نظرة فاحصة في ثقوب الجدار القومي العربي
طارق النجار
كان للحرب العالمية الاولى اثر كبير في عرقلة النمو الطبيعي للاتجاه القومي العربي، وظهور مساومات وتحالفات اضرت كثيرا بالحركة القومية العربية وما تبع ذلك من تجزئة الوطن العربي، ونشوء كيانات اقليمية عربية بعد انتهاء الحرب لتواجه الحركة القومية باشتداد قوى الاستعمار وقبضته على الاقطار العربية، فاحدثت ردود فعل بنشوء حركة الثورة العربية، وتعاظمها واتساعها لتشمل اقطار عربية عديدة في مصر والعراق والسودان وسوريا ولبنان وفلسطين، وقد اثبتت هذه الثورات وحدة الكفاح العربي وترابطه، وما اثاره الوعي القومي من حماسة ومرارة قضت على ما كانت تتمتع به بريطانيا وفرنسا من سمعة معنوية في الشرق العربي. وتعرضت الحركة القومية لاقسى المظالم واكثرها تنكيلا بالكرامة الانسانية والمعنوية الى حد التصفية الجسدية لبعض رموزها من اطراف معادية لمنهجها وايديولوجيتها واهدافها اضافة الى ظهور قيادات معلولة بالوهن والمناكفات السياسية والدوالي الفكرية المرضية التي اسهمت في تفاقمها والاستعصاء على البرؤ منها.. وان ما يجري الان في العراق خير مثال على ما نشاهده من صبغة الدم السائدة في ارضه وتفكيك القيم الاجتماعية واستباحة حقوق الانسان واشاعة عقيدة التطهير العرقي والتمييز الطائفي بوشاح مذهبي.. هذه الامراض جاءت بفعل الامصال التي زرقها المحتل الامريكي في الجسد العراقي وما استولده من صور ماساوية لتعيق النمو والتطور الطبيعي للمجتمع العراقي ونفوق الفكر السياسي القومي لبعض حركاته وتنظيماته والركود الحضاري والانحطاط المجتمعي في ما جلبه الاحلال الامريكي البريطاني من ويلات وما خلفه من قتل وخراب وتهجير اسقط الدولة العراقية، وهدم بنائها المؤسساتي ونظمها بمعية نفر ضال من الساسة في استباحة ارض العراق وفق نظرية الفوضى الخلاقة التي تمثل احدى ركائز الستراتيجية الامريكية في تحقيق مصالحها المعلنة وغير المعلنة، والنفط في مقدمة تلك المصالح وذاك التراث الحضاري الرافديني الذي تلهث وراء لقمه والواحة التاريخية اسرائيل وسرقته عام 2003, وتعرض البلد لاشرس هجمة في تاريخه المعاصر، والاقدام على تصفية الرموز القومية والوطنية ذات الكفاءة العلمية والانسانية والسياسية. وبعد هذا الخراب الذي عم البلد عادت بعض الرموز القومية من غربتها القسرية، لتطرح فرضيتها في ضوء الواقع البالي الذي يعج بالقمامة الفكرية والازبال العقائدية المتكدسة على قارعة الطرق واتخذ البعض من كهنة الماضي العتيق نبراسا لقدسية الافكار رغم ما اصابها من يباب في العقل واحزان في النفس العربية وهناك من اتخذ من منابرها مؤذنا لصياغة افكار لا تلائم الواقع القومي المتمارض بظروف البلد مستمسكة بنظريات تسطيح الطروحات التي سبقتها بحكم قصد نظرتها للواقع الجديد، واضلت عن سواء السبيل في تصديها الفعلي للهمجية التي استهدفت النيل من كيان الامة العربية وهويتها القومية، والاكتفاء بالادانة والاستنكار لسياسات الولايات المتحدة الامريكية المزعومة لمنطقة الشرق الاوسط وستقوده بعد حين الى دويلات طائفية متناحرة تسودها حروب الطوائف بقيادة امراء وملوك تتناغم مع بعضها في تمزيق البلد، وتشتيت الدولة وبعثرتها بما يخدم مصالحها الذاتية والاتي اعظم من نشر خارطة طريق جديدة للشرق الاوسط في تفكيك دول عربية الى دويلات قابلة للتجزئة وفق نظرية تقسيم المقسم وتجزئة المجزء وهذه تشكل مجموعة ادانة للامبراطورية الامريكية القابلة للانحلال حسب نهاية التاريخ والنظريات العلمية والتاريخية والسياسية تقربان هذه الامبراطورية لا تملك تاريخياً او حضارة وبرزت لسطح الارض قبل مئتي سنة بفعل الهجرة اليها بعد اغتصاب اهلها من الهنود الحمر وهي في طريقها الى الزوال. وبما ارتكبته في حق الشعب العراقي ولاسيما ان الشعب العربي عامة من آثام واخطاء في تصفية احلام الشعوب العربية بما جاءت به ثوراتها الربيعية وفشلها في ما تمخضت من نتائج ماساوية اصابت دول الثورات الربيعية من قتل وتشريد وهجرة واصطراعات بين الشعب الواحد بفعل بما خلقته من مليشيات متشددة في دينها والغو فيه n بئس ما كانوا يعملون- (صدق) ولاجل نجاح الحركة القومية في العراق كما هو النجاح الحاصل في مصر العربية في توسيع القاعدة القومية والالتفاف حول قيادة فكرية واحدة، وجماهير تستنهض شعورها القومي في اعادة هيكلة تنظيمية لبناء الحركة القومية تعمل الى جنب الاحزاب الاخرى العاملة في العراق.. وبدأت بوادر الفكر الناصري العروبي المتجذر بشعب مصر تظهر للعيان ويتصدر واجهة المشهد المصري لياخذ دوره الطليعي، وليفرز جملة من التحديات لمقارعة الاستبداد السياسي والنظام الشمولي واسقاط حسابات النظم الدكتاتورية وتحقيق التقارب الشعبي مع بعض قيادات المشهد الشعبوي والسياسي لتظهر شخصيات هذا المشهد منها المشير عبد الفتاح السيسي الذي لم يخف تاثره بعبد الناصر والاستظلال بمظلته الفكرية والعقائدية وهناك بالجانب الاخر حمدين صباحي ومحاولاته التقارب الذهني لدى الشعب المصري في ان يسير على نهج الراحل عبد الناصر.
وبدأ الفكر ينمو ويتكاثر بعد الخفوت الذي اصابه في اواخر القرن المنصرم بفعل التآمر الرجعي والامبريالي وظهور محاولات جادة في بلورة الفكر الناصري والعودة به الى ما مضى بقيادة الجماهير المصرية والعربية والدخول في معركتها الحاسمة مع الرجعية العربية والامبريالية الاستعمارية. والتواصل والتلاقح الفكري في قيادات الضرورة الراهنة كمحطة استراحة لتؤثث ابعادا وانساقا كدلالات بمضامين فكرية متنورة تضيء دروب العمل الحركي في وحدة بنائها التقويمي والقومي وتضع الحجر الاساس لبناء الخطاب القومي الموحد لتكن عنونة لكتاب جديد يصلح لان يكون منهجا عليما وقيمة ستراتيجية وايديولوجية فاضحة لهوامشها الماضوية، والتحديث في فواصله وبحوثه بمقدمة تاطر بمزايا سياسية لا تلائم الواقع المرتهن بالطائفية والعرقية والمذهبية وهي تناور وسط الزحام المكتض بالمناورات السياسية الفجة وتيارات واحزاب دينية وعلمانية وشخصيات مستقلة بهوامش حزبية منضوية تحت عباءة احزاب طائفية وائتلافات وتكتلات وكانتونات فارقة في العمل السياسي وما اكدته الانتخابات الاخيرة خير دليل على خلوها من الرمز القومي ومن الظفر بمكانة وسط هذا الصخب السياسي الذي تضج به الساحة العراقية وخاب ظن الجمهور القومي بما يجري وهي ترى الحركات القومية تسبح بالاتجاه المعاكس مفضلة ان تغفو على ضفاف النهر السياسي والواقعي مبصرة لاحداث منتظرة الفرج الالهي في ما تعانيه من استعصاء واستقصاء من فرضية الوصول الى ما تصبو اليه وترضاه بعد هزمتها في عام 2003 والاختفاء وراء جدار التشتت والتشرذم والتبعثر والسقوط في بئر الخواء والوهن والشيخوية وما قبلها من سنوات تدثرت بالهروب والهجرة والغربة والاكتفاء في الجلوس مع بعضها في استراحات المقاهي تعاني المرض الشللي في مفاصل حياتها تعاود اسقاطات الماضي باحداث اضرت بها ضرراً لا يمكن اسعافه اولياً ومعالجته ، ولم تستطع في لملمة الشتات العربي في نكبته بعد ان فقدت تمويلها الجماهيري وفشلها في الرؤى في مواكبة التطورات والمتغيرات في الواقع العربي والعراقي لتقع فريسة ذنوبها وخطاياها التي لا يمكن الصمت تجاه احوالها، وبقيت مطاردة لاثامها، رهينة لاخطائها لا تلوي على شيء لتظفر به تجاه قواعدها. وان ما حصل كان نتيجة التباين في آراء قيادة الحركات المبثوثة هنا وهناك، والتشاحن السياسي والنزاع السلطوي ما جعلها مدركة المنية قبل اوانها محتضرة قبل شيخوختها وضرورة استحمامها من اصلاح التفرقة بمبازل ينمو على جناباتها اعشاش النمو العربي والخصوبة الفكرية والالتحام واجتثاث اشواك ما يشوب حقولها من رغبة تسلطية في القيادة والتحزب والتعصب ومعالجة نفوسها الضامرة، وعقولها الخاوية المصابة بالزهايمر الفكري، والتخندق السياسي والتحديق بعيون شاخصة نحو ثقوب جدارها القومي، ومحاولة رتقها بخلق قماشة شابة حركية تستطيع تشخيص الواقع ومعالجته بدواء يعضدها في ترميم هذه الرتوق بادراك ومعرفة سياسية والاصغاء لنداء الحاضر وضميره بتعاطي سياسة محدثة ومتغيرة عن الواقه الماضوي، وهناك محاولات بدافع الغيرة والعروبية والقومية تقدمت لرفع البيرق الناصري راسمة شقشقة الطيور والعصافير المهاجرة وعودتها الى اعشاشها ووكناتها وخلق ظهير مسوغ التطلع الى الامام في معالجة الهزال الذي تعرضت له الحركات القومية خلال غربتها لسنوات طويلة افقدها بعض من ذاكرتها وجعلها عرضة للضمور والارتجاج في المخيلة الفكرية لتبحث عن بلوكات سياسية بمضامين تتخذها مسجدا لاداء صلاة التنظير القومي مزدانة باطر الرغبة الاكيدة لمزاولة مهنتها وممارسة سياساتها العبثية وسلوكياتها بعد العودة الى الوطن وباسقاطات تنظيرية على الواقع الهزيل في مشاهدات شاخصة دراماتيكية للبعض لا تستطيع التوازن في ما تنشده القواعد في معاجلة اورامها المرضية وشللها الطفيلي وبغثيان وقيء سنوات التعب وبعضها يحاول بظروف حياتية صعبة المنال لملمة جراحاتها وما هو ممكن بما يحمله من وجع السنين التي اربت على اكتافه ثقل الماضي وآلامه وحمل الحاضر واكتافه واوزاره ونفوس مثلومة بالقهر والملل والكآبة والبؤس بعد ان حركتها محن الاحداث والقتال القسري والغربة، وهي ترى واقعها المثقوب يصعب رتقه في رغبة التمتنع بفراغها الممل بجلسة قرفصاء في المقاهي القديمة في القاهرة وبيروت ودمشق وغيرها من استراحات اوربية تمسد ذاكرتها المثقوبة بالخراب وخاصرتها الرخوة التي تعرضت لطعنة وما يرادوها من حلم وصور عبد الناصر وحلم الشعب العربي بالوحدة العربية ارضا وسماء وخطبه الحماسية الوثابة لتطمئن الجماهير العربية بحلمها الكبير. وفي اسقاط نظرية التجزئة التي جاء بها الاستعمار البريطاني والفرنسي- بسايكس بيكو- وحرق خارطتها والوقوف بوجه التامر الامبريالي الصهيوني في محاولتهما مسح الذاكرة العروبية من العقل العربي وثرائه الفكري وهزيمته في قلوب العرب وتعرضت الامة العربية لنكسة من عام 1967، وما اكتنفها من تامر رجعي وخيانة عربية جعلته عرضة لامراض في القلب والسكري والمفصلي وما تحمله من لآلام شعبه وما قدمه من جهد مضني في حلحلة المشكلة الاردنية الفلسطينية اسهمت في اصابته بازمة قلبية ليغادر دنيا العرب الى بارئه وبهذه المصيبة فقدت الامة العربية احد رجالها العظام ورمزها القومي والوطني، فاصابها التشتت والانكماش وهي تتعرض لاقسى المحن في التاريخ المعاصر، مما جعلها عرضة للتآمر والهجرة، فظهرت بعد سنوات قيادات مشتتة من غير قواعد، وقواعد جماهيرية بلا قيادة تبصر لما يجري حولها من احداث واغتيال الراي والحكمة والمتعقد بعيون كليلة، فكانت تجري ببطء دون معرفة بالمتغيرات الحاصلة في الواقع العربي، واصبحت اوراق مطوية من زمن الاتساخ الفكري، ومرت عشر سنوات ونيف من الضياع لم تر ما يلوح في الافق من متغير في واقعها القومي وبقيت رهينة بعجزها لتضيق بها هوامش العمل السياسي تحاول مداراة ما تقوم به الجدار القومي الايل للسقوط باساليب ومتطلبات تطابق الزمن الحالي والمقضوم بفعل التطورات التي تعرض لها الواقع القومي العربي ولابد لنا من البدء بطرح المشروع القومي والنهوض به كركيزة اولية واساسية للبناء القومي وباطياف متجذرة تتلائم ما تؤمن به وهناك محاولات البعض التطهير من الماضي وادارته من غير فتح ملفات سياسية وتاريخية والاقامة لصلاة المرحلة بمحاكاة ولاة القوميين العرب ليناوا بانفسهم من ردة الامس بمحاربة خوارجها الذين لا ينفكوا في علو الصوت يعلنون محاربة الشيطان ودنسه والعودة الى شأنهم الجاري في البراءة من تلحفوا بعباءة الامس وسياساته وفي ضوء النتائج والمتغيرات التي افرزتها الاحداث المؤلمة في مواجهة المعوقات ضرورة تشكل اطر نضالية تضاف الى ما سبق وتنوير العقل العربي وتجييش نفوس الجماهير التواقة للوحدة العربية وعواطفها الجياشة معا.. وهناك مقدمات عدة للانضواء تحت خيمة حركة من الحركات وبمسميات مختلفة رافضا هذه العروض ليس من باب انتقاص قيمتها الفكرية والروحية والحركية بقدر ما جبرتني السنوات بعدم جدية هذه الحركات الصغيرة وفالعيتها والمبثوثة هنا وهناك بتحقيق حلمنا الكبير وبثيمات لا تعطي التصورات بحدقات جاحظة في مراودتها ومراوحتها لمواقع الانطلاق وخواتمه ولا يعاني المطلق بعجزعطائها المثمر ولا نشك قيد أنملة في وطنيتها وصدقها وايمانها وظنها اليقيني في تحقيق ما تصبو اليه الجماهير من تطلعات عروبية ونشهد باليقين بأن قياداتها لا يمكن تخوينها حيث انها تمثل ظاهرة للعيان بقيمتها الاخلاقية والمبتدئة وتصديقه سلوكياتها وظلت البؤرة النظيفة من غير اتساخ وابتذال في الساحة السياسية التي لم يعكرها الفساد.. وظلت وفية لمعتقداتها من صفوة الرجال الذين عملوا تحت الشمس.






















