
خصخصة الكهرباء – عبد الستار الراشدي
منذ اللحظة التي طُرحت فيها فكرة تحويل قطاع توزيع الكهرباء إلى شركات أهلية تحت عنوان «الخصخصة»، روّجت الجهات المسؤولة لهذا التحول بوصفه خطوة إصلاحية ستنهي معاناة المواطنين، وتقلل الهدر، وتوفر طاقة مستقرة، وتخفف العبء عن الدولة. لكن ما حدث على أرض الواقع كان أبعد ما يكون عن تلك الوعود، بل تحوّل إلى عبء إضافي على المواطن البسيط، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود، الذين وجدوا أنفسهم أمام فواتير مضاعفة وخدمة متراجعة، في وقت بقي فيه المسؤول بعيداً عن سماع شكواهم.
لقد كان المواطن العراقي يأمل أن تؤدي الخصخصة إلى تحسين ساعات التجهيز، وتقليل الانقطاعات، ورفع كفاءة الشبكة، لكن ما حصل هو العكس تماماً. فمع دخول الشركات الأهلية على خط الجباية، ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ، بينما بقيت ساعات التجهيز على حالها أو تراجعت في بعض المناطق. وهكذا وجد المواطن نفسه يدفع أكثر ليحصل على أقل، في معادلة غير عادلة تُشعره بأن القرار لم يُتخذ لصالحه، بل على حسابه.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ الخصخصة بحد ذاته، فالكثير من الدول اعتمدته بنجاح، بل في طريقة تطبيقه في العراق. فغياب الرقابة الحكومية الفاعلة، وعدم وجود معايير واضحة تلزم الشركات بتحسين الخدمة مقابل ما تتقاضاه من أموال، جعل من الخصخصة باباً جديداً للجباية لا للإصلاح. كما أن غياب الشفافية في العقود، وعدم إشراك المواطن في فهم آلية التسعير، خلق فجوة كبيرة بين الناس والجهات المسؤولة.
من جهة أخرى، يشعر المواطن بأن صوته لا يصل، وأن شكواه لا تُسمع، وأن المسؤولين يكتفون بالتصريحات دون اتخاذ خطوات عملية. هذا الصمت الرسمي أمام معاناة الناس يزيد من الاحتقان، ويجعل المواطن يفقد ثقته بجدوى الإصلاحات المعلنة. فكيف يمكن إقناع الناس بجدوى الخصخصة بينما هم يعيشون أسوأ نتائجها؟
إن الحل لا يأتي بإلغاء الخصخصة أو الإبقاء عليها كما هي، بل بإعادة النظر في فلسفتها وآلياتها. فالدولة مطالبة بوضع ضوابط صارمة تلزم الشركات بتحسين الخدمة قبل رفع الأسعار، وبإيجاد نظام تسعير عادل يراعي الفئات الفقيرة، وبإطلاق حملات توعية تشرح للمواطنين حقوقهم وواجباتهم. كما يجب إنشاء لجان رقابية مستقلة تستقبل شكاوى المواطنين وتتابعها بجدية، وتفرض عقوبات على الشركات المقصرة.
إضافة إلى ذلك، لا بد من الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية للكهرباء، فالمشكلة ليست في الجباية فقط، بل في الإنتاج والنقل والتوزيع. ولا يمكن لأي نظام جباية، حكومي أو أهلي، أن ينجح ما لم تُعالج جذور الأزمة.
إن المواطن العراقي يستحق خدمة كهرباء مستقرة وعادلة، لا أن يبقى رهينة انقطاعات لا تنتهي وفواتير لا ترحم. ويبقى السؤال: هل نشهد إرادة سياسية حقيقية لإصلاح هذا الملف، أم سيظل المواطن يدفع ثمن أخطاء لا يد له فيها؟






















