الديمقراطية ومحنة التطبيق
هل نستطيع ان نستوعب هذا المصطلح المقدس الذي اسمه الديمقراطيه ؟ وهل تستطيع ان تستوعب عقولنا وعيوننا هذا الوهج الانساني النبيل الذي اسمه حكم الشعب بالشعب؟.
هذه اسئلة وهناك اسئلة جمة وثمة سؤال يتربع هواجسنا وهو هل نستطيع المزاوجه بين تراثنا الفكري والثقافي العربي المعتمد على خصائص عربية ضاربة في عمق الصحراء وفن التقديس المطلق للبطولة وحب الغلبة والتغني بامجاد الاجداد ونصر الاخ ظالماً اومظلوماً والتحلي (بايام العرب) من منافرات ومفاخرات وتهميش والغاء الشخص الاخر بكل لذة واعتزاز والالتفاف حول الشيخ او سيد القبيلة الذي يحقق المغانم ولو على حساب الحق والمنطق, وبين ماتتطلبه الديمقراطيه من الوعي العالي لاستيعاب وجهات النظر وتبادل الطروحات وتقديم التنازلات عندما تقتضي الحاجة وأعطاء الحلول الوسطيه للقضايا المتشعبة واحترام لكافة الاراء والمنطلقات كونها منبعثة من افكار انسانية لايمكن الغائها او التجاوز عليها. البليه الكبرى ان التاريخ العربي قديماً وحديثاً قد اعتنق هكذا فكرة (فكرة منهجية الصراع والغلبة) واصبحت بديهية تبنى عليها الكثير من الملامح الشخصية للانسان العربي بصورة عامة والعراقي بصوره خاصة , والارث الثقافي العربي مترعا بهذة الآلية في النظر الى واقع الحياة وعد الصراع هو الركيزة المثلى لتحقيق الرغبات واغتلاب المكاسب. فهذا الشاعر العربي خيرما يمثل منهجية الثقافة العربيه السائدة انذاك وخصائص المجتمع العربي المبنية على حب التجاوزوالالغاء حيث يقول مخاطبا الاخرين :
ونشرب ان وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدرا وطينا
هذه النمطية من السلوك لم تكن غريبة او بعيدة عن وعي وادراك النبي (ص) في دعوته وصراعه الحضاري العنيف بين ما جاء به من عدل وحرية ومساواة وبين ما كان عليه المجتمع العربي من ظلم وانتهاك للحقوق والاستعباد. فقاتل سادات مكة واصحاب النفوذ من قريش بكل شراسة, هذا الوهج الانساني واستعدوا عليه باستخدام شتى الوسائل العسكرية والاعلامية لطمس معالم هذة الحقيقه التي تجر الوبال على سلطاتهم وامتيازاتهم ولياليهم الحمراء ولكن ابى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون.فالرسول الكريم (ص) هو الباني الاول للديمقراطية في مجتمع التغالب والتناحر وهو اول من ارسى دعائم العدالة والمساواة واحترام الرأي الاخر مهما كانت تبعيته العقائدية والادراكية فهذا احد الاعراب يمسك بتلابيب ثوب الرسول الكريم صارخا في وجهه: اعدل يامحمد فان المال ليس مالك ولا مال ابيك , فيبتسم الرسول (ص) ويقول له : ويحك اذا لم اعدل فمن يعدل.. ؟!, هذا هو الفكر الحضاري الذي جاءت به حضارة الرسول (ص) وهذه الديمقراطية التي سار عليها الخلفاء الراشدون بعد وفاته, فهي ليست بضاعة مستوردة من الغرب او بدعة ابتدعها الواقع العراقي بل ضرورة ملحة وأمر لا مناص من اتخاذه وحقيقة واقعة لانتشال واقع عانى اشد المعاناة من الظلم والتجاوز وتكميم الافواه. فالديمقراطية هي ديمقراطيتنا وهي الثابتة الانسانية والتراث الحقيقي للفكر العربي المتحضر الرافض لكل ترسبات الجاهلية الدنيئة. فهذا عمر بن الخطاب (رض) يطل علينا مجسدا الديمقراطية فكراً وممارسة فيعتلي خشبات المنبر ليخطب بالناس ويقول: ايها الناس اسمعوا قولي فينبري له الصحابي سليمان الفارسي ويقول له : لانسمع. فيقول عمر بن الخطاب : ولم يا سليمان . فيرد سليمان لانك اثرت نفسك علينا بان اخذت ثوبين من الغنائم واعطيتنا واحداً فضحك عمر بن الخطاب والتفت الى عبد الله بن عمر وقال له : لمن الثوب الثاني يا عبد الله فاجاب : هو لي يا امير المؤمنين فأعطيته لك لانك رجل طوال لايسعك الا ثوبين فقال سليمان : اما الان فنسمع. وهناك الكثير من الامثلة والممارسات التي افرزها التاريخ الاسلامي ممثلا هذا النهج من التخاطب والتبادل المعرفي والفكري في ظل الثورة النبوية الكبرى التي اضفت بظلالها على نمطيات الافكار المستهجنة وبعثت فيها نسغ الحياة الانسانبة الجديدة القائمة على التودد والتهادن في حل ما يعترض الامور من مدلهمات وكبوات ليصبح الاسلام منبعا للوهج الانساني وطريقا لاستلهام القيم ونبذ الترسبات والنعرات الجاهلية ممهدا لدولة الانسان على هذة الارض .
والان وبعد كل هذة الجهود المضنية في ترويض الفكر الناشز ومحاولة اجدثاث جذورة الممتدة في عمق الفوضى نجد ذلك الفكر يتنفس من جديد ماردا يخرج من قمقمة ليقبض على اعناق الراي ويجهز على اخر رمق من حياة الديمقراطية حيث تختفي كل مظاهرها لتحل محلها الارادات العقائدية والحزبية والنسبية والمناطقية لتقف الحلول مذهولة امام هذا السيل الهادر من التنافر والتباعد وفقدان الحلول لتنطلق الاذهان المترعة بالتحزب لاستجداء الحلول من دولاً كتب الله لها ان تهدأ جامحة اذهانها الفوضوية منذ زمن بعيد ,فما صراعنا السياسي ودوامتنا المفرغة الا عجزاً في البنية الذهنية للسياسي وعدم نضوج مقدراتة الفكرية والثقافية وطغيان السذاجة في تكوينة الاجتماعي و النفسي والوراثي وفقدانة للقدرة على احتواء المتناقضات والمتباينات وتحويلها الى مواضع قرار او توصيات يستطيع المتلقي ان ياخذها على محمل الحل والجد والعلاج , فالسياسي الذي اتخمت شخصيتة منذ طفولتة الى بلوغة باللاجدوى والضياع والفشل وغياب مفهوم الذات وعدم القدرة على التنظيم والتخطيط ووضع الامور مواضعها لايستطيع ان يتبنى مشروعا وطنيا او ان يضع حلولا ناجعة لضياع دولة او فشلها او غياب مفهوم ذاتها او فقدانها للتنظيم والتخطيط وعلى هذا المنوال تركت الدولة كقشة في بحر متلاطم لا يسبر غورة ولا تستشرف شواطئه تعللها الامال والوعود وعسل الكلام. فينبغي علينا في هذه المرحلة القلقه التي تصب فيها روافد كثيرة من الترسبات والشوائب ان نغربل من اجل اخراج الصالح من الافكار الحضارية المعتمدة على التمدن والمسؤولية ونبذ الطالح من المفاهيم التي املتها علينا المراحل السياسية السابقة وان نستقطع الاورام السرطانية التي اتخمت جسد العراق زهاء العقود الماضية عقود الدكتاتورية والجهل والتخلف.
نجم عبد خليفة
/5/2012 Issue 4205 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4205 التاريخ 21»5»2012
AZPPPL
























