
فجراً.. عند الساعة السادسة، كُنَّا في مرآب المدينة، أُمِّي تتأمَّل قامتي المتقوّسَة كجذعِ نخلةٍ عجفاء؛ وتنفخُ على وجهي وفي جوف قميصي بسملاتها وأدعيتها السجَّاديَّة؛ والدمع يسيحُ سخيناً على فوطتها السوداء؛ وهي تنتخي المعتوق ألاَّ يدعني وحدي مهما استشرتْ المواقف علينا؛ بينما كنتُ متوتراً؛ لم اترك وليَّاً إلاَّ وصببتُ عليه لعناتي؛ إذْ حاولتُ منعها من مرافقتي إِلى مرآب المدينة، لكني وجدتها أمامي مثل غمامة حزن تترقب وصولي، ويبدو أنَّها فرغتْ من صلاة الفجر على عجلٍ وسبقتني إِلى المرآب حتى تراني للمرة الأخيرة قبل فراقها.. قلتُ لها حانقاً:
- ستكشفينَ سرنا أمام الناس، هيَّا انصرفي..
فجأةً أخرجتْ شريطاً أخضر من جيبها واستعانت بصديقي لتنفيذ رغبتها:
- بُني.. أرجو أنْ تقنعهُ حتى يضع هذه التميمة حول معصمهِ؛ هذا طلبي الأخير..
وقبل أنْ يرجوني المعتوق وجدت جثتي ترتعش بين أحضانها وهي تشمني بعمق، وتردد بعبرات مخنوقة:
- يحرسكما القاسم بن الحسن؛ فهو شاب مثلكما؛ ويعرف مصابي ولوعتي، سأذهب إِلى مرقده الآن. ابتعدت عن أنظارنا؛ بعد أنْ أوثقت معصمي بالشريط الأخضر؛ أيَّةُ سكينة هبطت إِلى أودية روحي.. وأيُّ ضوء بدأ يتوهج في قبو قلبي حتى هتفتُ بكل ثقةٍ:
- ماذا تنتظر؟ هيَّا نصعد إلى الحافلة.
كان المعتوق حينها منكسراً، والحزن الذي خلفتهُ أمي مازال يضرب في شرايينه بعنف، رأيتُ الدمع يلمع في عينيه وهو يتأمل التعويذة في معصمي حين قال:
- هنيئاً لكَ بهذه الأم.
مازحتهُ ببراءةٍ:
- نتبادل بالأمهات؛ ما رأيك؟
أجابني وهو يتفادى سقوط الدمع من عينيهِ:
- الأمهات متشابهات بكل شيء يا صديقي.
الواقع أنَّ أُمْ المعتوق طيبة وحنون وكانت تغسل صديقي بالطشت على كبرٍ؛ لكنها تخشاه كثيراً بسبب عصابيتهِ المفرطة وهذا ما دعاها للركون في البيت. ركبنا باص الريم.. وخلال ساعة ونصف كنا في مرآب العلاوي؛ مرَّتْ الأمور كما نشتهي، فالتفتيش عند الصباح بسبب الزحام طالما يكون متراخياً وليس مشدَّداً في السيطرات، عبرنا بسلام من سيطرة ديالى التي حطت أقدامنا على شوارعها والساعة تربو عند التاسعة صباحا.. كان المانعي بانتظارنا في مرآب المدينة ولمح ديوان الترقب للمعتوق بين يديه.. فعلَّق بانشراحٍ:
- حسنا فعلت، فديوانك الشعري يبعد عنَّا بعض الشبهات.
أجل كان المعتوق قد صدر له هذا الديوان عن الشؤون الثقافية بعنوان الترقب، وهو الديوان الأول الذي يصدر لشاعر من طائفة الصعاليك، وبشكل رسمي؛ اذكر أنَّ المركبة التي احتضنتنا كانت مما تسمى الـ «18» راكبا، كانت تسير متهادية في الشارع الذي سيصل بنا إِلى كركوك، وعند جسر «الطبقچلي» لم يكن القاص زنگـنه موجودا، بينما كانت مفارز الزنابير تنتشر في أرجاء المدينة مما سبَّبتْ إرباكاً لنا؛ لكن المانعي على حين غرَّة هتف يلعنُ السماء؛ وأشار إِلى شخص قصير القامة يقف عند ناصية الجسر:
- ذاكَ عباس..
هرعَ القزم نحونا لاهثاً ثمَّ طلب منا الركوب في سيارة لاند كروز.. كانت واقفة على بعد يسير.. انطلقت بنا العجلة إِلى ناحية «التون كبري».. وفي بيت صغير تمَّ تدوين أسمائنا من قبل فتى كردي ثمَّ وضع بيد كل منا رشاشة كلاشنكوف مع ملحقاتها من جعب الرصاص، حينها انطلق بنا القزم عباس إِلى رابية أشوان؛ لقد أصبحنا خلال لحظات من الفرسان الكُرد؛ ولكن أي فرسان كنا؟ بعد أنْ لبسنا السراويل العريضة والتي زودنا بها مع السلاح؛ عند الرابية كان زنگـنه بانتظارنا.. أطلق ضحكته وهو يهجونا بجذلٍ:
- يا لكم من ملاعين؛ كأنكم أكراد من دم ولحم.. ولا كأنكم هاربين من الحرب.
كانت الرابية عالية جدا، قطعنا أكثر من عشر دقائق حتى أصبحنا نقف إِلى جنب آمرنا الجديد زنگـنه؛ جابتْ نظراتي لتستطلع المكان الذي بزغت بمناطق متفرقة من أرضيته الطينية شجيرات عُشبية داكنة الخضرة، ثمَّ عانقت نظراتي وجه صديقي المعتوق قائلاً:
- مكان رائع لكتابة الشعر.
ضحك زنگـنه وقال محذراً:
- مع ضوء الشمس نعم، ولكن عندما يحلُّ الليل، توقعوا وصول البيش مرگـه في أية لحظة.. وهذا يعني نهاية حياتنا.
أجابَ المعتوق على تحذيره قائلاً:
- سنقرأ لهم شعرا قبل أنْ يحشوا صدرونا بالرصاص. دخلنا إِلى الخيمة وكنتُ أفكر هل سنبقى على قيد الحياة ليوم غد؟
حسن النواب

















