مكي البدري الحارس الذي لن يموت

الممثل الراحل يسرد رحلته

 

مكي البدري الحارس الذي لن يموت

 

 صباح المندلاوي

 

بغداد

 

في الثامن من ايار الفائت فجعت الاوساط الفنية برحيل الفنان الرائد المبدع مكي البدري في مغتربه – السويد – اثر نوبة قلبية آلمت به وقد دفن في مدينة يوتوبوري السويدية وحيث ترقد ايضا الفنانة الراحلة البمدعة والكبيرة زينب تمتد معرفتي بالفنان الراحل مكي البدري الى اواخر الستينيات من القرن يوم تأسست فرقة مسرح اليوم في آب 1969 وباشرت بالتدريب على مسرحية (الغريب) تأليف الكاتب القدير نور الدين فارس واخراج الفنان الراحل المبدع جعفر علي لتكون باكورة اعمالها، وبالفعل عرضت من على خشبة المسرح القومي في كرادة مريم مساء الخامس من كانون الثاني عام 1970 وتم تسجيلها بتلفزيون بغداد ومن قبل المخرج التلفزيوني المعروف عمانوئيل سالم. كنت يومها طالب في اكاديمية الفنون الجميلة وقد انتسبت الى هذه الفرقة التي ارادت ان تترك بصمة واضحة في الساحة الفنية والابداعية من خلال اعمالها الهادفة والبناءة المطرزة بالقيم الجمالية والرؤى الفنية المتميزة.

 

كانت الفرقة تضم كوكبة من الاسماء المهمة والمعروفة انذاك نذكر منهم الرائد جعفر علي، نور الدين فارس، منذر حلمي، قاسم حول، علي فوزي، علي رفيق، فاطمة الربيعي، بسام الوردي، عبد الوهاب الدايني، احمد فياش المفرجي، مكي البدري، فاروق اوهان، وداد سالم، اديب القليدجي، ناظم شاكر، فيصل المقدادي، ازهر جواد، عز الدين طابو وقد تطول القائمة، اعتذر لمن فاتني ذكر اسمه. وجود الفنان الراحل مكي البدري بين اعضاء الفرقة كان له نكهة خاصة، فهو الذي لم يمض وقت طويل على سطوع نجمه بعد ان لعب دور البطولة في فيلم (الحارس) اخراج الفنان خليل شوقي وسيناريو وحوار قاسم حول وتمثيل الفنانة المبدعة زينب.

 

وقد حاز هذا الفيلم على الجائزة الفضية في مهرجان قرطاج السينمائي وترك من الاصداء الايجابية والمهمة الكثير. وقصة الفيلم تدور حول رجل يعمل حارسا ليلا وفي النهار بائع نفط، وبحكم تجواله في المحلة التي يمارس عمله فيها تلفت نظره الارملة – ام عبد – ادت الدور الفنانة الكبيرة زينب وحيث تسكن احد بيوتات المحلة.

 

يصبح همه الشاغل الاقتراب من دار الارملة وارسال الشفرات التي تسهل من اقترابه اليها. يحاول مساعدتها وتقديم الخدمات لها عبر ايصال النفط الى باحة بيتها وربما التسلل الى قلبها. ينافسه في هذا الجانب فنان تشكيلي شاب استأجر غرفة فيها ويؤدي الدور الفنان قاسم حول ذات يوم يرسم لوحة تشكيلية لام عبد.

 

الحارس اثناء مروره بالمحلة ليلا واقترابه من دار الارملة ينفخ في صافرته ويكرر الامر لمرات عسى ان تشعر ام عبد بقدومه.. الصفير المتكرر يستفز الفنان التشكيلي الشاب فيزيح ستارة نافذته ويصرخ بالحارس موبخا اياه على هذا الصفير والضوضاء والضجيج عندها يقع نظر الحارس على تلك اللوحة التشكيلية التي تجسد صورة ام عبد، يلتهب غيظا وغضبا وفي قرارة نفسه يقرر سرقة اللوحة. يقتنص الفرصة لذلك ويفلح. يحمل اللوحة الى بيته الشعبي البسيط، والى غرفته، يخبئها في صندوق عتيق ويناجيها سرا. ذات يوم وعلى ما يبدو ينسى (البريمز) مشعولا ويخرج من داره. الامر الذي يتسبب في اشعال حريق في الدار.. الدخان يتصاعد. يهرع احد الجيران وربما احد معارفه بركوب البايسكل ويمثل الدور الفنان فيصل المقدادي للبحث عنه في اطار المدينة وابلاغه بأمر الحريق، فيأتي منكسرا حزينا مصعوقا، وسرعان ما يدخل غرفته ليخرج من الصندوق صورة ام عبد للحيلولة من دون ان تأتي النيران عليها وبما يدلل على حبه وهيامه بها وبما يكشف من سر خطير بأن الحارس الذي يحمي البيوت من اللصوص والسراق هو تحول في لحظة ما مشحونة بالحب والعاطفة الى سارق اللوحة، هذا فضلا عن ابواب التساؤلات المفتوحة من المشاهدين.

 

كنا ننظر اليه نحن الطلبة وباعتباره قد لعب دور البطولة في هذا الفيلم بمزيد من الاعجاب والتقدير والاعتزاز وهو حقا اتسم بعفوية وتلقائية متميزة وبدا متمكنا وقديرا في اداء دوره هذا.

 

واذ جمعتنا مسرحية (الغريب) والتمرينات اليومية واهداف الفرقة المباركة. نشأت علاقات وصداقات ما بين الممثلين من اجيال مختلفة، ولعلها فرصة طيبة في ان تكون صاغيا امام هذا الفنان المبدع او ذاك لتسمع منه جملة مفيدة او وجهة نظر لها ما يميزها وبما يعكس تجربته وخبرته في الحياة او ماله علاقة بمشواره الفني ذات مساء سمعت منه كيف حينما عرض فيلم الحارس في احدى دور السينما في شارع الرشيد، كاد الشارع يعج بالحضور ويصعب على ملاك الفيلم دخول الصالة لمشاهدة الفيلم. يحدثنا عن مشاركته في فيلم (بيوت ذلك الزقاق) اخراج قاسم حول وكذلك فيلم (العاشق) مرة اخرى سمعت من يروي كيف مثل في مسرحية (فوانيس) التي كتبها الفنان طه سالم والتي اخرجها الرائد الراحل ابراهيم جلال ولصالح اتحاد الفنانين العراقيين ومن على خشبة المسرح القومي وقد حققت المسرحية حضورا مؤثرا لما حملته من جديد ورؤى متميزة.

 

وقد اعيد عرضها في الكويت بناء على دعوة وجهها الفنان صقر الرشود رئيس فرقة مسرح الخليج لهذه الفرقة ومن جديد كان الحصاد مثمرا والحفاوة بالغة بطاقم العمل.

 

عام 1979 اغادر ارض الوطن والى الخارج ولا اعود الا بعد قرابة ربع قرن من الزمان.. ومن جديد تتكرر اللقاءات في دائرة السينما والمسرح، واذ اتولى رئاسة قسم الاعلام والعلاقات في دائرة السينما والمسرح عام 2005 اقترح تكريم الفنان مكي البدري ضمن احتفالية يوم المسرح العالمي. وبالفعل يتم تكريمه من وزير الثقافة السابق مفيد الجزائري والى جانب كوكبة من المبدعين والرواد. يظل يتردد علي في دائرة السينما والمسرح واذ يدور الحديث عن فيلم الحارس اسمع منه ان اخته ايضا مثلت في هذا الفيلم وان اولاد اخوانه شكلوا فريق كرة قدم ضمن الفيلم. وان صاحب المكوى هو خريج معهد الفنون الجميلة واسمه عبد الباقي.

 

يحدثني عن الصابئة الذين كانوا يستحمون بالماء الجاري ويشربون منه. اما الان فاوضاعهم قد تغيرت. ومما ذكره انهم لا يقبلون بالذبيحة المعلولة، وعند ذبحها هناك من يقول (سدخ دخ) اي (انا شاهد).

 

ومما اشار اليه ان الصابئة يستخدمون (المصخنة) (المشربة) لنقل المياه. قلت له: بهذه اللقطة ارجعتني الى ايام مندلي في الستينيات من القرن الماضي وبعد قطع المياه عنها راحت البلدية تجلب الماء المحلى من ناحية بلدروز وهي تبعد 49 كيلومترا عن مندلي.. وتباع (التنكة) الواحدة بأربعة فلوس.. ويتم ملء (المشربة) التي تحملها النساء على اكتافهن بخمسة فلوس الناس يتقاطرون رجالا ونساء على شراء الماء المحلي. وهمست في اذنه ممازحا: هل سمعت الاهزوجة التي تقول:

 

ما ظل بدار الكد..

 

غير التنكة والشربة

 

بعدها رويت له القصة التالية: حينما كنت صغيرا ربما في الصف الثالث الابتدائي، واثناء العهد الملكي، جاءنا الى البيت رجل قصير القامة يرتدي دشداشة بيضاء وعلى رأسه يعتمر الكوفية والعقال، كان ندافا ويرتدي النظارات. كان من اهل العمارة ومن الصابئة الاعزاء استعيني به لندف الافرشة، علمنا منه انه مبعد الى مدينتنا مندلي وعليه توقيع سجل باسماء المبدعين صباحا ومساءً. ومما ذكره انه اعتقل في سجون النظام الملكي.. وان جلاوزة النظام كانوا يصبون الماء الحار على راسه لانتزاع الاعترافات منه.

 

حديثه اثار تعاطفنا واياه.. وعزز من التصدي لانتهاكات حقوق الانسان منذ الصغر.

 

وتساءلت: ترى اما زال على قيد الحياة..؟

 

علق البدري: انا ايضا عملت في مدن حدودية منها بدرة وجصان.. وقدمت المسرحيات والطلبة ابدوا رغبة حميمية  للتعاون والمشاركة.

 

بعد تخرجي من الاعدادية عام 1947 عملت معلما وفي الخمسينيات من القرن الماضي دخلت معهد الفنون الجميلة وبعد تخرجي  منها ومن قسم التمثيل عام 1960-1961 اجد في فرقة مسرح الشعلة ما يلبي بعضا من طموحي.

 

نهار الاثنين المصادف 31/12/2007  نلتقي في كافتيريا دائرة السينما والمسرح وحدثني عن الفنان الرائد سعدون العبيدي كيف كان ياتي مع اخوانه الى العمارة وكيف كان يرتدي (الشورت) كان لطيفا ووسيماً وتمر الايام ونلتقي في معهد الفنون الجميلة كان شعلة متقدة يكتب ويخرج ويمثل.

 

حينما اصيب بوعكة صحية ودخل المستشفى زرته انا وفي بيته في الدورة زرته انا والفنانة سليمة خضير هو مثقف ودبلوماسي وشفاف.

 

فاخبرته بانني اعرفه منذ ان باشر الفنان الراحل ابراهيم جلال باخراجه لمسرحية (الطوفان) لعادل كاظم كنا نحن  طلابا في السنة المنتهية من اكاديمية الفنون الجميلة وتمت الاستعانة بنا لتمثيل اداور الكومبارس اي عامة الناس في المسرحية.

 

كان سعدون العبيدي يمثل دور الراعي  (سموكان) كان كاي كاهن ينفخ في نار الثورة والتغيير في مجتمعه وبالقاء رخيم وساحر . وقد نشرت مقالة نقدية عن المسرحية نشرت في مجلة الثقافة عام 1974.

 

ومما يسجل له وحينما كان مديرا عاما لدائرة السينما والمسرح  بعد سقوط النظام الصنم وحينما تم تكريمكم بمناسبة يوم المسرح العالمي عام 2005 ، كانت لدى الوزير السابق  مفيد الجزائري رغبة حميمة لادراج اسم الفنان سعدون العبيدي ضمن المكرمين لكن الاستاذ سعدون رفض ذلك واعتذر  بطريقة شفافة ومما قاله: ماذا سيقول الناس عني.. انا على راس الهرم ومن المكرمين.

 

كان ذلك نبلا وتواضعا يضاف لرصيده.

 

نهار الاثنين المصادف الرابع عشر من كانون الثاني عام 2008 وفي دائرة السينما والمسرح وبينما كنا نتحاور انا والفنان فتحي زين العابدين والفنان علي رضا في شؤون وشجون مسرحية . التحق بنا وبعد قليل الفنان الراحل مكي البدري. اعلمنا انه راجع الطبيب وثمة (ثغرة) في الصدر – القلب- وان الطبيب طلب منه مراجعته بعد عشرة ايام، وحتى ذلك الوقت عليه بالراحة والهدوء والابتعاد عن اي جهد مؤذ او عمل مرهق.

 

تمنيا له الشفاء مما يعانيه ورحنا نطمئنه بانها سحابة عابرة. واذا تحسن مزاجه قليلا راح يحدثنا عن مسرحية للاطفال وعنوانها- الفأس الذهبية- ربما ذكر اسم المؤلف ولم التقطه جيدا، وربما لم يذكره.

 

وملخص المسرحية كما رواها وباعجاب:

 

رجل غني لديه صبي يعمل عنده ، كل يوم يطلب من هذا الصبي ان يجلب له الحطب من الغابة، فياخذ الصبي فأسه وبعد وقت ليس بالقصير يجلب الحطب لكي يتدفأ به هذا الرجل العجوز.

 

ذات يوم وبينما يعبر هذا الصبي الجسر صوب الغابة تسقط منه الفاس في النهر، فيندب حظه ويبكي ويتالم وتظلم الدنيا في عينيه.

 

عندها تظهر له (جنية) من وسط النهر وتسأله: ماذا بك؟

 

يرد قائلا والدموع تنهمر من عينيه: سقطت فاسي في النهر انها مورد رزقي

 

تغطس الحورية او الجنية في النهر وتظهر مرة اخرى وتخرج له فأسا ذهبية وتسأله: هل هذا فأسك؟! يرد الصبي وبكل براةء: كلا

 

من جديد تنزل الى قاع النهر وتحمل فاسا فضية وتلوح له:

 

ها هذا هو؟!

 

يرد الصبي: كلا

 

تعود من جديد لتغوص في القاع ، تخرج له فأسا متواضعاً وتسأله : هل هذا هو فاسك؟!

 

يقول بفرح غامر: نعم .. انه الفاس الذي سقط مني فتسلمه اياه. ويشكرها من اعماق القلب.

 

حينما يصل الى رب العمل، يخبره بما حدث له وكيف ان الجنية عثرت على فاسه.

 

الرجل العجوز تستهويه الحكاية.. ويدفعه الطمع والفضول للحصول على  فأس ذهبية.. يدعي انه فأسه سقطت منه ويتظاهر بالبكاء حزنا على ما فقده.

 

تظهر له (الجنية) وتسأله عما حصل له؟!

 

يقول لها: لقد فقدت فأسي.

 

تغط في النهر وتخرج له فأسا متواضعا وتسأله ؟

 

فيقول لها: كلا.. ليس هو.. انه من ذهب.

 

تعود الى اعماق النهر وتظهر فأساً فضية وتلوح له.

 

فيقول لها: كلا.. انه ليس فضيا.. انه من ذهب تهبط (الجنية) الى القاع وتخرج له فاسا ذهبية فيبدي فرحه وسروره بالعثور على فاسه.

 

تناول الفاس الذهبي.. واذا به يمشي قليلا، حتى يسقط الرجل العجوز مع فاسه الذهبي في النهر.. فيغرق جراء طمعه وجشعه.

 

واذ نخرج سوية من دائرة السينما والمسرح ونستقل تكسيا هو يرغب بالذهاب الى بيته في شارع فلسطين وانا ارغب بالنزول في ساحة الاندلس.

 

سائق التكسي يستقبله بحفاوة ويقبله من راسه ويشيد به كثيرا.. يرد الفنان الراحل معلقا:

 

هذا حبكم اكبر رصيد لي.

 

ويتضح ان السائق من محبي عهد عبد الكريم قاسم ويحترم الفنانين والمبدعين التقدميين.

 

مساء الاثنين 21 من كانون الثاني عام 2008 نشاهد سوية مسرحية (تحت الصفر) تاليف ثابت الليثي واخراج عماد محمد وتمثيل الفنان  المبدع عبد الستار البصري ويحيى ابراهيم.

 

يبدي اعجابه بمهارة الممثلين المشاركين في هذا العمل.

 

ويتحرق شوقا الى اعمال كثيرة قدمت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وككانت علامات مميزة وبديعه في سماء المسرح العراقي.

 

نهار الجمعة السادس من تشرين الثاني عام 2009 التقيته في شارع المتنبي، يخبرني بانه رأى كتابي المعنون – الجواهري الليالي والكتب- معروض للبيع وبسعر سبعة الاف دينار عراقية .. الا ترى ان اسعار الكتب عالية هنا؟ واذا كنت احمل معي نسخة منها قلت له ممازحاً:

 

دعك مما يقولون .. هذه النسخة مجاناً ومشفوعة بالاهداء.

 

علق مازحا وباريحية معهودة:

 

هذه فقرة جيدة – ربما ساجلب فراشي  وانام هنا.. لكي احصل على مثل هذه الكتب.

 

ومما قاله: قبل ايام تذكرناك في اكاديمية الفنون الجميلة حينما القى قاسم حول محاضرة عن السينما وكنا نتمنى ان تحضر.

 

قلت له: لا علم لي بذلك.

 

صباح الاثنين المصادف 23/5/ 2001 ازور الصحفي المخضرم حميد المطبعي في داره في حي الاعلام وبعد تبادل التحيات والاشواق يطلب مني تزويده بصورة الشهيد الخالد سلام عادل وصورة اخرى للقيادي الراحل عامر عبد الله.

 

ويطلب مني في الوقت نفسه ان ارشح له اسماء جديدة لادخالها في موسوعته ، اقترح عليه كل من الفنانين الرائدين مكي البدري وعبد الوهاب الدايني.

 

قبيل سفره بايام يزورني الى نقابة الفنانين يوم كانت على مقربة من جسر السنك ويحمل باقة ورد لي ويلتقي في مكتبي بالفنان كاظم العطري وهو ممن تربطه به علاقة وثيقة وقديمة.. يدور بينهما حديث عن السينما العراقية.. وعن دور يوسف العاني  في مفاتحة د. فيصل السامر وزير الثقافة والارشاد في زمن عبد الكريم قاسم بتاسيس دائرة السينما وانتاج افلام عراقية فيوافق الوزير وتناط ادارتها الى الفنان يوسف العاني وتتخذ مقرا لها بالقرب من الجندي المجهول على شارع ابي نؤاس.

 

يتذكر الفنان البدري كيف زار العطري في بيته في العامرية.

 

يطلب مني ان اعد له كتابا ومن خلال النقابة لتقديم التسهيلات الممكنة له عند دخوله المستشفى في عمان. اعلم منه انه ايضا يعاني من مرض السكر واذ اسلمه  الكتاب المطلوب وعلى جناح السرعة يبدي امتنانه وشكره.

 

بعد فترة ليست بقصيرة التقي الفنان شهاب الوندي فيخبرني بان هناك رسالة موجهة من الفنان مكي البدري الذي يقيم الان في السويد ويرغب بالعودة الى العراق، غير مرتاح، ربما لانه قد تقدم بالسن وهذه البلدان تحتاج الى شباب  يتعلمون ويقدمون فيها شيئا.

 

البدري حينما يلتقي مع احبابه واصدقائه ومعارفه يشعر بالارتياح بينهم.. هناك من يلتقي من؟!

 

وعدني الوندي بانه يوم غد سياتي الى النقابة ويجلب معه الرسالة.

 

ومنذ ذلك اليوم وحتى هذه الساعة  لم استلم الرسالة. ومرة اخرى لا ادري من يخبرني.. ربما الفنانة فاطمة الربيعي – بان رسالة وصلتها .. وفيها يتبرع بمكتبته الشخصية الى نقابة الفنانين .. ولابد من الاتصال بمحل صياغة الرواد في المنصور للتنيسق مع احد ابناءه لاستلام المكتبة.

 

وفي اليوم الذي اتجه فيه الى صياغة الرواد اعرف من الاخوة العاملين في هذا المحل، بان ابن الفنان مكي البدري قد سافر يوم امس الى المانيا او بلد اوربي. ويظل السؤال: ماذا عن المكتبة وماذا حل بها؟ لا احد يدري.

 

قبل نصف عام استلم منه الرسالة الاتية:

 

عزيزي الدكتور صباح

 

تحية طيبة

 

كيف انت صحتك احوالك. امازالت الابتسامة تزين محياك اللماح؟ كثيرا ما اتذكرك واتذكر وجهك الضاحك الجميل المحيا وطيبتك التي تؤطرها ملامح وجهك التي تنضح بالترحيب.

 

اما زلت  متعبا من قضايا الفنانين وارهاصاتهم؟؟ بارك الله في مساعيك الخيرة تجاه اخوانك واخواتك الفنانين. كم اتمنى ان تقوم بسفرة للاطلاع على نشاطات الفنانين المسرحيين، فقد شاهدت مسرحيتين ومعرضاً لاخواننا العاملين في مجال الفن اتمنى ان اجد طريق لمشاركتهم العمل في المسرح رغم بعد المسافات ، فالمدن كبيرة الاستمتاع والجو بارد، على كل: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تمشي الرياح بما لا تشتهي السفن.

 

كم انا مشتاق للعراق ولجوه الحار والى (هورنات) السيارات التي يطلقها السائقون حتى دون مناسبة كم اود ان اسمع كلمة مرحبا او السلام عليكم شلونك؟!

 

ليتني لم اذهب الى السويد وبقيت في بلدي بلادي وان جارت علي عزيزة

 

قومي وان شحوا علي كرام

 

ختاما تحياتي للعاملين في النقابة فردا فردا ولكل من تذكرنا.

 

المخلص

 

مكي البدري

 

 

لقد مات هذا الفنان المبدع الرائد الطيب القلب، الذي يفيض بالحب والحنان لمن حوله، كمدا وحزنا في غربته.

 

ويبقى السؤال قائما وملحا: حتى متى نودع مبدعينا الواحد تلو الاخر في المنافي والمغتربات وربما داخل الوطن. وما من رعاية رسمية  تليق بابداعات هؤلاء الافذاذ؟