

طه جزّاع وجماليات البيت الأول
زخيخة.. حين يسكننا المكان – ياس خضير البياتي
لا ينظر الفكر الحديث إلى ‹المكان› بوصفه مجرد وعاء مادي أو حيز جغرافي صامت، بل هو مختبر تتداخل فيه شتى العلوم الإنسانية؛ ففي الفلسفة، يُعد المكان بنية وجودية ترتبط بكيفية إدراك الإنسان للعالم، حيث يتحول من ‹فضاء عام› إلى ‹مكان خاص› بفضل التجربة الشعورية والخيال. أما في علم الاجتماع، فإن المكان هو ‹منتج اجتماعي› بامتياز كما يرى هنري لوفيفر، فهو ليس مساحة هندسية بل هو شبكة من العلاقات والقيم والسلطة التي يشكلها البشر من خلال تفاعلاتهم اليومية.
المكان الاول
وفي علم النفس، يبرز مفهوم ‹الهوية المكانية› التي تدرس الرابطة العاطفية بين الفرد وبيئته، وكيف يسهم ‹المكان الأول› في تشكيل البناء النفسي للشخصية. وصولاً إلى الأنثروبولوجيا التي تقرأ المكان بوصفه نصاً ثقافياً مشحوناً بالرموز والطقوس. هذا التقاطع المعرفي هو ما يجعل من دراسة الأمكنة—كما في تجربة زخيخة—رحلة لاستكشاف الروح البشرية في تجلياتها المكانية، حيث يلتقي التراب بالذاكرة، والجغرافيا بالمعنى.»
تُقدم لنا صفحات كتاب «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» للكاتب طه جزاع تجربة معرفية ووجدانية فريدة، يتقاطع فيها الفلسفي بالذاتي، والجغرافي بالخيالي. الكتاب ليس مجرد توثيق لقرية عراقية في أعالي الفرات، بل هو مختبر تطبيقي لجماليات الفيلسوف الفرنسي «غاستون باشلار»، حيث يسعى المؤلف لاستعادة «المكان الأول» بوصفه بنية خيالية تشكل وعي الإنسان.
فلسفة المكان: من الحيز المادي إلى الفضاء الخيالي
ينطلق طه جزاع من رؤية «باشلارية» ترى أن البيت أو المكان الذي نسكنه في الطفولة لا يغادرنا أبداً، بل نتحول نحن إلى مسكن له داخل ذاكرتنا.زخيخة كذات ثانية: لا يتعامل الكاتب مع قرية «زخيخة» (التابعة لناحية البغدادي في هيت) كموضوع أنثروبولوجي أو تاريخي جاف، بل بوصفها «ذاتاً ثانية» وصورة أولى ترافق كل الأمكنة اللاحقة.
ثنائية الألفة والخوف: يحلل الكاتب كيفية تشكل الحس المكاني من خلال التمييز بين المكان المألوف (البيت، المدرسة) والمكان المخيف أو الغامض (الغدير، عواء الذئاب ليلاً).
البنيات المكانية الكبرى في النص
يتوزع الكتاب على محطات مكانية ورمزية تشكل أعمدة الذاكرة:مضيف الجد (مزبان الشوكة): يمثل «هيبة المكان» وسلطته الرمزية؛ فهو بناء متماسك يعبر عن الوقار والضيافة كواجب نابع من الثقة بالذات.المدرسة (النظامية): لا يراها الكاتب كمؤسسة تعليمية فحسب، بل كـ «مكان مؤسس» حوّل المعرفة إلى تجربة دهشة واختبار للعالم الواسع.
النهر (الفرات): يمثل عنصر «الصيرورة» والتغير المستمر، مستحضراً مقولة هيرقليطس «إنك لا تنزل النهر مرتين». النهر في زخيخة هو ذاكرة أخرى، جار مهيب يعلم الإنسان معنى المسافة بين الرغبة والخطر.المقبرة (البطين): في تحليل جمالي لافت، يصف الكاتب المقبرة بأنها «نمو عضوي للذاكرة». هي مكان يرتفع ليرى الحياة، حيث القبور تطل على الحقول والنهر، مما يمنح الموت طابعاً بسيطاً ومنسجماً مع المشهد الطبيعي.
المنهج الجمالي: باشلار وموران
اعتمد الكاتب على مرجعين أساسيين لتحليل تجربته:غاستون باشلار: في كتابه «جماليات المكان»، الذي وفر الإطار لفهم رموز البيت والزاوية بوصفها صوراً حميمية. وإدغار موران: في كتابه «في الجماليات»، حيث استلهم الكاتب فكرة أن الانفعال الجمالي يولد من المناظر الطبيعية وتحليق الطيور وألوان الفراشات.
تكمن أهمية الكتاب في كونه «دعوة مفتوحة» للأدباء للعودة إلى أمكنتهم الأولى وكتابتها. يخلص الكاتب إلى أن المكان لا يمكن استعادته فيزيائياً بعد أن جرفته المياه أو اندثرت معالمه، بل يُستعاد عبر الكتابة التي تحوله إلى «مخزون صور» تؤثر في اللغة والتفكير.
عند مقارنة كتاب (زخيخة: الخيال وذاكرة المكان) بالمدونة النقدية العربية التي قاربت موضوع المكان، نجد تقاطعات معرفية لافتة؛ فإذا كان الناقد ياسين نصير قد برع في تتبع ‹سيميولوجيا المكان› في البيئة العراقية وتحولاته التاريخية، وإذا كان إدوارد سعيد قد اتخذ من المكان وسيلة لاستعادة الهوية المفقودة في ‹خارج المكان›، فإن د. طه جزاع يقدم في هذا المؤلف تجربة مغايرة تدمج بين ‹التنظير الباشلاري› وبين ‹المعايشة الوجدانية›. فبينما يميل أغلب الكتاب العرب إلى دراسة المكان بوصفه حيزاً جغرافياً أو سياسياً، يذهب جزاع نحو (أنسنة المكان) وجعله بنية خيالية محضة.
جماليات الادراك
إن ‹زخيخة› هنا لا تقف عند حدود التوثيق المكاني كما فعل عبد الرحمن منيف في تأريخه للمدن، بل تتحول إلى مختبر لجماليات الإدراك، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة—من وحفيف النخل وصمت النواعير—مفردات في لغة فلسفية تبحث عن إجابة لسؤال: كيف يسكننا المكان حتى بعد أن نغادره؟ وبهذا، ينجح الكتاب في جسر الهوة بين الفلسفة الغربية الصارمة وبين الذاكرة العراقية المثقلة بالحنين والرموز.»
منهج (الأنسنة) في استحضار المكان
يتجلى أسلوب الكاتب في هذا المؤلف بوصفه (سدنةً لغوية) تجمع بين صرامة الباحث الأكاديمي ورقّة الأديب الوجداني؛ فهو يطوع المصطلحات الفلسفية المعقدة لتصبح لغةً منسابةً تشبه تدفق الفرات الذي يصفه.
يعتمد الكاتب منهج (الأنسنة) في استحضار المكان، فلا يكتفي بوصف الجدران أو النخيل، بل يستنطقها بوصفها كائنات حية تحمل ذاكرةً ومشاعر. يتميز سرده بالتكثيف الصوري الذي يحول الذكرى إلى مشهد بصري نابض، مستخدماً لغةً تتسم بـ (الحميمية المعرفية)؛ فهو يراقب مكانه الأول بعين المحلل الذي يفكك جماليات (باشلار)، وبقلب الطفل الذي لا يزال يسكن تلك الزوايا، مما خلق نصاً عابراً للأجناس، يقع في منطقة وسطى مبدعة بين الفلسفة والسيرة الذاتية.»
الخلاصة:
رغم فرادة كتاب «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» في أنسنة المكان وتحويله إلى نص حي، إلا أن تطوير المشروع يمكن أن يضيف له أبعادًا أوسع. من أبرز المقترحات: توسيع المقاربة الأنثروبولوجية لتشمل شهادات جماعية، وإضافة بعد مقارن مع تجارب مشابهة في مدن وقرى عراقية أخرى، إضافة إلى الانفتاح على البعد البصري من خلال إدراج صور وخرائط توثيقية. بهذه الخطوات، يتحول الكتاب من تجربة فردية إلى مدونة أوسع عن الذاكرة العراقية، تجمع بين السيرة الذاتية والفلسفة والأنثروبولوجيا.
إن «زخيخة» ليست مجرد كتاب عن قرية عراقية، بل هي رحلة في فلسفة المكان، حيث يلتقي التراب بالذاكرة، والجغرافيا بالخيال، والطفولة بالحكمة. إنها شهادة على أن الأمكنة ليست صامتة، بل هي نصوص مفتوحة تنتظر من يقرأها، وأن الكتابة عنها ليست فعلًا للتذكر فقط، بل فعلًا لإعادة بناء الذات والوعي.
إن قيمة هذا العمل تكمن في قدرته على أنسنة المكان؛ فهو لا يراه مجرد حيز جغرافي أو إطار مادي، بل كائن حي يتنفس في وجدان الإنسان ويشكّل هويته. بهذا المعنى، يصبح المكان في تجربة جزاع مرآةً للذات، وفضاءً يعكس التوتر بين الألفة والخوف، بين الطمأنينة والرهبة، بين الحضور والغياب.
وهو بالتالي إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال «فلسفة المكان»، حيث نجح د. طه جزاع في تحويل الذكريات الشخصية إلى رؤية فلسفية شاملة، مؤكداً أن الأمكنة هي التي «تكتبنا» قبل أن نكتبها.






















