أغنية الصّفصاف للشاعرة سعاد العتابي نموذجاً.. إحترافية اللغة وتوظيف المعاني
مختار أمين
أغنية الصّفصاف
يامدينة الغرباء..
خلف ضبابك فجر وطن
يسخر من جلاديه
يعدهم بذات السياط
يُفرِغ بطونهم الجوفاء
يعيد لجدرانه ألوانها
ولظلاله هيبتها
يدعو تلك الريح العاتية لرقصتها الأخيرة
يكتب مراسيله على أجنحة الطير
يلملم شتات الشواطئ لنورسة تائهة
ها أنا.. أنتظرُ و نافذتي..
قطرات ندى مرسالك
تغازل أوراق عمري
فأهسهس لها بأغنية..
انتظرتْ طويلا لتصدح:
عيون لا تنام..
حواس معلّقة على أغصان الصّفصاف
أصوات تدندن بمقامات الخلود..
لا فجر دون أحلام..
لا فجر دون أوطان..
ها أنا.. أنتظرُ
_______________
أغنية الصفصاف أغنية على رفات وطن مخطوف منهوب، صوّرت الشاعرة إحدى النوارس المشردة من شواطئها، والنوارس التائهة هم مواطنو هذا الوطن الذي أصبح في غياب، تقف هي على شرفة نافذة الغربة تستدعي فجره الذي طال غيابه وبزوغه خلف ضبابية سماء الغربة، وتفرح بالنذير.. “قطرات ندى مرسالك” بأسلوب بلاغي رفيع المستوى كعادتها تقول:
يامدينة الغرباء..
خلف ضبابك فجر وطن
يسخر من جلاديه..
وهذه الصورة قمة في التعبير، واختزال لصور كثيرة للحكي والبوح، وكأنها حكت كل الحكاية في مقطع، يا وطن الحوت الضخم الآكل بجبروتك ابتلعت أوطان بغير حق، في سمائك المنتشرة في كل الأفق الضبابية الملوثة بسواد دم ما ابتلعت يرقد وطن خلف ضبابيتك، خلف أسوارك، لم تفلح في أن تمحوه، رغم سجنك له واحتجازه خلف ضبابية أسوار سجنك هو يسخر منك، سيـ”يعدهم بذات السياط
يُفرِغ بطونهم الجوفاء
يعيد لجدرانه ألوانها
ولظلاله هيبتها”
سيأتي يوم الخلاص حتما وسيعذب كل من حاول ضربه وجلده بنفس السياط، ويفرغ بطونهم الجوفاء، رامزة لبطون الجوع مهما أكلت أصل الجوع فيها، أي لو انتفخت بابتلاعك خير أوطاننا لا تفسر إلآ جوعك وبطنك الفارغة الجوفاء، وسيرسم البسمة والفرحة على كل مكان سيعيد صفاء السماء، ونماء النخيل والأشجار وشقشقة الطيور في كل مكان، وحتى ظله سيكون مهيبا مثله، وإن كان الظل مهيبا فمابال بأصل الظل كيان الوطن..
رغم أنه في سجن بطنكم غير أنه يهيء نفسه ويعد العدّة:
“يدعو تلك الريح العاتية لرقصتها الأخيرة
يكتب مراسيله على أجنحة الطير
يلملم شتات الشواطئ لنورسة تائهة”
يدعو تلك الريح العاتية إسقاط على من سلب هذا الوطن، يدعو من سلبوه ليقتص منهم في نزال أخير، وهي في عز أوج انتصارها وفرحتها يدعوها لنزال لينهي عليها، وهو يعدّ لذلك: “يكتب مراسيله على أجنحة الطير” يستعد لبناء جيشه من جديد يراسل ويخطط ليستعيد مجده، و”يلملم شتات الشواطئ لنورسة تائهة” يعيد كل مواطن شارد، والنورسة يُقصد بها الراوية في القصيدة التائهة المشردة لتستعيد مجدها بمجد الوطن، وتستدعي الأمان الكامل، فهي تقول: “ها أنا.. أنتظرُ و نافذتي..
قطرات ندى مرسالك
تغازل أوراق عمري
فأهسهس لها بأغنية..
انتظرتْ طويلا لتصدح:
عيون لا تنام..
حواس معلّقة على أغصان الصّفصاف
أصوات تدندن بمقامات الخلود..
لا فجر دون أحلام..
لا فجر دون أوطان..
ها أنا.. أنتظرُ” كأن قطرات الندى التي ستأتيها مع بشائر الفجر هي رسالة منك تبشرها بالخلاص؛ فتطلق أغنيتها لتصدح وتشكو:
” عيون لا تنام” “حواس معلقة على أغصان الصفصاف”والرمز الإسقاطي البديع لشجرة الصفصاف التي رمزت بها مرتين، في العنوان شبهتها بالراوية في تسميتها” أغنية الصفصاف” وفي فحو القصيدة تشبها بالوطن، لما لشجرة الصفصاف من عراقة وثبوت على الأرض وتاريخ كما الوطن، لما لشجرة الصفصاف من حزن متمثل في شكل أغصانها المتدلية على الأرض كامرأة حزينة تفرش شعرها على وجهها حزنا تدندن: “أصوات تدندن بمقامات الخلود” تبث حزنها بصورة عربية فريدة كعادة معددات المآتم: “لا فجر دون أحلام ـ لا فجر دون أوطان ـ ها أنا أنتظر”..
وكعادة سعاد العتابي تعطي البعض دروسا في القصيدة النثرية في بلاغتها الفريدة الخاصة والعزف على شجن الفقد والحرمان لوطن غاب.. تحياتي للشاعرة البليغة.
























