
حسن النواب
لمْ تخبُ ومضة الأمل عند الشاعر سلام كاظم، فأعادَ فكرة القراءات الشعرية لشعراء الثمانينيات على هامش المِربد في دورتهِ العاشرة، وهو الشاعر الذي لا يخاف، والبرهان قصيدتهُ «الملوك العزُّل» التي قرأها في قاعة نادي الأدباء، فكانتْ أشبه بصاعقةٍ هبطتْ على رؤوس الحاضرين. لقدْ علمتُ بتنفيذ فكرتهِ النبيلة بينما كنتُ في جبهة الحرب، إذْ لمْ أنجح بالحصول على إجازة، وأتاحَ من خلال إصرارهِ على إقامة هذا الهامش الشعري فرصةً ثمينةً إلى ثُلَّةٍ من شعراء الثمانينيات لقراءة قصائدهم في قاعة صغيرة تابعة للسينما والمسرح، ويبدو أنَّهُ تمكَّن من إقناع اللجنة التحضرية للمهرجان في تنفيذ فكرتهِ بعد تعاطف الشاعر فاروق سلَّوم معهُ والذي كان مديراً عامَّاً للسينما والمسرح ورئيس تحرير جريدة المِربد التي تصدر خلال أيام المهرجان، بلْ وصل تشجيع الشاعر سلَّوم لشعراء الثمانينيات إلى نشر قصيدةٍ لشاعر ثمانيني هو صلاح حسن إلى جنب شعراء عراقيين وعرب كبار؛ لقدْ حسدتُ أترابي من الشعراء على هذه الفرصة المِربدية التي وضعتهم في دائرة الضوء؛ بينما كنتُ آنذاك أتلظَّى في خندقٍ رطبٍ وبوجهٍ معفَّرٍ بدخان القنابل وعلى خوذتي يتساقط مطر تشرين مع شظايا القصف. وعرفتُ فيما بعد أنَّ بعض أقراني كان قد حصل على إجازةٍ من جبهة الحرب بمعونة رئيس منتدى الأدباء الشباب الشاعر عدنان الصائغ الذي غامر بتزويدهم بكتبِ دعوةٍ لحضور مهرجان المِربد بمبادرةٍ شخصية منهُ وبعيداً عن أنظار اللجنة التحضرية التي أمعنتْ بتجاهل الشعراء الشباب للقراءة على منصَّة المِربد الرسمية في دوراتهِ المتتالية، بحجَّةٍ ظالمةٍ هي أنَّهم لا يعرفونَ كتابة القصيدة الموزونة، وتلك ذريعة باطلة، فمعظمنا كان يكتب قصيدة التفعيلة ، لكننا آثرنا التجريب في قصيدة النثر ، استثني هنا زمرة شعراء شباب يكتبون قصيدة المديح العامودية والذين كان لهم القدح المعلّى ورعاية خاصة من قبل المسؤولين. وتوالتْ دورات المِربد والشاعر الثمانيني يتفرَّج على منصَّة الشعر الرسميَّة بحسرةٍ، ويملأُ وجدانهُ التذمر والسخط على «غنائم السيرك» من قبل متشاعرين بلا موهبةٍ كانوا يملؤون قاعة المِربد جعجعة بلا طحين؛ ورذاذ قصائدهم العامودية التافهة يتطاير من أفواههم على وجوه الجمهور، حتى انتهت حربنا مع إيران وبدأ الحصار يغرز مخالبه القاسية في بطون العراقيين المعدومين، فانتفضتْ قصيدة النثر برغم بؤس حال شعائرها، وانطلقتْ بحماسٍ موجوعٍ إلى تدوين مجاعة الوطن بنصوصٍ شجاعةٍ وصادقةٍ وبلغةٍ مغايرةٍ لم يألفها الوسط الثقافي من قبل. وبجهودٍ ذاتيةٍ أقاموا ملتقى الشعر الثمانيني بمشاركةِ أكثر من ثمانينَ شاعراً وتناول نصوصهم بالنقد أبرز النقَّاد العراقيين، ويتذكَّر الذين حضروا الملتقى قنبلة تنوير الشاعر الغجري نصيف الناصري التي كانت بعنوان فنتازي «قصيدة عن حياة وعبقرية حسن النوَّاب المقدَّسة والشجيَّة» والتي استفزَّت شعراء السلطة حين أنشدها من خلف منصَّة الملتقى قائلاً :»صديقي سائق دبَّابة وفارس أحلام المعلّماتْ، الكتبُ لا تصنع شاعراً يا أولاد البحبوحات». في هذا الملتقى أثبتَ كوكبة من شعراء الثمانينيات علو كعبهم، مما شجَّعَ الناقد المبدع حاتم الصگر إلى نشر نصوصهم في مجلة الأقلام؛ في خطوة جريئة لم يقدمْ عليها أي رئيس تحرير للمجلة من قبل. حتى كدتُ أرمي نفسي في نهر دجلة من جنون الغبطة حين رأيتُ قصيدتي»أغواها بعنايتهِ فتعطَّلتْ أجنحتها» مع قصائد فنار الشعراء «محمود البريكان» الذي عاد للنشر بعد انقطاع دام أكثر من عشر سنوات، وقد أقنعهُ في ذلك صديقنا الشاعر الراحل رياض إبراهيم الذي لم ينلْ نصيبهُ من الاهتمام بعد وفاته بطريقةٍ مأساويةٍ على أحد جبال كردستان خلال محاولته الفرار من بطش النظام السابق. بعد ختام ملتقى الشعر الثمانيني والذي حقق نجاحاً لافتاً في الوسط الثقافي، شعرتْ اللجنة التحضرية لمهرجان المِربد بتقصيرها أمام الشعراء المتمردين على قوانين الشعر، بينما كان طوفان قصيدة النثر يكتسح الأماسي والمنتديات الأدبية؛ فوجَّهتْ الدعوة في عام ١٩٩٥ إلى مجموعة من شعراء قصيدة النثر للمشاركة رسميَّاً في مهرجان المِربد، وكنت أحدهم..


















