اليمين يجتاح أوربا.. وماذا بشأن العرب والمسلمين؟
عبد الحسين شعبان
ثلاث مشكلات كبرى يعاني منها الاتحاد الأوربي منذ سنوات، وخصوصاً عندما واجهته الأزمة المالية والاقتصادية العالمية العام 2008. المشكلات الثلاث مترابطة ومتداخلة، بعضها ذات طابع اقتصادي وبعضها الآخر ذات طابع سياسي، والثالثة لها اشتباك عميق بالهوّية، التي يُراد لها أن تتبلور.
الجانب الاقتصادي يدور حول ارتفاع معدّلات البطالة وفشل الحكومات الاوربية عن إيجاد الحلول المناسبة لها، وعلى الرغم من الوعود السياسية والحملات الانتخابية، لكن الأزمة المركّبة الاقتصادية – السياسية والاجتماعية لا تزال مستمرة ومتعاظمة، وهو ما انعكس على النتائج السلبية لانتخابات الاتحاد الاوربي، حيث أحرز اليمين نجاحات كبرى لم تكن متوقعة قبل أعوام خلت.
والأزمة الاقتصادية مترابطة مع أزمة البيروقراطية المتحكّمة بالاتحاد وبسياساته من جانب مجموعة من الموظفين البيروقراطيين ” المتمترسين” بمكاتبهم الوثيرة في بروكسل، خصوصاً وقد أصبح عدد الأعضاء 28 دولة، لكن هوّية الاتحاد لا تزال ضبابية وغير واضحة أو محدّدة المعالم. وباستثناء العلم الأزرق المرصّع بالنجوم الصفر التي تمثّل الدول الأعضاء واليورو الذي هو محط جدل كبير، وكذلك اتفاقية الشينغين، فإن الاتحاد استمر يعاني من مشكلة الهوّية الموحدة، إذا استثنينا المصالح المشتركة التي يراد لها أن تكون تعويضاً عن افتقاد الهوّية.
الأزمات دائماً تشكّل بيئة مناسبة لكل ما هو متطرف ومتعصّب، ولهذا ليس غريباً أن تنمو بعض الأحزاب اليمينية، سواءً في هولندا (حزب الحرية) أم الدانمارك (حزب الشعب) أم فرنسا (الجبهة الوطنية) أم بريطانيا (جماعات متطرفة) أم إيطاليا (الرابطة الشمالية) أم هنغاريا (حزب جوييك) أم اليونان (حركة الفجر الذهبي)، وذلك على خلفية شعارات عنصرية، تحمل كراهية للأجانب وخصوصاً للمسلمين منهم، حيث شهدت الحملات الانتخابية دعوات علنية وصريحة إلى طرد المهاجرين وخصوصاً المسلمين، علماً بأن جميع هذه الحركات والأحزاب تقوم على أفكار متطرّفة، وتتهم الإسلام بمعاداة الحضارة الأوربية، في نبرة أقرب إلى أطروحة صموئيل هنتنغتون ” صدام الحضارات” باعتبار الثقافة تشكل الجانب الأكثر احتداماً بين الحضارات القائمة، وخصوصاً بين الحضارة الغربية – الليبرالية وبين الحضارات “الما قبل تاريخية” حسب تعبير فرانسيس فوكومايا وأطروحته “نهاية التاريخ”.
وحتى الجماعات اليسارية ذات النفوذ في الأوساط الشعبية والشبابية تاريخياً وجدت صعوبة في الحصول على أصوات كبيرة لدى هذه الجهات التي اتجهت يميناً نحو الأحزاب المتطرفة، كما هي الجبهة الوطنية في فرنسا (حزب جان ماري لوبين وابنته مارين لوبين في الوقت الحاضر)، وباتت مثل هذه الأحزاب تطمح في الفوز مستقبلاً بعد أن كانت سياساتها تلقى تنديداً شعبياً. وقد تم رفض بعضها للدستور الأوربي (العام 2005) الذي تم وضعه بإشراف الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسيكار ديستان.
لقد أظهرت نتائج الانتخابات أن الأحزاب الأوربية الكبرى من اليمين واليسار والمؤيدة للاندماج الأوربي والتبادل الحر، تتطور على نحو يناقض جمهورها، الذي بات يشكّك بجدوى مثل هذه السياسات، مفضّلاً الانكفاء على الذات، ورافضاً أو متحفظاً على فكرة قيام الاتحاد، ناهيكم عن استمراره بصيغته المتعثرة والمأزومة.
لقد انقسمت العديد من المجتمعات الأوربية إلى عدد من التيارات المختلفة أحدها رفع شعار “أوربا الأوطان” أي العودة إلى الأوطان لحل المشكلات الخاصة بعد عجز أو تدهور الحلول الأوربية الاندماجية، كما اقترح فريق آخر فرض حد أدنى واحد للأجور في جميع دول الاتحاد الأوربي (أي بلا منافسة غير مشروعة). وذهبت أطراف أخرى إلى المطالبة بإعادة النظر باتفاقية شينغن بهدف إفساح المجال للدول لمراقبة حدودها والتصدي لجماعات المهاجرين غير الشرعيين، علماً بأن اتفاقية شينغن تسمح بالمرور الحر عبر حدود 19 دولة موقّعة عليها. وللعلم فإن الأحزاب المعادية للعرب والمسلمين استحوذت على 100 مقعد في الاتحاد الأوربي (من أصل 750) وبذلك ارتفعت نسبة المطالبين بتفكيك الاتحاد من داخله.
كانت نتائج الانتخابات الاوربية صدمة كبيرة، حتى أن بعضهم شبّهها وكأنها فاتحة أو مقدمة لصعود الفاشية في الثلاثينيات من القرن الماضي في ألمانيا، وحتى لو كان في هذا القول ثمة مبالغة كبيرة، لكن الأمر يعني إن هناك مخاوف جدّية لدى أوساط واسعة بدأت تتحسس من دور اليمين من جهة، فضلاً عن ذلك فإن موجة العداء للعرب والمسلمين والمهاجرين عموماً، أخذت ترتفع بسبب الضائقة الاقتصادية والأزمة المالية وتدهور السياسات عموماً، التي عصفت بدول جنوب أوربا، وبالإجراءات الصارمة التي اتخذها البنك المركزي الأوربي تحت ضغط شديد من جانب ألمانيا والمفوضية الأوربية وصندوق النقد الدولي، لتجاوز هذه البلدان مديونيتها المحلية، وتأثيرات التمويل المثير للشكوك بخصوص الإصلاحات المالية. كما أن اليورو بحدّ ذاته شكل عقدة للعديد من الحركات والأحزاب، خصوصاً وقد اعتُمِدَ في ظل غياب ميزانية لدول الاتحاد وغياب الشروط والسياسات المالية والضريبة الواضحة .
هل كانت أوربا أمام طموح فائض أو رغبة في التوسع لتجاوز ما هو وطني لما هو أوربي، فأوربا بقدر ما هي حضارة بحاجة إلى تواصل وتفاعل، لكنها تمثل قوميات ولغات وطوائف وسياسات مختلفة وقد يكون من الصعب في ظل الأزمة العاصفة، مواصلة هذا المشوار دون تعديل ومراجعة وتصحيح.
وكان احتياج الأحزاب اليمينية للبرلمان الأوربي في الانتخابات مصدر قلق حقيقي لأكثر من عشرة ملايين إنسان يعيشون كمواطنين في دول الاتحاد، حيث ترتفع نبرة الكراهية في ظل ما يسمى “الإسلامفوبيا” أو العداء للإسلام أو الرهاب منه، أو الزينوفوبيا أي العداء للأجانب بغض النظر عن انتماءاتهم.
وكانت قد اجتاحت أوربا موجة عدائية منذ أوائل القرن الجاري، مترافقة مع أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة، واضطرّ الكثير من الدول الغربية إلى إصدار العديد من القوانين واتخاذ بعض الإجراءات المقيّدة للحريات المدنية، وخصوصاً للمقيمين واللاجئين العرب والمسلمين، وحتى لمواطنيها من أصول عربية أو ينتمون لدول إسلامية في الأصل.
كما أن ارتفاع نسبة المهاجرين من الجنوب إلى الشمال ومن البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، ومن الدول النامية (العالم الثالث) إلى الدول الصناعية قد طرح مشكلة العنصرية والتيارات اليمينية على بساط البحث بالارتباط مع أزمة الطاقة والمشاكل الاقتصادية التي عانى منها الغرب بسبب سياساته إزاء دول المنطقة، ولاسيّما موقفه غير المتوازن على أقل تقدير، بخصوص حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ومن انتهاكات ” إسرائيل” وسياساتها العنصرية.
لقد لعبت الأحزاب اليمينية على وتر خطر الهجرة والمهاجرين، لاسيّما التمسّك بهوّية الشعوب البيضاء واليوم، فإن هذه الهوية لا تمثل قاسماً مشتركاً في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وتطور اقتصادي متفاوت وسياسات متناقضة، ولذلك فإن العديد من القوى والتيارات اليمينية تطالب بوضع قوانين صارمة على الهجرة من جهة ولاستيعاب المهاجرين ودمجهم في المجتمعات الأوربية دون الأخذ بنظر الاعتبار خصوصياتهم، من جهة أخرى.
أما بصدد المشكلة الاقتصادية فإن السياسة التقشفية التي اتبعتها الحكومات الأوربية، فقد جاءت على حساب الفقراء والكادحين، وساهمت في استشراء ظاهرة البطالة، وأدّت إلى تقليص الخدمات الصحية والتعليمية وتخفيض مساعدات الضمان الاجتماعي، تلك التي استثمرها اليمين ليشن حملة ضد الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، خصوصاً مواقفها من المهاجرين، وذلك في كل من السويد والدانيمارك والنرويج وفيلندا وهولندا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا ودول أوربا الشرقية أيضاً وغيرها.






















