تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬18‭)‬-حسن النواب

الجميع‭ ‬أشباهُ‭ ‬عراةٍ‭ ‬يغمرونَ‭ ‬أجسادهم‭ ‬بالموج‭ ‬الهندي‭ ‬البارد‭.. ‬ولكَ‭ ‬أنْ‭ ‬ترى‭ ‬مشهد‭ ‬نسوتنا‭ ‬اللائي‭ ‬وقفنَّ‭ ‬على‭ ‬رمل‭ ‬الساحل‭ ‬بالخجل‭ ‬العراقي؛‭ ‬وهنَّ‭ ‬يرتدينَّ‭ ‬الحجاب‭ ‬الإسلامي‭ ‬والموج‭ ‬الأزرق‭ ‬يلامس‭ ‬أطراف‭ ‬أصابعهنَّ‭ ‬ليس‭ ‬إلاَّ،‭ ‬بينما‭ ‬باقي‭ ‬المصطافين‭ ‬رجالاً‭ ‬ونساءً؛‭ ‬كهولاً‭ ‬وشباباً‭ ‬وأطفالاً‭ ‬تراهم‭ ‬بأجسادهم‭ ‬شبه‭ ‬العارية‭ ‬مغمورين‭ ‬بخضمِّ‭ ‬ذلك‭ ‬الموج‭ ‬المنعش؛‭ ‬والشمس‭ ‬الأسترالية‭ ‬تطلقُ‭ ‬سهاماً‭ ‬من‭ ‬جمرٍ‭ ‬على‭ ‬الحاضرين‭ ‬جميعاً،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬شمس‭ ‬الكناغر‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬حقاً،‭ ‬حينها‭ ‬رأيتُ‭ ‬النسوة‭ ‬العراقيات‭ ‬يتحسرنَّ‭ ‬بوجعٍ‭ ‬فاضحٍ‭ ‬على‭ ‬الشتاء‭ ‬الذي‭ ‬يهيمنُ‭ ‬على‭ ‬أصقاع‭ ‬البلاد‭ ‬هناك‭ ‬الآن‭. ‬أستراليا‭ ‬بخلاف‭ ‬كل‭ ‬مدن‭ ‬الكون؛‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬يكون‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬شتاء؛‭ ‬سمعتُ‭ ‬إحدى‭ ‬العراقيات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بعباءتها‭ ‬السوداء‭ ‬تقول‭ ‬متذمرة؛‭ ‬والله‭ ‬حتى‭ ‬أجهزة‭ ‬تبريد‭ ‬الهواء‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تنفع‭.. ‬ثم‭ ‬تحسرَّتْ‭ ‬قائلة‭ ‬ما‭ ‬أحلى‭ ‬النوم‭ ‬على‭ ‬السطوح‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬العراق،‭ ‬وأردفت‭ ‬متبرِّمة‭ ‬حتى‭ ‬بيوتهم‭ ‬هنا‭ ‬بلا‭ ‬سطوح‭.. ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬أحلى‭ ‬من‭ ‬نسمات‭ ‬الله‭ ‬آخر‭ ‬الليل‭..‬؛‭ ‬وهي‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬العراقيين‭ ‬ما‭ ‬عادوا‭ ‬ينامون‭ ‬على‭ ‬السطوح‭. ‬حين‭ ‬سمعتُ‭ ‬تذمُّرها؛‭ ‬وضعتُ‭ ‬يدي‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬فلربما‭ ‬‮«‬أم‭ ‬الجهال‮»‬‭ ‬تقوم‭ ‬قيامتها‭ ‬الآن‭ ‬وتزعق‭ ‬بوجهي‭ ‬محتجةً؛‭ ‬وهي‭ ‬تستعين‭ ‬بأغنية‭ ‬فيروز‭ ‬قائلة‭ ‬بصريح‭ ‬العبارة‭ ‬ردَّني‭ ‬إِلى‭ ‬بلادي‭.. ‬وبماذا‭ ‬سأجيبها‭ ‬والبلاد‭ ‬منشغلة‭ ‬بإحصاء‭ ‬عدد‭ ‬الناخبين‭ ‬للحزب‭ ‬الفلاني‭ ‬والتيَّار‭ ‬العلَّاني،‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬كاشفتُ‭ ‬نفسي‭ ‬بوضوح‭ ‬وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬وأحلام‭ ‬تلك‭ ‬النسوة‭ ‬العراقيات‭ ‬اللائي‭ ‬لم‭ ‬يجرأنَّ‭ ‬الدخول‭ ‬إِلى‭ ‬موج‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي؛‭ ‬وفضلنَّ‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬ساحله‭ ‬احتراماً‭ ‬لناموسهنَّ‭ ‬العراقي‭ ‬الأصيل‭.. ‬أجل‭ ‬قلتُ‭ ‬مع‭ ‬نفسي‭.. ‬صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬شمس‭ ‬البلاد‭ ‬ساخنة‭ ‬في‭ ‬تموز‭ ‬وآب؛‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تهدينا‭ ‬نسمات‭ ‬عليلة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬غروب‭ ‬الشمس،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬شمس‭ ‬وطني‭ ‬تراها‭ ‬مرتفعة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين؛‭ ‬بينما‭ ‬شمس‭ ‬المهجر‭ ‬الأسترالي‭ ‬واطئة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬فوَّهة‭ ‬تنوُّر‭ ‬مشتعلة‭ ‬فوق‭ ‬رأسك‭.. ‬ولذا‭ ‬كان‭ ‬شاعرنا‭ ‬السيِّاب‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬الشمس‭ ‬أجمل‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬من‭ ‬سواها‭.. ‬ومن‭ ‬حق‭ ‬نسوتنا‭ ‬هنا‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الفردوس‭ ‬الأسترالي،‭ ‬أنْ‭ ‬يتذمرنَّ‭ ‬وهنَّ‭ ‬يقفنَّ‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي؛‭ ‬وشمس‭ ‬المهجر‭ ‬تلفح‭ ‬وجوهنَّ‭ ‬والعرق‭ ‬يتصبَّبُ‭ ‬من‭ ‬خدودهنَّ‭ ‬الفراتية‭ ‬والسومرية؛‭ ‬وموج‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬لا‭ ‬يلامس‭ ‬إلا‭ ‬أصابعهنَّ‭ ‬من‭ ‬فرطِ‭ ‬خجلهنَّ‭. ‬ولكَ‭ ‬أنْ‭ ‬تسمع‭ ‬إحداهنَّ‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬ضاق‭ ‬صدرها‭ ‬ونفد‭ ‬صبرها‭ ‬تقول‭ ‬بحسرة؛‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬زوجتي؛‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬توهَّمتُ‭:‬

‭- ‬والله‭ ‬أنَّ‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬ساقية‭ ‬القرية‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬تحت‭ ‬ظلال‭ ‬النخيل،‭ ‬لأجمل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭. ‬

ثم‭ ‬نادتْ‭ ‬على‭ ‬صويحباتها‭ ‬من‭ ‬النسوة‭ ‬العراقيات‭ ‬تحثهنَّ‭:‬

‭- ‬لنرجع‭ ‬إِلى‭ ‬أهلنا؛‭ ‬فهذه‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬تشبهنا‭.‬

بعد‭ ‬العودة‭ ‬إِلى‭ ‬البيت؛‭ ‬فوجئت‭ ‬بزوجتي‭ ‬ترزمُ‭ ‬حقيبة‭ ‬السفر‭ ‬وقد‭ ‬قرَّرتْ‭ ‬العودة‭ ‬إِلى‭ ‬أهلها‭ ‬في‭ ‬البصرة‭. ‬إلاَّ‭ ‬أنَّ‭ ‬الذي‭ ‬أعاقها‭ ‬هو‭ ‬ثمن‭ ‬تذكرة‭ ‬السفر‭ ‬الباهظة؛‭ ‬ولذا‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمرها‭ ‬وعيونها‭ ‬على‭ ‬أسوارها‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬ستبيعها‭ ‬أخيراً‭ ‬وتذهب‭ ‬إِلى‭ ‬العراق؛‭ ‬وتزور‭ ‬مراقده‭ ‬المقدَّسة‭ ‬على‭ ‬عناد‭ ‬شمس‭ ‬المهجر‭ ‬الأسترالي‭ ‬القاسية؛‭ ‬وعلى‭ ‬عنادي‭ ‬طبعاً‭ ‬لأني‭ ‬تغزَّلتُ‭ ‬بامرأة‭ ‬شقراء‭ ‬ثملة‭ ‬كانت‭ ‬ترقص‭ ‬على‭ ‬رمال‭ ‬ساحل‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭.‬

يتبع‭…‬