أحداث وشخصيات في لحظات ألم

نظرة بمجموعة كائن كالظل

أحداث وشخصيات في لحظات ألم

عبد الكريم حسن مراد

في لحظات الألم وعندما نصاب أو نكون تحت ضغوطات نفسية تأتينا من الوضع السياسي الذي يمر به البلد تتشتّت كل أفكارنا، ويصيبنا الوهن، فنصبح كالسكارى نتعثر بخطواتنا، ونفقد توازننا فتتكاثر أمراضنا، وذلك لكثرة تفكيرنا بالبحث عن لحظة الخلاص والانعتاق من غول الأزمة التي عصفت بحياتنا الإنسانية، فلعبة الألم هذه نجدها في قصص الكاتب الإماراتي محسن سليمان (كائن كالظل)، ومن خلال أول قصصه (كائن كالظل) والذي ندرك ومن خلال السطور الأولى أنه يعاني من ألم ما، حيث يقول (الغريب هو ذلك الألم الذي يضرب معدتي)، إذا فقد رسم صورة للبطل وما يعانيه من وجع عميق لينتقل إلى صورة أخرى يرسمها للشخصية، يكون فيها للبطل عين لاقطة لينقل لنا ما يراه ويحدث أمام مرآه..

إن ألمه احدث في نفسه شيئا من الهلوسة والهذيان، لذا تراه ينتقل من حالة لأخرى، وذلك من خلال لعبة السرد، وكانه يدون يوميات حياته تارة، وأخرى يحاور شخصية لا يدركها غيره، فهي هلامية، فالحدث غير مستقر عنده، فتراه كثير التنقلات.. هذا ما رسمه لنا الكاتب عبر ضمائر الـ(أنا) والـ(هو) والـ(هم)، لندرك أخيراً بأن بطله غير سوي، لذا تراه يتصور وجود قرين له يشاكسه ويزيد من ألمه، فنراه يقول ( بطني يؤلمني، وكأن يدا تخترقني وتحرض القولون، أحسه أكثر عصبية من أي يوم آخر)، فيبحث عن لحظة للاسترخاء لكي يتخلص من الألم والمشاكس له، وتأتي لحظة الانفراج حين يقول ( غداً سوف أسافر إلى المستشفى) لندرك بعدها أنه قد وجد الحل لما يعانيه من ذلك الألم الذي أصابه بالهلوسة…

لينقلنا بعدها الكاتب الى القصة الثانية المعنونة بـ(جونو)، حيث يرسم لنا صورة لامرأة تعيش لحظة خوف وهلع لما أصاب مكانها عاصفة قوية، تسترجع من خلال تلك الواقعة شيئاً من ذكريات حياتها، طفولتها وحياتها أيام الكتاتيب في قريتها، ولقائها بحبيبها الذي كان يشاركها التعليم، لتنتقل بعدها إلى ليلة زواجها، حيث الدفء والحب… كل تلك الصور استرجعتها وهي تعيش حالة قلق على زوجها (بابا درياه) الذي كان عالقا في العاصفة الماطرة، فلحظة الانفراج قد أتت إليها حين لمحت زوجها يهرع إليها يحتضنها بقوة..

لقد استخدم الكاتب اسلوب السيناريو في قصته هذه، وقد أجاد بها لعبة الفلاش باك، وقد وفق في نقل مشاعر البطلة بصدق..

أمّا في قصة (نسمة من الشمال) فينقل وبلغة شفافة مشاعر امرأة وعشق البطل لها بصمت دون أن تدرك هي، لقد رسم لنا ومن خلال حديث البطل صورة للمرأة التي كانت تقود سيارة، وتقف في تقاطع، وكان هو الآخر يقف بسيارته في التقاطع بموازاتها، وقد أبدع في رسم حركة شفاهها وهو ترتطم بصمت من خلال جهازها النقال، وكذلك رسم لنا انفعالاتها، حزنها وعصبيتها من خلال رميها للنقال على كرسي السيارة، وضربها للمقود لتختفي فجأة، بينما ظل البطل يأتي إلى هذا المكان كل يوم على أمل اللقاء بها ثانية، ولكن يبقى حلمه في انتظار …

أما في قصة (حلم وحقيقة) فالكاتب يزاوج بين الحلم والحقيقة لحياة موظف يعمل في مطار دبي يطمح للسفر، فيعيش لحظات حلوة من خلال رحلة الحلم، ليُفاجأ بأنه الحقيقة، لكن عكس ما رسم في حلمه، وبرأيي ان الكاتب لم يوفق في هذه القصة، فخيوط الحلم هي مكملة للحقيقة، فقد كان من الأولى به أن يجعل البطل يعيش لحظات الحلم، ليجد نفسه في الواقع محاصرا بعائلته وأولاد أثقلوا كاهله بالطلبات، فيتمنى أن يبقى في حلمه..

وفي قصته ( صديقي اللدود) ومن خلال لعبة الضمائر رسم لنا الكاتب صراع الإنسان مع ذاته او قرينه، أو يهيأ له أنه يراه، إنه يبحث عن لحظة الخلاص من ممارسة سادية النفوس لبعض الناس على غيرها.. وقد أجاد في الغور في أعماق البطل والآخرين.

لننتقل إلى قصة (شيطان) التي أبدع فيها برسم صورة للشيطان وهو يعاني النزع الأخير، وحوله يتحلق مريدوه، وخوفه وصراعه من أجل البقاء لكي يغوي البشرية ويوسوس في صدورها، لكن يقين الإنسان وإيمانه بالله سبحانه جعله ينتصر على تلك النزعات..

أما قصته (نزهة قصيرة مع رجل أخرس) فلقد رسم لنا الكاتب حياة فتاة فشلت في حياتها العاطفية، وصدمت من قبل رجال لا يمتلكون من المشاعر للمرأة سوى لعبة السرير، لذا راحت تأخذ من الرجل (الموديل) الذي تراه في المحال حبيباً لها وهو يلبس أزياء عدة، فتراها تناجيه وتستحضره كلما مرت بمكان هو فيه، مما أثار غضب أختها التي طوحت بالموديل أرضاً وتنصرف، بينما بقيت هي أمامه تناجيه قائلة له ( أختي تقتل فيك الحياة، وتنتزعك من بين ذراعي)، لتخرج من المحل حاملة الموديل معها.. ولقد أبدع الكاتب في رسم مشاعر المرأة بصدق.

أمّا في قصة (تلصص) فقد أبدع الكاتب في استخدام لغة الأنثى والغوص في قاع نفسها، راسما لنا مشاعرها على لسان البطلة التي كانت تنتظر في صالة انتظار المترو بعد أن اخترقت حواجز لحقائب كانت مبعثرة في المكان لتختار لها مكانا في كافتريا الصالة، وتطلب كوبا من الشوكولاتة من النادل، وما هي إلاّ لحظات حتى عاد النادل بالطلب، ولكن لم يكن ما طلبته، بل هو كوب من الشاي، ووضعه أمامها، فاستغربت لما رأته، فأخبرته بأنها لم تطلب الشاي، في الوقت ذاته كانت على طاولة الرجل الذي كانت تراقب حركاته كوب الشوكولاته، وهو يتصفح الصحيفة من دون أن ينظر نحوها، وبعد لحظات طويلة عاد النادل يحمل كوب الشوكولاته لها، وكوب الشاي له، ولكن بعد فوات الأوان، فالرجل قد انصرف تاركا الكوبين للمرأة التي راحت تبحث عن الرجل، والذي كانت تتلصص لتلصصه، لتقع هي في النهاية تحت أنظار النادل الذي راح يتلصص عليها، وأمامها يجثو الكوبان..

وإبداع الكاتب كان جلياً في نقل مشاعر الآخرين من خلال رؤية البطلة، ومخيلته لقراءة الآخر…

أمّا بقية قصص المجموعة فلقد استطاع الكاتب أن ينقل لنا صوراً من الحياة المعاشة في دولة الإمارات من خلال العلاقات الإنسانية والتلاحم بين أفراد العائلة حين يتعرضون للمصائب، وكذلك التلاحم من أجل وحدة العائلة ووحدة أبناء الوطن كما في قصته (حياة)..

إن للمكان حضوراً في بعض قصص المجموعة، فالفضاء الخارجي بالنسبة للمكان لم يكن يتعدى صالات الانتظار والمقابر، ولقد أجاد الكاتب في رسم صور لتلك الفضاءات وما حولها من أشجار وطيور وشواهد للموتى، وكما قلت سابقاً إن الكاتب يستخدم أسلوب العين والكامرا اللاقطة لرسم الشخوص وعوالمهم وصراعاتهم وأفكارهم وقراءة دواخلهم التعيسة والسعيدة، متمكنا من تطويع اللغة والسيطرة على الخيط السردي في قصص المجموعة الخمسة والعشرين، فلغته كانت ذا شعرية عالية وسلسة مما يجعل القارئ يتفاعل مع القصص، ويسافر معها نحو أفق مفتوح يملؤه الأمل..

ولكن برغم ذلك فقد كنت أود لو أن الكاتب (محسن سليمان) فصل قصته الأولى (كائن كالظل) واستعملها كعمل روائي لما فيها من تعدد الشخصيات، فضلاً عما فيها من احداث مهمة، فلغة هذه القصة روائية أكثر مما هي قصصية..

متمنيا للكاتب (محسن سليمان) التوفيق والتألق في اعماله الجديدة القادمة…

{ (كائن كالظل) / قصص/ محسن سليمان / مدارك/ دبي/ 2014