فضاء الشيوعية وهواء الصندوق 3

فضاء الشيوعية وهواء الصندوق 3

ناظم كزار يلصق تهماً جنائية بالمعارضين قبل الشروع بإعتقالهم لأسباب سياسية

عبد الحسين شعبان

بيروت

أثار كتاب عامر عبدالله ” النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية” اهتماماً كبيراً وجدلاً واسعاً لدى أوساط مختلفة، احتفت بصدوره، بل أن بعضها كتب خواطر عن عامر عبدالله لمناسبة صدور الكتاب ومن وحيه، حتى قبل أن يصدر وذلك لمجرد الإعلان عنه، وخصوصاً بعد حوار الصحافي زيد الحلّي معي عند زيارتي الأخيرة إلى بغداد وعشيّة صدور الكتاب الذي كان قيد الطبع.

وفي الوقت الذي غادرت المؤتمر احتجاجاً على سياساته العملية، كانت ملاكات الحزب وجماعة الصندوق تتدافع للعمل في مؤسساته، وقد دعا أمين عام الحزب حميد البياتي (العام 1994) د.أحمد الجلبي إلى إطفاء شمعة الحزب الستين في إربيل في احتفالية خاصة بالمناسبة. وهي منشورة وموثقة.

ولم ينسحب الحزب من المؤتمر الاّ بعد ما يزيد عن سنة من انسحابي منه، وبمذكرة لا ترتقي إلى موقف الحزب ومكانته، وبعد انسحاب أطراف كثيرة منه أو إعلان تجميد نفسها أو استعدادها للانسحاب، أما التخرّصات حول أسفار مزعومة فلم يكن ذلك سوى خيال مريض هو مرجع لبعض من لا حجّة له ويريد النيل من الآخرين، وبالمناسبة فقد دأب الكثير من أعداء الشيوعية على ترويج الأكاذيب والإشاعات فهذا سمير عبد الكريم (الإسم المرادف لجهاز المخابرات العراقية) نشر في الكتاب الذي صدر في أواخر السبعينات والمؤلف من 5 أجزاء والموسوم “أضواء على الحركة الشيوعية”: إن فهد عشية إعدامه أبدى استعداده وتعهّده لمغادرة العراق وعدم العودة إليه مطلقاً إذا تم إطلاق سراحه.

وقال هاني الفكيكي القيادي البعثي والمسؤول في قصر النهاية في كتابه “أوكار الهزيمة”: إن سلام عادل أبدى استعداده لتأييد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 بعد إلقاء القبض عليه، وفتح الحوار إذا توقفت الملاحقات بحق الشيوعيين وأطلق سراح المعتقلين، وهو ما تردد بشكل آخر على لسان حازم جواد.

للأسف فإن بعض شيوعي الصندوق يردّدون لدوافع مختلفة، بعض ما يقوله أعداء الشيوعية بحيث يصبح كلامهم “مرجعاً”، ولعلّ أخطر المعضلات التي تعرضت لها الشيوعية كفكرة نبيلة وحركة سياسية واجتماعية ، ثم فيما بعد كنظام هي، على أيد أصحابها من ضيقي الأفق الذين حوّلوها إلى “شيوعيلوجيا”، أي فكرة نسقية مغلقة وأحكام جامدة وتعاليم سرمدية (شيوعية ضد الشيوعية) وتحت عناوين مختلفة أصبحت أقرب إلى التعاويذ والأدعية، وأي اختلاف سيلقى بك في النار، حيث تبقى الفرقة الناجية، هكذا فعل ستالين وبولوبوت وشاوسسكو وأنور خوجه ومنغستوهيلاميرام وغيره.

إن أعظم الإساءات للشيوعية جاءت من بعض الشيوعيين الذي صبّ بعضهم في طاحونة الأعداء حتى إن حملوا “المنجل والجاكوك” ولبسوا الأربطة الحمراء، وهتفوا بحياة الشهداء، لكنهم في الحقيقة ألحقوا ضرراً بسمعة الشيوعيين واتبعوا أساليب لا تختلف عن أساليب القوى المعادية للشيوعية، عند الاقتراب من الحكم أو في خارجه، وهناك القصص والروايات المثيرة ولاسيّما في فترات الاختراق السياسي، والتي تصل أحياناً لدرجة “الوشاية” المباشرة أو غير المباشرة سواء لأجهزة عراقية أم أجهزة بريطانية أم دولية.

إن مهمة الأجهزة المخابراتية سواءً كانت محلية أم على المستوى العالمي هي جمع المعلومات، حتى ولو كانت كاذبة أو غير صحيحة، طالما هناك من يرسلها لها أو ينقلها لها لأغراض تخادمية أو لأهداف تتعلق بالخصوم أو المنافسين، والمخابرات مثل المقبرة لن تعيد ميتاً أو جنازة، وكل ما يصلها تحتفظ به، حتى لو كانت تدرك أنه كاذب 100 بالمئة، لكنها تحتفظ به فقد ينفعها يوماً، ولن تكافئ أحداً على ” كرمه” و”تبرعه” بالإساءة لرفاقه، ولعلّ من كتب إساءات ليست بعيدة عن تقارير ” المخبر السرّي” والتطوّع المجاني لتشويه السمعة حتى إن كان بالمزاودة على الأجهزة المعادية، التي لن تغفر لنا مواقفنا وآرائنا.

لا أدري لِمَ يستبدل رفيق مهمته الرفاقية النبيلة والحوار المبدأي والأخلاقي، بمهمة مفوض أمن؟ باعتباره يحمل الملفّات وبيده وثائق الإدانة وشهادات حسن السلوك ويعرف الباطن والمخفي والمُضمر بل يحاول إرتداء نياشينه متبختراً بموقعه كإقطاعية سياسية حتى إن انقرض عهدها، لإظهار أهميته بل إنه يتحرّى ويخترق حتى ما في الضمائر، وهي المهمة التي لا تليق بأحد ولا يتمنّاها أحد، حتى من يقوم بها، تراه أحياناً في لحظة صفاء يلعن الدنيا ومن فيها، وقد عرفت محققون كانوا ” يبكون” وكأنهم هم الضحايا، وبعضهم ضحايا بالفعل للنظام السياسي والاجتماعي، ولوظيفة القمع التي أدمنوها أو أكرهوا عليها.

بعض مفوضي الأمن ممن أحيل على التقاعد، أصبح بلا أي إثارة، حتى إن تطوّع لتمشية معاملات بزعم أنه يعرف الروتين، ولكن تعنّ عليه بين الفينة والأخرى اختلاق قصة عسى أن يلفت النظر إليه، وهو وإن اضطرّ إلى عرض خدماته بحيث يجلس أمام مركز الشرطة يسأل الآتي والذاهب عن امكانية تسهيل معاملته، لكن لا أحد يثق به حتى من يكلفه أحياناً بالمهمات غير المرغوب بها، لأنه ليس مصدر ثقة.

كان ناظم كزار لا يصدر أمر اعتقال بحق المطلوبين أو الملاحقين بصفتهم، فهذا سارق بنك، وذاك مغتصب لفتاة وثالث تاجر مخدرات ورابع شاذ جنسياً وخامس مختلس، وسادس لأنه مزوّر لشهادة جنسية (لأنه من التبعية) وسابع مطلوب بتهمة خطيرة مثل العلاقة بالصهيونية، وكانت هذه التهم تسبق عملية الاعتقال، ولاسيّما عند مداهمة منزل المطلوب، وخصوصاً إذا لم يتم إلقاء القبض عليه فيسرّب الخبر بهدف تسميم الأجواء وإحداث الرعب المسبق.

وهكذا ترى بعض المعتقلين في قصر النهاية ينهارون قبل أن يصلوا إليه، ويعرف كزار أن تهمة الشيوعية أو الانتماء إلى تنظيم ناصري أو بعثي يساري أو غير ذلك من التنظيمات الكردية لا تعني شيئاً، لذلك يركّز على ما هو أبعد ويسلّط الضوء على ما هو أخطر، ويبدو أن حصيلة بعض أصحابنا من حياتهم الحزبية هي نماذج مقاربة لناظم كزار، فهم يكيلون التهم يمنة ويسرة، ولعلّ بعض من توجه إليه يضطر للسكوت أو المهادنة أو الرضوخ إلى حيث يريد جماعة الصندوق، وحصل هذا مع بعضهم بعد سنوات من التدجين. ونسى هؤلاء أن علم التحقيق كما درسناه فيه مدارس عديدة، منها المدرسة التي تلقي على المتهم ثلاثين تهمة أو حتى خمسين، وعليه الإجابة عنها، وقد يخطأ في واحدة أو أكثر وحينها سيتغيّر مسار القضية، لكن هذه الطريقة أصبحت معروفة، وهي قديمة مع وسائل الاتصال الحديثة ومنجزات الثورة العلمية- التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية “الديجيتل”.

كان عامر عبدالله يردّد دائماً: نحن محظوظون لأن السلطة ليست بيدنا، ولكنّا قد رأينا مجازر مثل مجزرة قاعة الخلد وربما أكثر، وقد دوّن بعض المجازر التي حصلت في البلدان الاشتراكية في كتابه الموسوم “مقوّضات النظام الاشتراكي”، الذي هو خلاصة تجربته وإن كان قد كتبها بمرارة، ولعلّ العطش إلى السلطة والصراع على المواقع هو سمة بارزة لشيوعيّ الصندوق الذين كان شغلهم الشاغل هو المكائد والدسائس، فهذا يطيح بذاك وذلك يتآمر على الآخر وهكذا، لدرجة جعلتهم يتصرّفون مع أي موقع مسؤول وكأنهم سلطة، وأحياناً دون روادع وباسم العمل السري الذي جلب لنا الكثير من الويلات والكوارث، حتى وإن كان مفروضاً علينا.

 فنحن وإن كنّا خارج السلطة، لكننا ارتكبنا الأهوال دون مساءلة أو محاسبة قانونية أو أخلاقية تذكر من تفتيش الغرف بعضه يرويه عامر عبدالله كيف تم تفتيش غرفته في المدرسة الحزبية في موسكو، وفتح الرسائل (رسائل الأنصار بشكل خاص) والتلصّص على الأسرار وملاحقة الطلبة وعدم تمديد الاقامات وحجب الحصول على جوازات السفر والعلاج والفيزا، بل والاتصال بسلطات البلدان المضيفة لسحب الغطاء السياسي، مع تلميحات بالمشبوهية والعلاقات المريبة، وبعضها يصل إلى القيام بالتعذيب وقتل شيوعيين، ولا يزال أمين ” أحمد الناصري”  أحد الضحايا الأحياء يطالب بالكشف عن جرائم التعذيب ومسؤولية اغتيال ” منتصر” وتعذيب ستار غانم ” سامي حركات” الذي اضطرّ للنزول للداخل بعد فترة من إطلاق سراحه، حيث تم اعتقاله وتصفيته بعد حين. ناهيكم عن عدم شعور بالمسؤولية في التعامل مع إرسال الرفيقات والرفاق إلى الداخل لتسجيل انتصارات وهمية، الأمر الذي يحتاج إلى كشف حساب وغير ذلك.

 وهناك عشرات ومئات الأمثلة المعروفة في المنافي البعيدة والبلدان القريبة وفي كردستان، وأحتفظ بالكثير منها. وقد كتب الاعلامي شريف الربيعي مادة في صحيفة الحياة بعنوان “المشبوه”، تحدث فيها عن مراراته والتعامل مع الرأي الآخر ودوّن القاص محمود البياتي جزء من تجربته على هذا الصعيد، وكيف تم تهديده بالطرد وكيل التهم له ومطالبته بكتابة تقرير عن الكتلة المنشقة ” المنبر”، وينوي إصدار رواية عن ذلك، وأملي أن تساعده أوضاعه الصحية على استكمالها، وأستطيع أن أعدّد عشرات الأمثلة لمثقفين عراقيين عانوا الأمرين من ممارسات جماعة الصندوق.

وأتذكّر أنني عندما عدت إلى الشام من كردستان وذلك بعد مجزرة بشتاشان صيف العام 1983، أول ما فاجأني هو اتهام ضد اثنين من المثقفين الشيوعيين العراقيين، فقيل لي عليك مقاطعتهما لأنهما مشبوهان ويعملان لصالح جهة أجنبية، قلت لمن؟ قيل للموساد الإسرائيلي؟ قلت ومنذ متى، قيل أنهما اعترفا ولدينا الفايل؟ وما عليك إلاّ أن ترتاح وسوف نطلعك على التفاصيل وستقرأها بالكامل.

 ضحكت بسخرية وردّدت مع نفسي “حدّث العاقل بما لا يليق فإن صدّق، فلا عقل له”: وأردفت من باب الإستيضاح والمشاكسة قولوا إنهم مع النظام العراقي، فالأمر ممكن وقد يكون اختراقاً على الرغم من رفضي لتهمتهما لمعرفتي بهما، وقولوا أنهما على اتصال بالسوريين، فهو أمر ممكن، لكن أن يكونا مع الموساد ومع إسرائيل، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، وقلت ماذا لو عرف السوريون، فماذا سيكون مصيرهما والتهمة كانت رائجة؟  ويبدو أنه أريد لها أن تصل إلى السوريين!! وقيل لي المهم عدم اللقاء بهما وعدم السلام عليهما أو الترحيب بهما، خصوصاً في الأماكن العامة وعند تجمّعات المثقفين، لأن ذلك قرار الحزب.. بالمقاطعة الاجتماعية لكي يشعرا بالعار والخزي. لم أكترث بتلك التحذيرات الساذجة واللئيمة، وعند خروجي من اللقاء أخذت تاكسي لأزور أحدهما وأستمع منه إلى القصة الكاملة، وهي ليست أكثر من نكاية وخروقات وتقوّلات، كنت أعرفها وهي سائدة في هذا الوسط الذي علينا التعامل معه بحذر وطول نفس ومرونة.

وبعد يومين إلتقيت الرفيق الثاني، دون أي اعتبار للإجراءات التي اتخذتها جماعة الصندوق، والتي شملت لاحقاً العشرات، بل تم تقنينها عبر ” نشرات داخلية” تتحدث عن أصحاب “الاكتاف الرخوة” الذين خارت عزائمهم، وتدعو إلى المقاطعة الاجتماعية! ولأنني كنت أعرف ذلك، فقد سبق لي أن دعوت عبد الرزاق الصافي “أبو مخلص” والرفيق عزيز محمد ” أبو سعود” في منزل أحد الرفيقين في جلسة اجتماعية كان تأثيرها كبيراً، ولكن الأمور اتخذت بُعداً آخر عندما استخدمت عصا التأديب والعقوبات والإجراءات التعسفية، ولكل رفيق عشرات الأمثلة على ذلك.

يروي سعدي يوسف الشاعر الكبير في روايته “مثلّث الدائرة” عن حملة عقوبات وملفّات وتحقيق واتهامات في اليمن ما أنزل الله بها من سلطان، وهو ينقل ذلك على لسان المسؤول الذي عالج تلك الأمور بعقلية أمنية حيث تم فصل العديد من الرفاق مع سيل من الاتهامات والشكوك والعداوات والمقاطعات الاجتماعية.

وحين زرت اليمن في أواسط الثمانينات كانت الحال يرثى لها، فالجو الأمني سائد والعلاقات متوترة، وقد طلبت 7 جوازات سفر من اليمنيين إلى رفاقنا الذين كانوا خارج “الكوتة” ومن المغضوب عليهم وسلمتها إلى علي شوكت عرمش وعدد آخر لا أتذكر إلى عدد من الرفاق في الشام.

لقد قدمّت نحو ثلاثة آلاف مذكرة للسوريين خلال عملي مسؤولاً عن العلاقات في الشام 1981-1982، ثم بعد ذلك في “المنبر” أواسط الثمانينات حتى نهاياتها وساعدت عشرات، بل المئات من الشيوعيين وأصدقائهم، وكنت أختلف مع الكثير من الرفاق في إدارة الحزب حول طلباتهم الشخصية، فذاك يريد هوّية عدم تعرّض باسم “مستعار” موجود في الجواز، وآخر يزعم أنه غير معروف وسرّي، لكنه يطلب التعريف به بشكل خاص من القيادة خوفاً من مداهمة رجال الأمن، وهذا يستدعى ويطلب مني الذهاب معه للمخابرات، ولقد عرفت الكثير من النماذج والمعلومات والأسرار التي لو دوّنتها لكانت صدمة حقيقية، لكنني كنت ولا أزال حريصاً عليها، حتى أن البيت الذي أريد استئجاره مقراً لقيادة الحزب، كنت قد استأجرته باسمي، وهو قرب السفارة السوفييتية، إضافة إلى منزل آخر كنّا نستخدمه بتعريف مني. وأعتقد أن السوريين خلال تعاملهم معي كانوا يدركون مدى حرصي على عدم خرق القانون وفي الوقت نفسه حرصي على وضع حدود ومسافة بين الحزب وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها، وكنت أسعى دائماً أن تمرّ غالبية القضايا من خلال قناة سياسية وهناك قصة رويتها جمعت عامر عبدالله وفؤاد بلاّط وكاتب السطور، حين اقترح علينا إقامة علاقة مباشرة مع علي دوبه، وكان جوابنا دون اتفاق ودون أن ينتظر أحدنا الآن: هو أننا نقيم علاقة سياسية ، وللقضية ذيول أخرى.

وخلال عملي رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، قمت بتقديم تسهيلات وكتابة رسائل لنحو 7 آلاف شخص، بينهم حوالي 6000 آلاف من العراقيين في بريطانيا وما يزيد على 1000 شخص في أوربا إضافة إلى نحو 1000 شخص من العرب، وخصوصاً من الفلسطينيين والبحرينيين والليبيين والسودانيين وغيرهم، بهدف الحصول على اللجوء السياسي واحتفظت بملفاتهم، بما فيها بعض مبالغاتهم، وكنت أنصحهم بما يقدّمون به أنفسهم، وهناك عشرات من القيادات العراقية الحالية، كان لي دور في حصولها على اللجوء السياسي، إضافة إلى قيادات شيوعية، بمن فيهم بعض الذين ارتكبوا بحق رفاقهم، لكن الحيدة كانت تقتضي عليّ مساعدة الجميع دون النظر إلى تفاصيل عملهم السياسي، التي لم تكن تعنيني ولا زلت.

ويخصّص سعدي يوسف عدّة صفحات من روايته لقضية النظرة التشكيكية والإجراءات القمعية الداخلية وأساليب الوشاية والإيقاع والدس وهي بكل الأحوال، تصرّفات لا تليق أن تكون بين شيوعيين، حتى إن اختلفوا أو خرق بعضهم الضبط الحزبي المزعوم  وهو ضبط مخترق من ” الفوق” ومن الغير، كما هو معروف وليس من جانب رفاق مثقفين كل ما عندهم لا يؤخر ولا يقدّم، وهم أقرب إلى ضمير الحزب الذي يتّسع للنقد والمراجعة والتنوير.

لقد احتوى كتابي عن عامر عبدالله على وثائق ساهم الراحل في كتابتها وقد نشرت مجتزأً ضافياً من تقرير الكونغرس الثاني لعام 1956 والموسوم ” خطتنا في سبيل التحرر الوطني والقومي…” ( المبحث الخاص بالسياسة التحررية العربية والمسألة القومية الكردية)، نظراً لأهميته وحيوية الاستنتاجات التي توصّل إليها، وهناك من يجادل بأن الرفيق سلام عادل هو من كتبه أو أشرف عليه، وهي مناكفة لم أجد لها مبرّراً، خصوصاً بإنكار مساهمة عامر عبدالله وهي معروفة، خصوصاً وهو كاتب ومؤلف ومترجم وما نشره بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وما ألقاه من محاضرات، ولاسيّما حول الوحدة العربية والاتحاد الفيدرالي وما نشره في صحيفة اتحاد الشعب (حتى وإن كان بإشراف سلام عادل) ما يؤكد ذلك، وللأمانة أقول أن عامر عبدالله أبلغني أنه هو الذي كتب التقرير بإشراف سلام عادل وموافقته، ولعلّ ذلك يمثل أسلوبه وتوجهه، وإن كان توجّهاً عاماً آنذاك، لاسيما في فترة ما قبل الثورة. والمهم فإن التقرير هو ملك الحزب سواء كتبه عامر عبدالله أو سلام عادل أو وضع الثاني خطوطه العريضة وكتبه وأنجزه عامر عبدالله. ولا أدري لماذا يستفز البعض من دوره ومساهمته؟!.

كما نشرت شهادته ضد محمد فاضل الجمالي في محكمة الشعب، لدلالتها الراهنة، فيما يتعلق بالموقف من المعاهدات المذلّة والمجحفة، بما فيها الإتفاقية العراقية – الأمريكية التي وافق عليها الحزب العام 2008.

ونشرت رسالة (مذكرة) احتجاج باسمه وعدد من قادة الحزب ويبدو أنها موجهة للسوفييت، كما أكد لي باقر ابراهيم لاحقاً، يشرح فيها تدهور أوضاع الحزب بعد الهجرة إلى الخارج العام 1978-1979 ويصف استغلال تلك الظروف من جانب بعض الرفاق القياديين لأغراض وصولية وذلك بالتحريض على وضع الحزب في طريق الانعزالية والمغامرة والتذبذب وإشاعة مظاهر البيروقراطية والفردية والتسلّط وأجواء التحريض والإساءة والتنكيل بكوادر الحزب وأعضائه.

وتقول مذكرة عامر عبدالله: لقد نجم عن هذا النهج المغامر تفاقم خسائر الحزب وتضحياته التي بلغت 500 شهيد يمثلون صفوة كوادر الحزب وعناصره الواعية… بالإضافة إلى بضعة ألوف طردوا من الحزب أو تُركوا تحت تأثير أسباب مختلفة… ونظراً لتفاقم الخسائر… فقد جرى التستر عليها واخفاؤها عن أعضاء الحزب وكوادره، حيث بلغ عدد الشهداء بين اجتماعي اللجنة المركزية من تموز 1984 حتى تشرين الأول 1985 (100 رفيق) وكان من بين هذا الرقم، الأحداث المفجعة بإعدام نحو 50 رفيقاً من مفارز الأنصار داخل مدينة إربيل في يوم واحد، وفق تواطؤ غادر مع دوائر الأمن العراقية.

{ باحث ومفكر عربي