المِرْبَد 2- حسن النواب

470

حسن النواب

لمْ‭ ‬تخبُ‭ ‬ومضة‭ ‬الأمل‭ ‬عند‭ ‬الشاعر‭ ‬سلام‭ ‬كاظم،‭ ‬فأعادَ‭ ‬فكرة‭ ‬القراءات‭ ‬الشعرية‭ ‬لشعراء‭ ‬الثمانينيات‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المِربد‭ ‬في‭ ‬دورتهِ‭ ‬العاشرة،‭ ‬وهو‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخاف،‭ ‬والبرهان‭ ‬قصيدتهُ‭ ‬‮«‬الملوك‭ ‬العزُّل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قرأها‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء،‭ ‬فكانتْ‭ ‬أشبه‭ ‬بصاعقةٍ‭ ‬هبطتْ‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الحاضرين‭. ‬لقدْ‭ ‬علمتُ‭ ‬بتنفيذ‭ ‬فكرتهِ‭ ‬النبيلة‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬جبهة‭ ‬الحرب،‭ ‬إذْ‭ ‬لمْ‭ ‬أنجح‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬إجازة،‭ ‬وأتاحَ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصرارهِ‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬هذا‭ ‬الهامش‭ ‬الشعري‭ ‬فرصةً‭ ‬ثمينةً‭ ‬إلى‭ ‬ثُلَّةٍ‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الثمانينيات‭ ‬لقراءة‭ ‬قصائدهم‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬صغيرة‭ ‬تابعة‭ ‬للسينما‭ ‬والمسرح،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّهُ‭ ‬تمكَّن‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬اللجنة‭ ‬التحضرية‭ ‬للمهرجان‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬فكرتهِ‭ ‬بعد‭ ‬تعاطف‭ ‬الشاعر‭ ‬فاروق‭ ‬سلَّوم‭ ‬معهُ‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬مديراً‭ ‬عامَّاً‭ ‬للسينما‭ ‬والمسرح‭ ‬ورئيس‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ ‬المِربد‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬المهرجان،‭ ‬بلْ‭ ‬وصل‭ ‬تشجيع‭ ‬الشاعر‭ ‬سلَّوم‭ ‬لشعراء‭ ‬الثمانينيات‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬قصيدةٍ‭ ‬لشاعر‭ ‬ثمانيني‭ ‬هو‭ ‬صلاح‭ ‬حسن‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬شعراء‭ ‬عراقيين‭ ‬وعرب‭ ‬كبار؛‭ ‬لقدْ‭ ‬حسدتُ‭ ‬أترابي‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬المِربدية‭ ‬التي‭ ‬وضعتهم‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الضوء؛‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬آنذاك‭ ‬أتلظَّى‭ ‬في‭ ‬خندقٍ‭ ‬رطبٍ‭ ‬وبوجهٍ‭ ‬معفَّرٍ‭ ‬بدخان‭ ‬القنابل‭ ‬وعلى‭ ‬خوذتي‭ ‬يتساقط‭ ‬مطر‭ ‬تشرين‭ ‬مع‭ ‬شظايا‭ ‬القصف‭. ‬وعرفتُ‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬أقراني‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬إجازةٍ‭ ‬من‭ ‬جبهة‭ ‬الحرب‭ ‬بمعونة‭ ‬رئيس‭ ‬منتدى‭ ‬الأدباء‭ ‬الشباب‭ ‬الشاعر‭ ‬عدنان‭ ‬الصائغ‭ ‬الذي‭ ‬غامر‭ ‬بتزويدهم‭ ‬بكتبِ‭ ‬دعوةٍ‭ ‬لحضور‭ ‬مهرجان‭ ‬المِربد‭ ‬بمبادرةٍ‭ ‬شخصية‭ ‬منهُ‭ ‬وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬أنظار‭ ‬اللجنة‭ ‬التحضرية‭ ‬التي‭ ‬أمعنتْ‭ ‬بتجاهل‭ ‬الشعراء‭ ‬الشباب‭ ‬للقراءة‭ ‬على‭ ‬منصَّة‭ ‬المِربد‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬دوراتهِ‭ ‬المتتالية،‭ ‬بحجَّةٍ‭ ‬ظالمةٍ‭ ‬هي‭ ‬أنَّهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفونَ‭ ‬كتابة‭ ‬القصيدة‭ ‬الموزونة،‭ ‬وتلك‭ ‬ذريعة‭ ‬باطلة،‭ ‬فمعظمنا‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬التفعيلة‭ ‬،‭ ‬لكننا‭ ‬آثرنا‭ ‬التجريب‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬،‭ ‬استثني‭ ‬هنا‭ ‬زمرة‭ ‬شعراء‭ ‬شباب‭ ‬يكتبون‭ ‬قصيدة‭ ‬المديح‭ ‬العامودية‭ ‬والذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬القدح‭ ‬المعلّى‭ ‬ورعاية‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المسؤولين‭. ‬وتوالتْ‭ ‬دورات‭ ‬المِربد‭ ‬والشاعر‭ ‬الثمانيني‭ ‬يتفرَّج‭ ‬على‭ ‬منصَّة‭ ‬الشعر‭ ‬الرسميَّة‭ ‬بحسرةٍ،‭ ‬ويملأُ‭ ‬وجدانهُ‭ ‬التذمر‭ ‬والسخط‭ ‬على‭ ‬‮«‬غنائم‭ ‬السيرك‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬متشاعرين‭ ‬بلا‭ ‬موهبةٍ‭ ‬كانوا‭ ‬يملؤون‭ ‬قاعة‭ ‬المِربد‭ ‬جعجعة‭ ‬بلا‭ ‬طحين؛‭ ‬ورذاذ‭ ‬قصائدهم‭ ‬العامودية‭ ‬التافهة‭ ‬يتطاير‭ ‬من‭ ‬أفواههم‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬الجمهور،‭ ‬حتى‭  ‬انتهت‭ ‬حربنا‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وبدأ‭ ‬الحصار‭ ‬يغرز‭ ‬مخالبه‭ ‬القاسية‭ ‬في‭ ‬بطون‭ ‬العراقيين‭ ‬المعدومين،‭ ‬فانتفضتْ‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬برغم‭ ‬بؤس‭ ‬حال‭ ‬شعائرها،‭ ‬وانطلقتْ‭ ‬بحماسٍ‭ ‬موجوعٍ‭ ‬إلى‭ ‬تدوين‭ ‬مجاعة‭ ‬الوطن‭ ‬بنصوصٍ‭ ‬شجاعةٍ‭ ‬وصادقةٍ‭ ‬وبلغةٍ‭ ‬مغايرةٍ‭ ‬لم‭ ‬يألفها‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬وبجهودٍ‭ ‬ذاتيةٍ‭ ‬أقاموا‭ ‬ملتقى‭ ‬الشعر‭ ‬الثمانيني‭ ‬بمشاركةِ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثمانينَ‭ ‬شاعراً‭ ‬وتناول‭ ‬نصوصهم‭ ‬بالنقد‭ ‬أبرز‭ ‬النقَّاد‭ ‬العراقيين،‭ ‬ويتذكَّر‭ ‬الذين‭ ‬حضروا‭ ‬الملتقى‭ ‬قنبلة‭ ‬تنوير‭ ‬الشاعر‭ ‬الغجري‭ ‬نصيف‭ ‬الناصري‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بعنوان‭ ‬فنتازي‭ ‬‮«‬قصيدة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬وعبقرية‭ ‬حسن‭ ‬النوَّاب‭ ‬المقدَّسة‭ ‬والشجيَّة‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬استفزَّت‭ ‬شعراء‭ ‬السلطة‭ ‬حين‭ ‬أنشدها‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬منصَّة‭ ‬الملتقى‭ ‬قائلاً‭ :‬‮»‬صديقي‭ ‬سائق‭ ‬دبَّابة‭ ‬وفارس‭ ‬أحلام‭ ‬المعلّماتْ،‭ ‬الكتبُ‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬شاعراً‭ ‬يا‭ ‬أولاد‭ ‬البحبوحات‮»‬‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملتقى‭ ‬أثبتَ‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الثمانينيات‭ ‬علو‭ ‬كعبهم،‭ ‬مما‭ ‬شجَّعَ‭ ‬الناقد‭ ‬المبدع‭ ‬حاتم‭ ‬الصگر‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬نصوصهم‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الأقلام؛‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬لم‭ ‬يقدمْ‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬للمجلة‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬حتى‭ ‬كدتُ‭ ‬أرمي‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭ ‬من‭ ‬جنون‭ ‬الغبطة‭ ‬حين‭ ‬رأيتُ‭ ‬قصيدتي‮»‬أغواها‭ ‬بعنايتهِ‭ ‬فتعطَّلتْ‭ ‬أجنحتها‮»‬‭ ‬مع‭ ‬قصائد‭ ‬فنار‭ ‬الشعراء‭ ‬‮«‬محمود‭ ‬البريكان‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬للنشر‭ ‬بعد‭ ‬انقطاع‭ ‬دام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬وقد‭ ‬أقنعهُ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬صديقنا‭ ‬الشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬رياض‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينلْ‭ ‬نصيبهُ‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬مأساويةٍ‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬جبال‭ ‬كردستان‭ ‬خلال‭ ‬محاولته‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭. ‬بعد‭ ‬ختام‭ ‬ملتقى‭ ‬الشعر‭ ‬الثمانيني‭ ‬والذي‭ ‬حقق‭ ‬نجاحاً‭ ‬لافتاً‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي،‭ ‬شعرتْ‭ ‬اللجنة‭ ‬التحضرية‭ ‬لمهرجان‭ ‬المِربد‭ ‬بتقصيرها‭ ‬أمام‭ ‬الشعراء‭ ‬المتمردين‭ ‬على‭ ‬قوانين‭ ‬الشعر،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬طوفان‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬يكتسح‭ ‬الأماسي‭ ‬والمنتديات‭ ‬الأدبية؛‭ ‬فوجَّهتْ‭ ‬الدعوة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٥‬‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬للمشاركة‭ ‬رسميَّاً‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬المِربد،‭ ‬وكنت‭ ‬أحدهم‭..‬

مشاركة