
الجميع أشباهُ عراةٍ يغمرونَ أجسادهم بالموج الهندي البارد.. ولكَ أنْ ترى مشهد نسوتنا اللائي وقفنَّ على رمل الساحل بالخجل العراقي؛ وهنَّ يرتدينَّ الحجاب الإسلامي والموج الأزرق يلامس أطراف أصابعهنَّ ليس إلاَّ، بينما باقي المصطافين رجالاً ونساءً؛ كهولاً وشباباً وأطفالاً تراهم بأجسادهم شبه العارية مغمورين بخضمِّ ذلك الموج المنعش؛ والشمس الأسترالية تطلقُ سهاماً من جمرٍ على الحاضرين جميعاً، فهذه هي شمس الكناغر التي لا ترحم حقاً، حينها رأيتُ النسوة العراقيات يتحسرنَّ بوجعٍ فاضحٍ على الشتاء الذي يهيمنُ على أصقاع البلاد هناك الآن. أستراليا بخلاف كل مدن الكون؛ عندما تكون في فصل الصيف، يكون العالم في شتاء؛ سمعتُ إحدى العراقيات التي جاءت بعباءتها السوداء تقول متذمرة؛ والله حتى أجهزة تبريد الهواء هنا لا تنفع.. ثم تحسرَّتْ قائلة ما أحلى النوم على السطوح هناك في أرض العراق، وأردفت متبرِّمة حتى بيوتهم هنا بلا سطوح.. وهل هناك أحلى من نسمات الله آخر الليل..؛ وهي ربما لا تعلم أنَّ العراقيين ما عادوا ينامون على السطوح. حين سمعتُ تذمُّرها؛ وضعتُ يدي على قلبي فلربما «أم الجهال» تقوم قيامتها الآن وتزعق بوجهي محتجةً؛ وهي تستعين بأغنية فيروز قائلة بصريح العبارة ردَّني إِلى بلادي.. وبماذا سأجيبها والبلاد منشغلة بإحصاء عدد الناخبين للحزب الفلاني والتيَّار العلَّاني، غير أني كاشفتُ نفسي بوضوح وبعيداً عن أفكار وأحلام تلك النسوة العراقيات اللائي لم يجرأنَّ الدخول إِلى موج المحيط الهندي؛ وفضلنَّ الوقوف على ساحله احتراماً لناموسهنَّ العراقي الأصيل.. أجل قلتُ مع نفسي.. صحيح أنَّ شمس البلاد ساخنة في تموز وآب؛ غير أنها تهدينا نسمات عليلة مع بداية غروب الشمس، كما أنَّ شمس وطني تراها مرتفعة جداً في سماء بلاد الرافدين؛ بينما شمس المهجر الأسترالي واطئة كما لو أنها فوَّهة تنوُّر مشتعلة فوق رأسك.. ولذا كان شاعرنا السيِّاب على حق حين قال الشمس أجمل في بلادي من سواها.. ومن حق نسوتنا هنا وبالرغم من وجود هذا الفردوس الأسترالي، أنْ يتذمرنَّ وهنَّ يقفنَّ على ساحل المحيط الهندي؛ وشمس المهجر تلفح وجوهنَّ والعرق يتصبَّبُ من خدودهنَّ الفراتية والسومرية؛ وموج المحيط الهندي لا يلامس إلا أصابعهنَّ من فرطِ خجلهنَّ. ولكَ أنْ تسمع إحداهنَّ بعد أنْ ضاق صدرها ونفد صبرها تقول بحسرة؛ ربما كانت زوجتي؛ أو هكذا توهَّمتُ:
- والله أنَّ السباحة في ساقية القرية هناك في البصرة تحت ظلال النخيل، لأجمل بكثير من السباحة في هذا المحيط الهندي.
ثم نادتْ على صويحباتها من النسوة العراقيات تحثهنَّ:
- لنرجع إِلى أهلنا؛ فهذه البلاد لا تشبهنا.
بعد العودة إِلى البيت؛ فوجئت بزوجتي ترزمُ حقيبة السفر وقد قرَّرتْ العودة إِلى أهلها في البصرة. إلاَّ أنَّ الذي أعاقها هو ثمن تذكرة السفر الباهظة؛ ولذا كانت في حيرة من أمرها وعيونها على أسوارها الذهبية التي ربما ستبيعها أخيراً وتذهب إِلى العراق؛ وتزور مراقده المقدَّسة على عناد شمس المهجر الأسترالي القاسية؛ وعلى عنادي طبعاً لأني تغزَّلتُ بامرأة شقراء ثملة كانت ترقص على رمال ساحل المحيط الهندي.
يتبع…
























