دراسات وبحوث في تاريخ العراق المعاصر

 

 د. جاسم الدليمي

في مسار البحث التاريخي الاكاديمي وفي إطار الجهد العلمي للمؤرخ الدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري صدر كتابه الجديد الموسوم ب( دراسات وبحوث في تاريخ العراق المعاصر ) تناول فيه موضوعات من تاريخ العراق المعاصر ذات صلة بأحداث ووقائع لها أثرها على المستوى المحلي والعربي والدولي. يمكن عرضها وفق موضوعاتها لأجل القراءة المفيدة وليس حسب تنظيم فصولها الواردة في الكتاب. فقد استقرأ الفصل الأول جانبا من واقع الصحافة الموصلية من خلال جريدة الموصل التي أعاد الإنكليز إصدارها لتكون منبر دعاية لسياساتهم والترويج لأفكار في الحرية والمدنية .

وقد كانت جريدة “الموصل” جريدة اخبارية في المقام الأول، لغلبة الاخبار على سائر موادها، إذ كانت تنشر الاخبار تحت عناوين (حوادث خارجية، حوادث داخلية، أخبار خارجية، برقيات رويتر، خلاصة الأدباء، أنباء القطر العراقي من صفحة …). أما مقالاتها السياسية وغير السياسية، فإنها كانت تمثل وجهات نظر السلطات المحتلة تجاه الاحداث والقضايا المعاصرة لها. وفي ذات المسار تناول الفصل الرابع الصحافة الموصلية ومسألة الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي في العراق خلال حقبة الخمسينات 1950 – 1958م حيث بين نشوء الصحافة الموصلية من خلال نشأة الطباعة وأثرها في نشأة الصحافة. وقد توزعت مجالات الصحافة الموصلية بين الحزبية التي لعبت دوراً هاماً في ايقاظ الوعي الشعبي حول مجريات الاحداث السياسية والوقائع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وكان من أبرز الصحف الحزبية (النضال ، صدى الاشتراكية، المستقبل ، الهدى ، صدى الاحرار……). والصحافة الثقافية وهي ذات طابع ثقافي أدبي وكان من أبرزها (الهدف ، الروافد، الفجر ، الهداية ، صدى الروافد ……).

ولم تغفل الصحافة الموصلية عن موضوعات الاقتصاد والتنمية فقد تناولت قضايا النفط والتأميم بالعرض والتحليل وتقديم الأفكار الواعية للإفادة من هذا المصدر الاقتصادي المهم في تطور الوطن وتقدمه على مستوى البناء والعمران والاستقلال الاقتصادي. كما أنها عرضت للمسألة الزراعية ودعت الحكومة الى الاهتمام بالأرض والفلاح وتوظيف التقنيات الحديثة في الزراعة ومجالاتها المتنوعة. وأهتمت الصحافة الموصلية بقضايا المجتمع وحقوق المرأة عامة والزواج خاصة.

أما الفصل الثالث فقد نهض ببيان دور الطلبة في الحركة الوطنية المعاصرة في العراق بين عامي 1932- 1948م حيث أكد المؤلف على أنَّ الحركة الطلابية في العراق احتلت – منذ قيام الحكم الوطني في 23 آب 1921م – موقعاً متميزاً في النضال الوطني، لما قامت به من ادوار نضالية في عملية التصدي ومواجهة المحتل البريطاني والحكومات التي تعاقبت على الحكم خلال العهد الملكي والاستعمار البريطاني للدفاع عن ارض العراق وخيراته. ويعود سبب ذلك الى كون هذا القطاع أكثر القطاعات الشعبية تأثراً بما يجري حوله من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية ولما يتسم به من سمات الوعي التي قلما تتوافر في قطاع شعبي آخر. وتضمن الفصل الثامن من الكتاب الحديث عن التخطيط الاقتصادي في العراق بين عامي 1939- 1969م حيث أضاء جوانب مهمة من طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق من خلال مجالات الصناعة والتجارة وبيان تأثير الحرب العالمية الثانية على الوضع الاقتصادي وتداعيات ذلك على حياة المواطن العراقي بما يتصل مباشرة بالواقع المعيشي فضلا عن الإجراءات الحكومية المتخذة في مراحل زمنية ابتدأ من العهد الملكي وانتهاء عند العصر الجمهوري بوضع الخطط والدراسات الاقتصادية للنهوض بالمستوى الاقتصادي ومعالجة الازمات التي تواجه البلاد في بعض المراحل.

واستوعب الفصلان السادس والسابع الحديث عن فلسطين وتداعيات الاحتلال الصهيوني للأرض العربية. حيث كان لجمعية أصدقاء فلسطين العربية في باريس 1944- 1945م دور فاعل على الساحة الفرنسية في التصدي لهذا الاحتلال وتحرك الطلبة العرب الدارسين في باريس للوقوف بوجه هذا النشاط الصهيوني ودعايته. وكذلك بيان موقف العراق في المحافل العربية والدولية من القضية الفلسطينية 1948م ونشاطه السياسي الداعم للحق الفلسطيني في الأرض والوطن ومقاومة الاحتلال الصهيوني البغيض. وقد ساهم العراق في إطار التجمعات العربية وشارك الأقطار العربية في مساعيها نحو الوحدة أو الاتحاد أو اللقاآت التي توحد الجهد العربي لأجل النهوض بواقع العرب والتقدم بما يواكب عصر المدنية والتطور الحضاري فضلا عن مواجهة أعداء الامة العربية حيث عرض الفصل الثاني من الكتاب المشاريع الاتحادية العربية وأبعادها وصداها في مجلس النواب العراقي بين عامي 1942- 1958م.

وكان من أبرزها مشروع الهلال الخصيب وميثاق جامعة الدول العربية ومشروع الضمان الاجتماعي العربي. وتناول الفصل الخامس بيان الموقف العراقي رسميا وشعبيا من السياسة الامريكية تجاه العراق 1958- 1963م حيث طرأ تغيير كبير على أهداف السياسة الخارجية العراقية منذ قيام ثورة 14 تموز1958، بعد ان كان منحازاً نحو الغرب، أصبح في إطار الحكم الجمهوري يعلن عن ضرورة الانفتاح على كل الشعوب التي تكن له معها روح الصداقة والتعاون، مبيناً ذلك في البيان الاول للثورة وبالتأكيد على سياسة عدم الانحياز، واقامة علاقات متساوية مع الجميع. اظهرت (أمريكا) موقفاً متشدداً من ثورة 14 تموز 1958 في بداية الامر.

لكن سرعان ما تبدد بعد تطمينات عبد الكريم قاسم (رئيس الوزراء) بضمان مصالحهم في العراق، وخاصة المصالح النفطية. أما الفصل التاسع فقد تحث فيه المؤلف عن الدكتور عبد الجبار الجومرد ودوره في حزب الجبهة الشعبية المتحدة. وبين أن الجومرد هو الشخصية الموصلية التي كان لها اثر ودور بارز في المعارضة الوطنية خلال العهد الملكي، فضلاً عن كونه شخصية متعددة المواهب من خلال ممارسته نظم الشعر والكتابة التاريخية والنشاط السياسي ومواقفه ومقالاته ومؤلفاته واشعاره، التي كانت طافحة بحب الامة العربية وأرضها السليبة فلسطين، وعشق وطنه العراق والاعتزاز بالعروبة وأمجادها وتاريخها التليد، فضلاً عن ظهوره سياسياً بارزاً للدبلوماسية العراقية بعد ثورة 14 تموز 1958. وكانت قصيدة الشاعر العراقي الكبير معروف بن عبد الغني الرصافي مسك ختام عطر للكتاب.