الأمة، وهو حق أصيل لا يمكن بتجاهله الحديث عن الحقوق الفردية.

 

الاتجاه الخامس انخراط بعض نشطاء حقوق الإنسان في العمل السياسي وهو ما أعقب التغييرات الأخيرة التي حصلت في العديد من البلدان العربية وكان قسم منها قد أدى إلى فقدان توازن بعض إدارات حركة حقوق الإنسان، فقد ترك بعضهم العمل الحقوقي وانخرط كليّاً بالعمل السياسي ونسي الكثير من الانتقادات التي كان يوجهها للحكومات، بل إن بعض ممارساته لم تكن لتختلف عن ممارسات حكومات سابقة، أو تبريرات لها، وهو الأمر الذي أثار غباراً من الشك حول صدقية الحركة وصدقية العاملين فيها، وهو أمر غالباً ما يواخذه المجتمع على حركات سياسية أو اجتماعية أو فكرية، بمدى انسجام إداراتها مع ما تدعو إليه، لاسيّما بعض التناقضات الحادة التي عُرفت بها الحكومات.

 

تحدّيات الحركة العربية لحقوق الإنسان

 

وتواجه الحركة العربية لحقوق الإنسان اليوم أربع تحدّيات رئيسية هي:

 

التحدّي الأول:- محاولة الحكومات تدجينها أو احتوائها أو تبهيت لونها. وهذا هو التحدّي الأساسي من خارجها، وهو أخطر تحدّي لأنه يتعلق بصدقيتها.

 

التحدّي الثاني:- محاولة الحركة والقوى السياسية احتوائها لكي تكون واجهة سياسية ضيّقة لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الحزب أو التيار أو ذاك، وإن كانت بعض المعارضات تحاول توظيفها بالاتجاه الذي يخدم أهدافها السياسية، الاّ أنها لا تدرك خطورة هذا النهج حتى وإنْ شكّل كسباً سياسياً آنياً لها، الاّ أنه يجعلها تفقد صدقيتها ويعطّل طريقها لكي تكون مرجعية ذات حيدة ونزاهة، يمكن التعامل معها تدريجياً على أساس ذلك، باعتبارها مرجعيات حقوقية لا علاقة لها بالمعارضات والتيارات السياسية، وإنما هدفها الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان ضد أي انتهاكات تحصل سواء من جانب الحكومات أو من جانب بعض الحركات المسلّحة التي تعتمد على العنف كأساس في تعاملها لتحقيق أهدافها السياسية وفي ظلّ غياب الحريات وانعدام فرص الحوار وسماع الرأي الآخر.

 

التحدي الثالث: انتحال دورها، وهو ما تسعى بعض الحكومات والمعارضات القيام به وذلك بتشكيل هياكل منظمات وجماعات ومكاتب باسم حقوق الإنسان تكون تابعة وتهدف هذه إلى نشر أفكارها والترويج لها ولدعايتها السياسية بما يؤدي أحياناً إلى التشويش على حركة حقوق الإنسان وخلط الأوراق. التحدي الرابع: محاولة بعض القوى الأجنبية توظيفها بما يخدم أهدافها ومصالحها الدولية والإقليمية، سواء عن طريق التمويل أو بعض الأجندات الخاصة.

 

وفي هذا المضمار تبرز بعض المحاولات لإغراء بعض العاملين في ميدان حقوق الإنسان وممن يحتّلون بعض المواقع، لكي يبرّروا أو يخفّفوا النهج المناوئ لحقوق الإنسان للحكومات والجماعات السياسية التي تحاول التأثير عليهم، بما فيها للجهات الدولية، بحيث تأتي نبرة النقد خافتة وغير مؤثرة، وفي ذلك إحدى التحديات التي تؤثر على صدقية الحركة.

 

وبقدر حفاظ الحركة العربية لحقوق الإنسان على هوّيتها المستقلة وعلى وضع مسافة مناسبة بينها وبين الجهات المتصارعة وعدم خضوعها للضغوط من أي كان حكومات أو جهات سياسية أو جماعات تمويل خارجية تستطيع أن تقدّم خدمة لقضايا حقوق الإنسان وتكون جهازاً حقيقياً للمراقبة والرصد. ويمكنها أن تنشط في إدارة حوار فكري معرفي بين التيارات المختلف تحت راية حقوق الإنسان. وأعتقد أن جميع الأطراف يمكن أن تلتقي وتتحاور عند نقطة حقوق الإنسان.

 

 ورغم وجود خلافات حول محتوى وجوهر حقوق الإنسان من حيث عالميتها ومحليتها، خصوصيتها القومية والثقافية وشموليتها، بمعنى المعايير التي يمكن اعتمادها، الاّ أن الحوار سيكون مفيداً بهذا الميدان أيضاً. ويمكن للحوار أن يشمل الحكومات أيضاً، إلى الفاعليات الفكرية والسياسية والثقافية، وأعتقد أن الحوار هو السبيل الوحيد لإنضاج مواقف تحمي جميع التيارات بإقرار تعايشها وبالإقرار بالتعددية وتنوّع الاتجاهات وبحق الجميع بالعمل والدعوة لأفكاره، ويحق للجميع بالانتقال السلمي إلى مواقع الحكم ومغادرتها بصورة سلمية بحيث يكون صندوق الاقتراع هو الفيصل في شرعية أي حكم، ولعلّ ذلك سيصب في عملية التنمية المستدامة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتشريعية وغيرها.

 

إن المتأمل في إشكاليات الحركة العربية لحقوق الإنسان ومشكلاتها يلاحظ أن بعض إشكاليات ومشكلات المؤسسات الرسمية والحكومات، بدأت تنتقل إلى حركة حقوق الإنسان، بل أن بعض +الأمراض؛ أخذت تنتشر عدواها أحياناً في حركة حقوق الإنسان العربية الحديثة النشأة.

 

ولعلّ الهدف من طرح ذلك ليس الجهر ببعض النواقص والثغرات والأخطاء وكشفها على الملأ، وإنّما التفكير بصوت عال وجماعي بتلك الإشكاليات، لتقديم قراءة نقدية للواقع ومحاسبة للذات من خلال الشفافية، ذلك أن +النقد الذاتي؛ وكشف الأخطاء والنواقص وتشخيص الثغرات والعيوب، يساهم في تعزيز دور الحركة العربية لحقوق الإنسان ويشارك في الجدل والنقاش والحوار العلني حول إشكالياتها ومشكلاتها، إذْ لم يعد بالإمكان إغفالها أو غضّ النظر عنها، بحجة استفادة الأعداء منها، بل أن بحثها ومناقشتها يساعدان في وضع المعالجات للتخلص من تلك المثالب وآثارها وهو ما يقوي ويعمق الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني في مجابهة التحديات والمعوقات التي تواجهها.

 

ولمواجهة هذه التحدّيات تبرز أربع اتجاهات تتفاعل وتتفق وتختلف، من حيث الشدّ والإرخاء، بحيث تستمر في تجاذب حركة حقوق الإنسان العربية وهي على النحو التالي:

 

الاتجاه الأول:

 

 ويمكن أن نطلق عليه +الاتجاه التصادمي؛، إذ تميل بعض المؤسسات إلى اتخاذ مواقف حادة داعية إلى المواجهة والقطيعة (بين الحكومات وحركة حقوق الإنسان) وهو بتقديري اتجاه انعزالي يغلب عليه طابع التسييس، أي التأثّر بالمواقف والخلفيات السياسية، وهذا الاتجاه أقرب إلى اتجاهات بعض المعارضات أو يخضع لبعض تأثيراتها.

 

الاتجاه الثاني:

 

وهو ما يمكن أن نطــلق عليه الاتجاه التساومي؛ أو “التخادمي”، حيث تسعى السلطات لاحتواء أو تدجين المجتمع المدني، كما يسعى بعض العاملين في هذا الميدان وبحجة الواقعية؛ إلى التخلي عن بعض المنطلقات المبدئية كالاستقلالية والحيادية وغيرها بحجة الابتعاد عن السياسة، فينصرف إلى تأييد مواقف الحكومات ويبرّر لها بعض الانتهاكات، وغالباً ما تبتلع الحكومات مثل هذه المؤسسات التي يضعف تأثيرها على المجتمع. ويمكن أن نطلق على مثل هذا التوجه بالاتجاه التخاذلي الذي يريد الانصياع للحكومات، بحجة عدم إمكانية تحقيق أهداف الحركة الاّ بالتفاهم معها.

 

الاتجاه الثالث: يتراوح بين التغريب والتقليد، ففي حين يميل البعض إلى كل ما هو غربي باعتباره ينسجم مع حقوق الإنسان، ينغلق البعض على الماضي رافضاً كل ما يأتي منه، بحجة الاستتباع.