الروحانية.. نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة – رشاد صالحي

الروحانية.. نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة – رشاد صالحي

تُعدّ أوزبكستان أرضًا ضاربة في عمق التاريخ، ومهدًا للحضارات، ومنبعًا لا ينضب للفكر الإنساني والروحانية. فهي موطن كبار الأئمة والعلماء، أمثال الإمام البخاري، وأبي عيسى الترمذي، وأبي منصور الماتريدي. وعلى هذه الأرض، شُيِّدت عبر القرون دعائم راسخة للعلم والثقافة والتنوير، ولا يزال إشعاعها حتى اليوم ينير آفاق الحضارة الإنسانية.وفي هذا السياق، لا تمثل «أوزبكستان الجديدة»، التي يقود مسيرة نهضتها الرئيس شوكت ميرضيايف، مجرد مشروع إصلاح سياسي، بل هي جسر روحي متين يصل بين ماضٍ مجيد ومستقبل واعد. وقد حظيت التحولات البنّاءة التي تشهدها البلاد، ولا سيما في مجالي التنوير والنهضة الروحية، بإشادة واسعة من قبل الساسة العالميين وكبار العلماء والمثقفين.وجاءت الفعالية التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة مؤخرًا، لتؤكد هذا التوجه؛ حيث شهدت تقديم العمل الفكري للكاتب العراقي أحمد جاسم الزبيدي، الموسوم بـ»الروحانية – نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة: الإسلام فلسفة الإنسانية والمعرفة والتنوير «. ويقدم هذا الكتاب قراءة موضوعية وعميقة من منظور عربي خارجي للإصلاحات الجارية في أوزبكستان.إن أوزبكستان، وهي تستلهم إرث أسلافها العظام، تخطو بثقة نحو مرحلة تاريخية جديدة تُعرف بعصر «النهضة الثالثة»، وهو مسار ينبثق من استراتيجية تنموية واعية، تتخذ من الروحانية والتنوير ركيزتين أساسيتين.وفي هذا الإطار، يؤكد الرئيس شوكت ميرضيايف: «إن مزاج الشعب هو مرآة إصلاحاتنا وسياساتنا، ولا ينبغي أن يُترك أي إنسان وحيدًا أمام مشكلاته». وقد أصبح هذا المبدأ الإنساني جوهر فكرة أوزبكستان الجديدة، ومحور اهتمام المجتمع الدولي.وفي ظل عالم مضطرب تتسارع فيه تحديات العولمة، تبرز الحاجة الملحّة لحماية صورة الإسلام من التشويه، وتقديم جوهره الحقيقي كدين يقوم على المعرفة والتسامح. وفي هذا المجال، تقدم أوزبكستان نموذجًا يُحتذى به. فقد شكّل اعتماد قرار “التنوير والتسامح الديني”، الذي طرحه الرئيس ميرضيايف خلال الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017، واعتمد في عام 2018، محطة تاريخية بارزة، أكدت الدور الإيجابي للإصلاحات الأوزبكية في تعزيز قيم التسامح عالميًا.ولا تقتصر هذه الرؤية على الشعارات، بل تتجسد في مشاريع كبرى، مثل مركز الحضارة الإسلامية، والأكاديمية الإسلامية الدولية، ومركز الإمام البخاري الدولي للبحوث في سمرقند. فهذه المؤسسات ليست مجرد مبانٍ، بل تجسيد حيّ لاستراتيجية روحية عميقة، تهدف إلى إحياء التراث العلمي الإسلامي ونشر قيم الاعتدال والمعرفة.ويبرز الكتاب، من خلال عرض موثق، طبيعة التوازن الفريد الذي حققته أوزبكستان بين مبادئ الدولة المدنية والقيم الدينية، في نموذج يثير إعجاب المراقبين الدوليين. كما يؤكد المؤلف أن هذا البلد يقدم نفسه في القرن الحادي والعشرين كأمة حديثة، توفّق بانسجام بين التقدم المادي والإرث الروحي.

كرامة الانسان

وفي صلب هذه الرؤية، يضع الرئيس ميرضيايف مبدأ “كرامة الإنسان” في قلب جميع الإصلاحات، مؤكدًا أن الثروة الحقيقية لأي دولة تكمن في العلم والعقول. ومن هنا، جاء نداؤه المتكرر للشباب: “قدّروا العلم واسعوا إلى المعرفة”، وهو ما يعكس استراتيجية وطنية راسخة لا مجرد شعار سياسي.ومن اللافت أن النهضة العلمية الحديثة في أوزبكستان تستلهم إرث العلماء الكبار، وفي مقدمتهم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي وضع أسس علم الجبر في القرن التاسع. واليوم، تُعد الجبر ركيزة أساسية في مختلف العلوم والتقنيات الحديثة، من حسابات إطلاق الصواريخ إلى استكشاف الفضاء. إن كل معادلة تُستخدم في مسارات الأقمار الصناعية أو رحلات المريخ، إنما تمتد جذورها إلى ذلك الإرث العلمي العريق.وفي خطوة تعكس هذا الامتداد الحضاري، صدر قرار بإنشاء جامعة جديدة تحمل اسم الخوارزمي في أورغنج، إلى جانب مدرسة متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، في مسعى لإعداد أجيال جديدة من العلماء والمبتكرين.

وتشير المصادر التاريخية، مثل “كتاب الأنساب”، إلى أن أراضي أوزبكستان الحالية شهدت، بين القرنين الثامن والثاني عشر، نشاط أكثر من ثلاثة آلاف عالم وفقيه، ساهموا في إثراء المعرفة الإنسانية، خاصة في تفسير القرآن الكريم وفهم أسراره. وقد تركز نشاطهم في مدن مثل سمرقند وبخارى وطشقند وفرغانة وخوارزم وغيرها، حيث ازدهرت مدارس العلم والمعرفة.إن هذا الإرث العريق لا يزال يشكّل مصدر إلهام لا ينضب للأجيال الجديدة، ويعزز مكانة أوزبكستان اليوم ليس فقط كدولة صاعدة اقتصاديًا، بل كـ“مختبر روحي” يقدم نموذجًا عالميًا فريدًا.

وفي الختام، يمكن القول إن هذا الكتاب ليس مجرد عمل فكري، بل حوار صادق مع القارئ، ينتهي برسالة إنسانية عميقة: إن الروحانية هي الطريق إلى التقدم، وأن خير الناس هو من ينفع الناس — كما ورد في الحديث الشريف.