هل ينجح المكلّف في إنعاش الجسد ؟ – عبد العظيم محمد

دماء شابّة في عروق متصلّبة

هل ينجح المكلّف في إنعاش الجسد ؟ – عبد العظيم محمد

يمر العراق اليوم بمنعطف تأريخي حرج ، حيث تضع عملية تكليف علي الزيدي لرئاسة الوزراء البلاد امام اختيار صعب ، فبينما يرى البعض في خلفيته الاقتصادية بادرة امل لانتشال البلاد من ازمتها المعيشية ، يرى اخرون أن غيابه عن دهاليز السياسة واصطدامه بجدار (المحاصصة) قد يجعل من مهمته (مهمة مستحيلة) .. وبصراحة .. يواجه المكلف (انقساما شعبيا حادا) ، فالشارع العراقي الذي عانى من وعود الإصلاح المتكررة ، ينظر بعين الريبة الى اي شخصية تخرج من رحم التوافقات السياسية .. الرافضون : يرون في المكلف امتدادا لذات المنظومة التي انتجت المحاصصة ، ويخشون ان يكون (واجهة) لكتل ترفض التنازل عن امتيازاتها … المنتقدون : يركزون على افتقاره للخبرة السياسية والمناورة الحزبية ، معتبرين أن (نظافة اليد) وحدها لا تكفي لإدارة دولة تتقاذفها الأمواج الإقليمية والدولية .. ان ميزة الزيدي الأساسية هي فهمه العميق للاقتصاد ، وهو المطلب الأول لشعب يغرق في الفقر والبطالة رغم الثروات النفطية ، لكن وهنا يكمن التحدي … المطب الأول (الكابينة الوزارية) اذ ان الصراع المحموم الآن ليس على الكفاءة، بل على (النقاط) والاستحقاقات الحزبية ونقول اذا خضع الزيدي للمحاصصة سيفقد استقلاليته ، وإذا تمرد قد تسحب الثقة منه قبل أن يبدأ .. والمطب الثاني (الدولة العميقة) : الإصلاح الاقتصادي يتطلب ضرب مصالح الفساد ، وهو ما سيضعه في مواجهة مباشرة مع الأحزاب التي تسيطر على مفاصل الدولة .. لنقف امام الضوء الأخضر الدولي وما لدعوة واشنطن من دلالات ورسائل : اذ يعد اتصال الرئيس الامريكي وتقديم دعوة رسمية لزيارة واشنطن بمثابة ( جرعة دعم ) دولية مبكرة ، هذه الدعوة تحمل رسالتين : دعم للاستقرار : وهي رغبة دولية في رؤية حكومة عراقية قادرة على إدارة ملف الطاقة والاقتصاد بعيدا عن التوترات العسكرية .. وهناك ايضا ورقة ضغط : قد يستخدم الزيدي هذا الدعم الدولي لتقوية موقفه أمام الكتل الداخلية ، لكنه في الوقت ذاته قد يثير حفيظة الأطراف الرافضة للتدخل الأمريكي ..

سؤال ملحّ

وهنا لابد من الإجابة عن السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح : هل ينجح الزيدي ؟ .. ونقول النجاح هنا لا يعتمد على مهارات المكلف الشخصية ، بقدر ما يعتمد على (التنازلات) التي قد تقدمها الكتل السياسية (وهي مستبعده تاريخيا) أو على (الضغط الشعبي) الذي قد يسنده إذا قدم (برنامجا اقتصاديا ملموسا) .. وبصراحة نقول ان افتقار المكلف للخبرة السياسية قد يكون (نقطة ضعف) تجعله فريسة للمناورات أو(نقطة قوة) تجعله يتحدث بلغة الحقائق والأرقام التي يحتاجها العراق بعيدا عن أيديولوجيات الأحزاب ، العراق اليوم لا يحتاج الى (سياسي محترف) بقدر حاجته الى (مدير أزمة) يمتلك الجرأة لفك ارتباط الدولة بمصالح الأحزاب الضيقة .. وهنا يقفز للذهن السؤال التالي : هل ان الدعم الدولي للزيدي سيكون كافيا لإقناع الكتل السياسية بترك الخيار له في اختيار وزرائه؟ والجواب بالنفي لأن الجميع يبحث عن حجم الكعكة التي يطمح الفوز بها كما هي العادة

والحقيقة نقول انه مشهد معقد وشائك ذلك الذي ينتظر اي ( مكلف شاب ) في العراق لعام 2026 فالتحدي ليس مجرد إدارة دولة ، بل هو محاولة لفك عقدة ( التشابك المصلحي ) بين قوى سياسية متجذرة (حيتان السياسة) وبين واقع اقتصادي يعيش على التنفس الاصطناعي للنفط .. وحتى تتضح الرؤية يجب الاستشراف لمستقبل هذا المسار في ظل المعطيات الراهنة :

اولا : في( الواجهة الشبابية ) وحرب الأجنحة غالبا ما تلجأ الكتل الكبرى ( الإطار التنسيقي وغيره ) لتكليف شخصية شابة وتكنوقراط ( مثل علي الزيدي مؤخرا ) لامتصاص غضب الشارع أو لإظهار مرونة أمام المجتمع الدولي ..  وان السيناريو المتوقع : قد يجد المكلف نفسه بين مطرقة ( الأملاءات الحزبية ) في اختيار كابينته الوزارية ، وسندان (المطالب الشعبية) بمحاربة الفساد اذا حاول المساس بمصالح (الحيتان) الكبرى ، قد يواجه عرقلة برلمانية تسقط حكومته أو تحولها الى حكومة تصريف أعمال منزوعة الصلاحيات .

ثانيا .. الأقتصاد اذا عرفنا ان ( برميل النفط ) هو الحاكم الفعلي .. اذ رغم محاولات الإصلاح ، تشير التوقعات لعام 2026 الى ان العراق سيبقى أسيرا لأسعار النفط التي تشكل نحو 89 بالمئة من ايراداته وهنا يبرز التحدي مع وجود نمو سكاني هائل ، اذ يحتاج المكلف الشاب الى خلق 250 الف الى 300 الف فرصة عمل سنويا في ظل قطاع خاص مكبل بالروتين والابتزاز الحزبي ، حيث ستستمر البطالة في كونها (القنبلة الموقوتة) التي قد تنفجر في اي لحظة .. وهنا لابد من الاشارة الى ان التحول الرقمي هو نقطة القوة الوحيدة قد تكمن في خلفية المكلف الشاب (اذا كانت تقنية أو مالية ) لتفعيل الأتمتة وتقليل الهدر المالي الناتج عن التداول النقدي ( الكاش ) مما قد يقلص فرص الفساد الصغير ، لكنه لن يطال ( الفساد الكلي ) ..

مواجهة الفساد

ثالثا ..ملف الفساد .. ماذا ممكن ان نقول هل سيتم مواجهة الفساد ام التعايش معه ؟ .. اذا ادركنا ان ملفات الفساد الضخمة ليست مجرد سرقات أفراد ، بل هي (نظام تمويل) للاحزاب وان المسار المتوقع قد يلجأ المكلف الى تضحيات صغيرة (محاكمة مسؤولين من الدرجة الثانية) لإعطاء انطباع بالإصلاح ، لكن فتح ملفات العقود الكبرى أو (تنسيقيات الاحزاب) والمنافذ الحدودية سيعني الدخول في مواجهة مباشرة قد لا يمتلك الشاب (الأدوات الخشنة  (السلاح أو القاعدة الشعبية)..

رابعا … وأمام كل ذلك نجد ان الشعب بين (الأمل الحذر) واليأس (المزمن) لأن الجيل الشاب في العراق ( الذي يشكل غالبية السكان ) لم يعد يكتفي بالوعود لان المستقبل القريب يشير اذا نجح المكلف في تحسين الخدمات الأساسية (الكهرباء، الرعاية الصحية ، التربية ، العشوائيات) في عامه الأول قد يحصل على (هدنة) من الشارع ، اما اذا استمر الجوع والبطالة ، فإن تكليفه سيعتبر مجرد (تجميل) لوجه النظام القديم ، مما قد يعيد زخم الأحتجاجات الشعبية (على غرار تشرين) ولكن بنسخة أكثر تنظيما وغضبا .. واخيرا نقول ان مستقبل العراق مع رئيس وزراء شاب يعتمد على قدرته في بناء ( تحالف مع الشارع) ليكون ظهيرا له امام ضغوط الأحزاب ، دون هذا الظهير سيبقى المكلف مجرد موظف بدرجة (رئيس وزراء) لدى قوى السلطة التقليدية.

ويبقى السؤال ( مفتوحا ) هل ان الخبرة الأكاديمية والشبابية كافية لإدارة دولة كالعراق ، ام ان ( الذكاء السياسي ) والقدرة على المناورة هي الأهم في هذا التوقيت ؟؟؟