أفق مفتوح لجمال العتابي

أفق مفتوح لجمال العتابي

أمانة الأداء وصدق التجربة

 حسين مزعل

تعرفت على  العتّابي من خلال رسالته التي بعثها لصديقنا المشترك رياض رمزي، كان ذلك منذ سنوات طويلة كان الحصار الظالم على أبناء شعبنا من قبل الدكتاتورية المجرمة ، والغرب العدواني ناراً تلتهم مهجة العراقيين وآمالهم وأجسادهم  كانت رسالة العتابي قطعة نثرية جميلة جداً ، لكنها مفعمة بالحزن والأسى الذي إبتلع العراقيين ، والذي أنزلهم إلى درك الظلام والجوع كنت مع غيري من العراقيين والانكليز وبعض الاجانب نجمع التواقيع في حمله لرفع الحصار عن الشعب العراقي .

    المفارقة المحزنة المضحكة ، كانت التحالف غير المكتوب بين صدام والغرب ،  ومع من يدّعون الحرص على الشعب العراقي الذين يرفعون شعارات خدمة الفئات الكادحة ، فقد كان الغرب يمنع الادوية والاقلام والقرطاسية ، وكل شيء تقريباً عن العراقيين ، وكان صدام مثابراً على تصوير ولائمه العامرة وبثها على شاشات التلفاز ، وهو يقول بكل صلافة ان الحصار لا يوذيني بل يؤذيكم انتم العراقيين أمّا صحافة من يدعون تمثيل الشعب فقد إنشغلت بحمله شعواء لا هوادة فيها لدعم الحصار على شعبنا المنكوب ، فكانت وليمة سريالية دنيئة لضباع تنهش جسد شعبنا العراقي الجريح في هذا الظرف جاءت رسالة العتابي لتعطينا صورة واضحة عن آرض الجحيم واليوم وفي ظرفنا الحالي جاء كتابه (أفق مفتوح) ليعرض ويكتب عن روايات وأشعار فترة الحرب ثم الحصار مع مواضيع متفرقة أخرى تشمل السياسة والف

معدل الانتحار

من خلال ممارستي للطب النفسي والعقلي ومتابعة البحوث في هذا الميدان ،إتضح ان معدل الانتحار يهبط في زمن الحروب ، وهي حقيقة موثقة بالأرقام وهناك ظاهرتان تفشيتا  يمكن رصدهما بسهولة ، الأولى إرتفاع معدلات الإنتحار   بشكل ملحوظ في فترة الحصار (أي بعد الحرب) أما الثانية ، فهي التي أخبرني إياها صديقي ، وهي خراب الانسان لدى نسبة عالية من العراقيين ، ما لم يكن ملحوظاً قبل الحرب(هذه أيضا معاينة شخصية من خلال زيارتي لبغداد) كدليل على التدهور الصحي والثقافي والاقتصادي، إضافة الى المآسي الاجتماعية .

لقد ذكرني كتاب (أفق مفتوح) ببعض كتابات هادي العلوي ، من حيث سلاسة اللغه وإنسيابيتها ، وتنوع جميل في الموضوعات وألوانها المختلفة،غايته التعريف بمنجزات الثقافة العراقية بشكل رئيس في فترة الحرب والحصار، وكذلك التعريف بالمنجز الإبداعي لفنانين وروائيين وموسيقيين، وأسماء متميزة من مختلف الحقول ،إذ كتب عن الرواية التونسية المعاصرة (الطلياني) لشكري المبخوت ، وعالم الإقتصاد ورجل الدولة العراقي إبراهيم كبة ، والموسيقار طالب القره غولي  والروائي رياض رمزي، والفنان الصكارن وما كتبه العتابي عن جيل الرواد المبعوثين للدراسة في الغرب ، وممن أسهموا في بناء العراق ومؤسساته  الرصينة ماقبل عهد الإنقلابات  إذ ان بناء العراق الذي إبتدأ في عملية تراكمية منذ 1921، كان قد أجهض ودخل مرحلة التهديم والخراب بعدها،  وليومنا هذا.

إن فطنة جمال وربما تجربته الغنية ، جعلته يخرج عن فخ التقليد، وأن لا يكون أسيراً للكتابة حول نسق أدبي  واحد ،فقدم كتاباً لايبعث على الملل ، إنما يدفع بالقارئ للتوغل والانغماس فيه أكثر فأكثر ، وهنا يكمن وجه المقارنة والشبه بإعتقادي مع كتابات هادي العلوي .

وإذا ماتجاوزنا التنويع في الموضوعات ،وسبرنا جوهر عملية النقد الادبي  فان كتاب العتابي يذكزني بإسلوب النقد لكتاب مهمين، ومقاربته من موضوعة النقد الأدبي لديهم

افق مفتوح

إن كتاب افق مفتوح ، كشف عن موضوعية صارمة إبتعدت عن المحاباة وخلع الالقاب الكبيرة على الكتّاب ، فالعتابي لم يكن مغالياً في الحب ونقيضه في مجمل ما كتب ، وهذا بتقديري قمة في الأمانة والأداء الذي يهدف لبناء أدب متقدم وأدباء رياديين ، فأبتعد عن خلع الالقاب الكبيرة التي قد يمارسها البعض بالمجان على بعض الاعمال  الشعرية والأدبية .المهم في تقديري ، هو التجربة الثقافية والحياتية والوجدانية الأصيلة التي عبّر عنها الكاتب بطريقته وبإسلوبه ، وهو غير بعيد عن المرجعيات النقدية السائدة وأدوات النقد، ما دامت صادقة ونبيلة .

لم يكن إختيار الكاتب للروايات التي تناولها بالنقد، عبثاً أوفعلاً طارئاً ،بل هو إختيار مدروس للوصول إلى كشف حجم الشروخ والجروح العميقة التي خلفتها الحروب والحصارات في ذاكرة ووجدان الشعوب والمجتمعات ، في حقب تاريخية متعددة من تاريخنا المعاصر،ومن الإنصاف القول :انه أرشفة للفواجع التي ألمّت بالمجتمع العراقي .ورؤيا فنية قدمتها هذه الروايات التي أغنت أدبنا فناً وموضوعاً وفكراً.

حدثني صديقي الدكتور المرحوم حمود حمد الله الياسري عن والد زوجته الأوكرانية، الذي كان جنديا في الحرب الوطنية العظمى ضد الجحافل النازية المجرمة، انه كان نادراً ما ينام الليل عندما يذهب لزيارة أهل زوجته في القرية، لأنه كان ينام مع والد الزوجة بنفس الغرفة الذي يهبّ غالباً من نومه صارخاً بأعلى صوته (إنتباه! خذوا الأرض ، دبابات المانية قادمة) ، هذا الكابوس كان يحدث مراراً بعد مرور ثلاثين عاماً على إنتهاء الحرب، ولم يتوقف إلّا بوفاة المحارب القديم.  هذه الكدمات والرضوض النفسية ، هي ماتسمى بعلم الطب النفسي اليوم بـ (خلل الضغط النفسي الناتج من الكدمات النفسية). أما على مستوى المجتمع فالكارثة أكبر، وهي كارثة تحدث على مستويات متعددة ومتداخلة ، أولها غياب القوى المخصبة في المجتمع ( المرأة ) تدمير الأسرة ، فقدان الرجال، ( القوى المنتجة ) ، توقف عملية التراكم المعرفي والثقافي ، الإنقطاع بين الأجيال.

رؤية شمولية

 في ضوء ماتقدم ، نقول ان الدراسات لعيّنة من الروايات كشفت عن رؤية شمولية لواقع المجتمع العراقي ، وهذا يعبر عن مدى وعي الكاتب بالأحداث وأبعاد العلاقات الإجتماعية  بمجملها تعكس حالة المجتمع العراقي وإنتشار الظواهر الواردة أعلاه ،فالحديث عن الإيروتيكية و الجنس ،تبدو دوافعهما واضحة لدى المتلقي في سياق الحرب والحرمان ، والتهديد الذي يمس الوجود الانساني ،أي مسألة الحياة أو الموت ، ربما يعود بالمرء إلى النكوص  للغريزة و الدافع الجنسي كوسيلة دفاع من اجل البقاء ، فالجنس في مفهومه الأعمق هو الحفاظ على إستمرارية النوع.

  وموضوعة الحرب مغروسة في أغلب النتاج السردي العراقي ،فأضحت مادة لإغناء البعد الإجتماعي والسياسي والموضوعي للعمل الأدبي ، يستمد تميزه من هذه الموضوعات.  ان رواد مقهى ابو خالد والساقية في مدينة الحرية ومقهى المعقدين في ابي نواس هم الذين نضجوا وكبروا ليتبؤوا ويقودوا ناصية الثقافة العراقية فيما بعد والعتابي واحد منهم ، وهو في كتابه (افق مفتوح ) جاءنا ليقول : ان تكون مفهوما هي فضيلة، لأن من لا يفصح عن نفسه لا تحتوي كتاباته على أية أفكار، حيث اللغة هي فضاء سيكولوجي وأداة للتواصل ، فاذا ما افتقرت الى إيصال الفكرة فاذن هناك فراغ ولا افكارولا لغة.

أحيي الكاتب على هذا الإنجاز المتميز بشكله وتصميمه الفني الجميل ، فضلاًعن مضمونه الجدير بالقراءة، البعيد عن التعقيد والتكلف.

.