ملاك طائر لحسين حبش
صمتنا لم يعد ممكناً والأطفال هم نحن أيضاً
فيصل عبد الحسن
القصائد التي كتبها حسين حبش في ديوانه الجديد ” ملاك طائر” جعلتنا نحلق عالياً في أفكارنا لنلحق بخيال الأطفال، ونحاول التعرف على فطرتهم، وعذاباتهم مع الحروب، فقد شاء لهذه الطفولة المهيضة في وطننا العربي أن تقع فريسة لحماقات الكبار وحروبهم المجنونة وأطماعهم.
القاموس الشعري للشاعر في الديوان نبئنا عن الكثير من الأفكار والمضامين، التي بنى من خلالها الشاعر عالم طفولته، ومن يتناول قصائد الديوان عليه أن يحسم أمره قبل الولوج إلى هذا العالم بأن يعود إلى فطرته، التي فطرها الله تعالى عليها لكي يفهم السونيتات التي عزفها الشاعر، واستدر بها دموعنا وحسم أمر عواطفنا، وقلوبنا للوقوف مع أطفاله المعذبين، والذين ينتظرون من الكبار أن يمدوا إليهم الأكف الرحيمة لينالوا محبتهم وشكرهم.
أن يعود المرء إلى ما فطره الله تعالى عليه من حب الوقوف مع الحق، حتى لو كان صاحب الحق لا يمت له بقرابة أو معرفة، وحتى لو كلفه الوقوف مع صاحب الحق ما كلفه من المتاعب والخسائر.
ثمن الدم
عالم الطفولة الذي شيده حسين حبش في ديوانه الجديد، ذيله بإهداء إلى أطفال سوريا واعتذار منهم، وهو في اعتذاره لأطفال وطنه يذكرنا بتقصير شعرائنا الباقين، الذين لم يعتذروا لأطفال العراق، ليبيا، اليمن، مصر، لبنان، فلسطين، وغيرها من الدول العربية التي أكتوت بنيران الحروب والفتن الطائفية والثورات.
يقول حبش في اعتذاره ” اعتذر لكل الأطفال الذين لم أستطع الكتابة عنهم. اعتذر لكل أولئك الذين استشهدوا وقتلوا وقضوا تحت الأنقاض. اعتذر لكل أولئك الذين أردتهم رصاصات القنَّاص بدم بارد. ” وتطول قائمة اعتذارات الشاعر، وتصير بقدر أبتكارات المجرمين لتعذيب أطفالنا وقتلهم.
ومهما تعددت ذرائع ومبررات الكبار، فإنها لا تجيز قتل الأطفال وتعذيبهم، أو تجويعهم وحرمانهم من التعليم، والفرح بطفولتهم في وطنهم. يقول الشاعر حبش في إحدى قصائد الديوان:
” من الرعب وهول المذبحة
انعقد لسان الطفل.
بيديه المرتجفتين
روى قصة نجاته العجيبة
كاملة. ” ص5
أي صباح هذا الذي يفاجأ فيه الأطفال برؤوس أحبابهم مجذوذة من أبدانها، بدعاوى التكفير والطائفية، وكره الآخر، بدعاوى التغيير والثورية ومكافحة الأستعمار، وبشعار الله أكبر يردده الأوباش فوق صدور الضحايا والمغدورين، برأ الله تعالى من أفعال هؤلاء الذين ما فتئوا يقتلون الناس ويقبضون ثمن الدم المراق من أعداء الأمة بدعاوى ما أنزل الله بها تعالى من سلطان.
الأشكالية النصية
يستخدم الشاعر في قصائده تشبيهات مبنية على صور واقعية، وأخرى استعارية، ويعتمد في البناء التصويري لمقابلات ضدية تبعث على الدهشة، فهو على سبيل المثال يستخدم في بعض القصائد جميع هذه الصور مجتمعة في قصيدة واحدة لجذب أنتباه القارىء، وحسم انحيازه لصالح الطفولة وما ينادي به الشاعر ويصوره:
” أليس البول
الذي يتبوله الأطفال من الرعب
قبل أن تطالهم الفؤوس
والسكاكين بهنيهة
أطهر من الدم الذي يجري
في عروق القاتل ؟ ” ص9
الصور الواقعية هنا ” البول، الأطفال، الفؤوس، السكاكين، الدم ” والصور الأستعارية ” البول أطهر، والدم الذي يجري في عروق القاتل ” والمقابلة الضدية بين ” الطفل المرعوب والقاتل الذي يحمل فأساً أو سكيناً جذلاً بأنتصاره مزهواً بقوته وتمكنه من ضحيته ” الأول مرعوب والآخر مطمئن من تمكنه من ضحيته”.
أن الأشكالية النصية التي تعالجها قصائد الديوان لا تقف عند مضمون القصيدة كمضمون إعلاني يقف مع الطفولة ضداً لكل أشكال القهر والعنت والتعدي على حقوق الطفولة، والسماح للأطفال بالعيش الكريم، وتوفير أسباب العيش الأمن، وعدم زجهم فيما يفتعله الكبار من حروب ودمار وفتن وعصبيات.
أنها لا تكتفي بهذا الإعلان عن الطفولة بل تنادي بما هو أبعد من ذلك، فالشاعر يطالب بالنظر إلى ما بعد من حماية الأطفال زمن الحروب والفتن الطائفية وينادي بإنشاء عالم آخر تسوده المحبة ويعم فيه السلام وتقبل الآخر بين الكبار، ليسعد الصغار بسلام أهلهم ومحبتهم، فالدين لله تعالى والوطن للجميع.
نجمة العراقية
يقول الشاعر عن كل ذلك في قصيدة له عنونها ” نجمة “:
” ربما كانت الطفلة ” شانتال عواد ” تحلم كثيراً / تحلم بأن تصبح روائية أو شاعرة كبيرة / أو نجمة سينمائية مشهورة/ يشار إليها بالبنان/ نعم / يليق بها أن تصبح نجمة سينمائية / عينان واسعتان، وجه ملائكي/ عنق طويلة / ابتسامة دافئة / شعر منسدل على الكتفين/ حس مرهف، ذكاء حاد/ بداهة مطلقة واسم رائع/ لكن واحسرتاه/ سيارة مفخخة / سيارة محملة / بكل أدوات الموت والقتل والدمار/ فجرت بيتها وأمها/ فجرت جسدها وحلمها الصغير/ لا كاميرا / لا تصوير/ ولا مشاهد دافئة تنهي الفيلم نهاية سعيدة/ لكن مهلا / مهلا / أنظروا السماء / أنظروا بأمعان / ألا ترون أنها قد أصبحت نجمة / حقيقية هناك في الأعالي ؟ / نجمة تتلألأ حبا وحنانا / وجمالا وضياء . ” ص16
ونجمة هذه أليست مثلها نجمات آخريات، نجمةعراقية، وليبية ومصرية ويمنية وفلسطينية وقائمة لدول أخرى طال أطفالها وكبارها العنف والإرهاب وهي قائمة طويلة بلا شك ؟
والغريب أن النص يشف فيصير نثرا مرسلا وتنبع غنائيته من تراكم الصور والإيقاع اللغوي، وشاعرية المضمون، الذي يقارن بين نجمة ضحية التفجير الأرهابي ونجمة السينمائية الموعودة ونجمة السماء المتلألئة، وقد أُتهم القرآن الكريم ــ وهو آجل شأناً من أي أتهام ــ من قبل كفار قريش بأنه شعر، بالرغم من أن بحور الشعر لم تعرف وقت نزوله، ولم يعرف العرب علم العروض إلا بعد القرن الثاني الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وأنسيابية النص تأتي من أنفعال حقيقي ومشاركة وجدانية من قبل الشاعر بما أصاب نجمة، نجمة الطفلة الشهيدة ونجمة الفكرة والمضمون الإنساني، الذي يحمله الشاعر في قصيدته كهم جماعي ومعاناة عامة تنتمي لكل من يملك ضميراً حياً.
الطفولة المظلومة
نقرأ قصائد أخرى تضعنا ازاء قاموس كبير من كلمات تصف الحزن والموت والظلم، فنقرأ قصائد عنونها الشاعر : ” الطفلة التي يُتمت”، ” اللهاية “، ” اصطياف”، “الطفل الذي فقد كل شيء”، ” دامعة العينين، و” تفقد ” وكلها نصوص تحكي قصة الطفولة المظلومة، العاجزة عن رد الاعتداء عليها. قصائد كثيرة في ديوان ” ملاك طائر ” حملت قاموساً لغوياً متشابهاً، لكنه قاموس ثري ومعبر، جسد ذاتاً جريحة أبت السكوت على ما يحيق بالطفولة في بلداننا المنكوبة من ظلم واجحاف، وحولت صرختها المدوية إلى نصوص في غاية العمق والرقة، مخاطبة الضمير الإنساني بضرورة الوقوف مع الطفولة المغدورة في كل مكان من العالم، لأن الأطفال هم نحن أيضاً، ولأن صمتنا لم يعد ممكنا أيضاً ازاء ما يحدث من جرائم قتل الأطفال والتمثيل بجثثهم بما لا يقبله أي ضمير متحضر. والشاعر حسين حبش شاعر كردي من سوريا يقيم في مدينة بون بألمانيا، وقد اصدر من قبل الدواوين الشعرية ” غرق في الورد” عام 2002 و” هاربون عبر نهر إفروس ” عام 2004 و” أعلى من الشهوة وألذ من خاصرة غزال ” عام 2007 و” ضلالات إلى سليم بركات ” عام 2009 وترجمت مختارات من قصائده الى الانجليزية والفرنسية والتركية والفارسية والروسية.
– صدر الديوان عن منشورات مومنت / لندن ــ بريطانيا / ط1 عام 2013






















