علاقة المسرح بالوطن

 

 

 

بيات مرعي

 

 

 

 

تتحول العلاقة بين المسرح والوطن من مجرد علاقة فنية عابرة إلى رباط عضوي وثيق، حيث يبرز المسرح كواحد من أقدم وأعمق الوسائل التي صاغت وجدان الشعوب ورسمت ملامح هويتها. إن المسرح في جوهره ليس مجرد خشبة للعرض أو ستارة تُرفع، بل هو (المختبر الوطني) الذي تُصهر فيه آمال الأمة وآلامها، ليتحول إلى مرآة عاكسة يرى فيها المواطن وجه وطنه الحقيقي، بعيداً عن التجميل أو التزييف.

تبدأ هذه العلاقة من الدور التحرري للمسرح، ففي لحظات الانكسار أو الاستعمار، كان المسرح يتحول إلى (خندق للمقاومة) يلوذ به المثقفون والمناضلون لتمرير رسائل الحرية عبر الرموز والإسقاطات التاريخية، مما يجعله وسيلة دفاعية تحمي الذاكرة الوطنية من الاندثار. ومن هنا، يمتد أثره ليشمل ترسيخ مفهوم (الانتماء)، حيث يستحضر المسرح ملاحم الماضي وبطولات الأجداد، ليس من باب التغني فحسب، بل لغرس بذور الفخر والاعتزاز في نفوس الأجيال الصاعدة، معتمداً في ذلك على قوة الكلمة واللهجة المحلية التي تربط الإنسان بترابه وأصله.

وعلاوة على ذلك، يمثل المسرح (برلماناً شعبياً) مفتوحاً للجميع، حيث تلتقي كافة أطياف المجتمع لمناقشة قضاياهم الكبرى في جو من الديمقراطية المباشرة. إنه المدرسة التي تعلم النقد البناء وتطرح التساؤلات الجريئة حول الفساد، والجهل، والظلم، محفزةً بذلك إرادة التغيير والتنمية الاجتماعية. فالمسرح لا يكتفي برصد واقع الوطن، بل يطمح دائماً إلى إعادة صياغته نحو الأفضل، مؤكداً أن بناء الإنسان الواعي هو الخطوة الأولى والأساسية في بناء الوطن القوي. إنها علاقة تبادلية، فالوطن يمنح المسرح مادته وحكاياته، والمسرح يمنح الوطن وعياً متجدداً وشعباً يدرك قيمة الحرية والكرامة. وبهذا تتجلى نظرة الدول المتقدمة للمسرح بوصفه (بنية تحتية للعقل)، لا تقل أهمية عن الجسور والطرق، فهو في عرف تلك المجتمعات ليس مجرد نشاط ترفيهي يرتاده الناس في أوقات فراغهم، بل هو استثمار استراتيجي في رأس المال البشري، وأداة حيوية لصيانة الهوية الوطنية وتجديدها.


تتعامل هذه الدول مع المسرح كخدمة عامة تلتزم الدولة بتوفيرها، تماماً كالتعليم والرعاية الصحية. ومن هنا، يظهر الدعم الحكومي السخي كضمانة لتحرير الإبداع من سلطة السوق المادية، مما يتيح للفنانين طرح قضايا الوطن بعمق وجرأة دون خوف من الفشل التجاري. ولا يقتصر هذا الاهتمام على العواصم الكبرى، بل يمتد في سياسة (لامركزية ثقافية) تصل بالمسرح إلى القرى والمدن الصغيرة، ليكون لكل مجتمع محلي مرآته التي يرى فيها واقعه ويناقش من خلالها تحدياته، مما يعمق الشعور بالانتماء والجذور.
وفي المنظومة التعليمية، يتحول المسرح إلى (مختبر لصناعة المواطن)، حيث يُدرج في المناهج كأداة لبناء الشخصية، وتعليم مهارات الحوار، وتقبل الاختلاف، ونبذ التعصب. فالدول التي تضع المسرح في قلب مدارسها تؤمن بأن الطفل الذي يقف على خشبة المسرح اليوم، هو المواطن الذي سيقود الحوار الديمقراطي في الغد.

علاوة على ذلك، توظف هذه الدول المسرح كأحد أقوى أدوات (القوة الناعمة) والدبلوماسية الثقافية، فهي تصدّر قيمها، تاريخها، ولغتها إلى العالم عبر عروض مسرحية تجوب القارات، محولةً المسرح إلى جسر يعبر عليه اسم الوطن ليتصدر المشهد الثقافي العالمي. وفي الداخل، يُستخدم المسرح كأداة سحرية للدمج الاجتماعي، حيث تُصهر فيه خلفيات المهاجرين والأقليات في بوتقة الوطن الواحدة، مما يحول التنوع من عبء إلى مصدر ثراء وقوة.
إن المسرح في تلك الدول هو (ترمومتر) الصحة السياسية والاجتماعية، فكلما ارتفع سقف الحرية على خشباته، وكلما زاد الإقبال الشعبي على عروضه، كان ذلك دليلاً على حيوية الوطن، وقوة ديمقراطيته، وتماسك نسيجه الإنساني.
كيف نطبق هذه المفاهيم في واقعنا المحلي ؟

تتحول الرؤية التطبيقية لمسرح الوطن من مجرد نظريات في بطون الكتب إلى (ملحمة حية) تُكتب تفاصيلها يومياً على خشبات المسارح وفي أروقة المدارس وساحات القرى. إنها عملية تحويل الفن من (ترف نخبوي) إلى (ضرورة حياتية) تساهم في صيانة البناء الوطني وتقويته من الداخل.

تبدأ هذه السردية التطبيقية من داخل الفصول الدراسية، حيث يتحول المسرح إلى (مختبر لصناعة الإنسان). فالدول التي تعي قيمة مستقبلها لا تهدف من خلال المسرح المدرسي إلى تخريج ممثلين فحسب، بل تسعى لصقل شخصية المواطن الذي يجيد فن الحوار، ويمتلك شجاعة التعبير، ويتقن مهارة الإنصات. في هذه المساحة الصغيرة، يتعلم الطفل أن الوطن هو مسرح كبير يتسع للجميع، وأن دوره فيه لا يقل أهمية عن دور أي فرد آخر، مما يغرس قيم المواطنة في الوجدان قبل العقل.

وعلى مستوى القاعدة الشعبية، يتجسد المسرح كـ (نبض للميادين)، فمن خلال دعم المسارح الجوالة التي تخترق حدود العواصم لتصل إلى المناطق النائية، يتحول الفن إلى رسالة اهتمام من الدولة بمواطنيها في كل مكان. هناك، فوق خشبات بسيطة في قلب القرى، تُناقش قضايا الأرض، والفقر، والأمل، ويشعر المواطن البسيط أن صوته مسموع وأن مشاكله هي مادة للإبداع والحل، مما يعزز الثقة بين الفرد ومؤسسات وطنه ويخلق حالة من السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.

ولا تتوقف هذه المادة السردية عند الدور المعنوي، بل تمتد لتجعل من المسرح (محركاً اقتصادياً) يسهم في عمارة الوطن، فعندما تتبنى الدولة الصناعات الإبداعية، يتحول المسرح إلى ورشة عمل كبرى تستوعب طاقات الشباب في التأليف، والتصميم، والتقنيات الحديثة، محولةً الفن إلى مورد للرزق ورافد للدخل القومي، مما يربط المصالح الاقتصادية للأفراد بالهوية الثقافية للأمة.
وفي نهاية المطاف، يبرز المسرح في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى كـ (حارس للوعي)، فهو الذي يجمع الشتات، ويداوي جراح الصراعات عبر (مسرح المصالحة) الذي يتيح للجميع قول حقيقتهم ومشاركة آلامهم. إنها علاقة تبادلية سامية، يمنح فيها الوطن للمسرح شرعيته وحكاياته، بينما يمنح المسرح للوطن روحاً متجددة، وشعباً يرى في الفن مرآة لحريته وعنواناً لسيادته.