التسويق العصبي في الانتخابات العراقيـة: بين التأثير العاطفي والقرار الواعي

د. شُــهـب باســل طـاقـة

يُعد التسويق العصبي مصطلح حديث من المصطلحات التسويقية المتشعبة التي تربط بين علم التسويق وعلم النفس البشرية، حيث يعتبر التسويق العصبي أداة قوية تؤثر على قرارات الناخبين من حيث فهم سلوكياتهم العاطفية، وميولهم النفسية والعقلية نحو اتخاذ قرار مصيري في مدة قصيرة ولحظية، مثل مدة الحملات الانتخابية السريعة التي نشهدها هذه الفترة.

حيث تتكرر المأساة نفسها في كل دورة انتخابية عراقية، مع فتح صناديق الاقتراع وسط شعارات جذابة ووعود تبدو مثالية ولا وجود لها على أرض الواقع، بينما يظل الناخب غارقًا في بحر من المعلومات المتضاربة والمحفزات العاطفية والأماني الضائعة التي قد تصرفه عن التقييم الموضوعي للمرشحين وبرامجهم. والواقع اليوم يشير إلى أن الحملات الانتخابية في العراق لم تعد تعتمد فقط على البرامج السياسية أو القدرات الحقيقية للمرشحين، حيث تسخدم هذه الحملات تقنيات التسويق العصبي بدون وعي علمي لهذا المفهوم وبشكل عبثي وبالمقابل استغلال عدم إلمام الناخبين بذلك، من خلال استدعاء مشاعرهم، وتحفيز حواسهم لإقناعهم باتخاذ قرار انتخابي من المحتمل ان يكون غير ملائم.

وتحوّل تقنيات التسويق العصبي الرسائل الانتخابية إلى وسائل تأثير ذكية، من حيث الألوان الزاهية والشعارات المبتكرة التي تجذب العين والذاكرة البصرية للناخب، بينما تعمل الموسيقى التصويرية واللقطات البصرية المؤثرة التي لاقت انتشاراً غير مبررٍ ومبالغٍ فيه على استدعاء مشاعر الانتماء والفخر أو الخوف من فقدان الفرص المستقبلية. ففي العديد من الحملات الأخيرة، شهدنا استخدام مقاطع فيديو قصيرة تحتوي على صور استغلالية بحجة الوطنية لاثارة حماسة الناخب، مقترنة برسائل عاطفية تُثير الولاء لشخصية المرشح وليس لبرنامجه الانتخابي الذي سيعود بالفائدة الملموسة على أرض الواقع، ما يجعل الناخب أكثر عرضة لاتخاذ قرار قائم على الانفعالات اللحظية وليس على الادراك والمعرفة والتحليل، وهذا يُصعب على الناخب التمييز بين الانطباع العاطفي والمعلومة الموضوعية في بيئة سياسية معقدة مثل العراق.

كما تتقدم الانقسامات الطائفية والعرقية والعشائرية والمصالح الحزبية الضيقة على مصلحة الوطن ومستقبل الناخبين، وتصبح هذه التأثيرات أكثر قوة، مما يؤدي غالبًا إلى اختيار مرشح بناءً على الانفعالات المؤقتة أكثر من شخصية المرشح الحقيقية وبيئته وخلفياته الأخلاقية ونواياه الحقيقية من الترشيح. وفي هذا السياق، يبرز البعد الأخلاقي والقيمي للقرار الانتخابي: فالناخب ليس مجرد مستجيب للمؤثرات البصرية أو الصوتية، بل يجب أن يكون صوته انعكاسًا صادقًا لقيمه ومبادئه، مثل العدالة والشفافية والمساواة واحترام القانون والمطالبة بمستقبل زاهر بعيداً عن الطائفية والعرقية والمناطقية في وطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات.
لكن للأسف، أصبح استغلال الحملات الانتخابية لمشاعر البسطاء من أبناء الوطن أو ضعف الثقة بالمؤسسات الحكومية أداة شائعة للضغط على الناخبين، وتحفيز الدعم العاطفي دون تقديم حلول حقيقية للمشكلات الجوهرية. وفي كثير من المحافظات، نجد أن بعض المرشحين يروجون لوعود عاطفية وطرح شعارات شعبية، بينما تتغاضى حملاتهم عن الفساد المستشري في أغلب مفاصل الدولة والذي أصبح كالمرض الخبيث الذي ينهش جسدها، اضافة إلى عرقلة الخدمات بعيدًا عن قيم النزاهة والمساءلة.
وإن إدراك هذه الديناميكيات يجب أن يقود إلى تحرك عملي جاد نحو التوعية الانتخابية. من خلال تمكين الناخب من التفريق بين الرسائل العاطفية والمعلومة الواقعية. وعلى الناخب أيضاً أن يدرك أن الألوان الزاهية والشعارات البراقة والموسيقى الحماسية هي أدوات لإثارة الانتباه، لا دلائل على جدوى صلاحية المرشح أو برنامجه الانتخابي. كما ينبغي أيضاً التركيز على التحليل الموضوعي للبرامج الانتخابية: من حيث مراجعة السياسات المعلنة، وقدرة المرشح على التنفيذ مستقبلاً، وصدقه في تنفيذ الوعود استناداً الى المقولات الشعبية الموروثة “المجرب لا يُجرب” و”التجربة خير برهان”؛ وهذا يُعزى إلى تجاربنا الانتخابية السابقة التي امتدت لأكثر من عشرين سنةً، وكانت نتائج اخفاقاتها في كل مرة ملموسة وواضحة ومخيبة لآمال الناخب العراقي على كافة الأصعدة.

كما أن دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني مهم لتعزيز وعي الناخبين من خلال تنظيم حملات توعوية وورش عمل تعليمية تركز على كيفية قراءة البرامج الانتخابية، وفهم تأثير الرسائل الإعلامية والتسويق العصبي على الناخبين. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن توضع ضوابط ومحددات قانونية تنظم استخدام التقنيات الحديثة في الحملات الانتخابية، لضمان عدم التلاعب بالمشاعر والانفعالات واثارة النعرات الطائفية والمذهبية والتخندق المناطقي والحزبي.

ومن جانب آخر، فإن المشاركة في الانتخابات ليست مجرد واجب شكلي أو إجراء روتيني يُنفذ كل أربع سنوات، بل هي مسؤولية وطنية حضارية تتطلب الوعي والفهم العميق لطبيعة العملية الانتخابية وأبعادها المختلفة (فهذا مستقبل وطن وأجيال يتطلب من الناخب العراقي أن يواجه تحدياً مزدوجاً في ظل المشهد الانتخابي المتشابك). وهذا يعني أن كل ناخب بحاجة إلى تطوير قدرة نقدية تمكنه من استيعاب الرسائل الإعلامية وفك شفرة المؤثرات العاطفية، بحيث لا يتحول صوته إلى مجرد استجابة عاطفية مؤقتة، بل إلى قرار سياسي واعٍ ومدروس.
ومن هنا فإني أتطلع أن لا تصل فكرة هذا المقال إلى الشريحة المثقفة فقط، بل تتعدى ذلك لتصل هذه الفكرة إلى شريحة البسطاء من أبناء الوطن، حيث أن هذه الشريحة لا يُستهان بها؛ والتي تمثل جزءاً كبيراً من المجتمع، فحري بنا أن نتكاتف فيما بيننا على توعيتهم وتثقيفهم، وهذه مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق الأكاديميين والصحفيين والفنانين والكُتاب والمثقفين الحريصين على مستقبل الوطن وازدهاره، لعلها لا تتكرر أخطاء الماضي.

وفي نهاية المطاف، المستقبل في وطننا العراق يعتمد بشكلٍ رئيسٍ على وعي المواطن واستقلالية قراره، وتجرده من كل المسميات والانتماءات بحيث يكون شعاره الوطن أولاً وتأتي كل هذه المسميات والانتماءات تباعاً، فلولا وجود وطننا موحداً وسالماً ومعافاً لما كان لنا وجود جميعاً. فكل صوتٍ ورأي ثائرٍ وحر يُدلى به ليس مجرد رقم في الإحصاءات، بل هو أداة حقيقية للتغيير وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته. ويجب أن يُرافق هذا إدراك الناخب لمخاطر الانحياز العاطفي، ليُصبح قادرًا على حماية حقوقه ومصالحه الوطنية، والمساهمة في صياغة مستقبلٍ سياسي واقتصادي مستدام يضمن حقوق الأجيال القادمة ويعكس إرادة الشعب الحقيقية، بعيدًا عن الحملات الانتخابية الموجهة، والشعارات الزائفة، والانفعالات المؤقتة والتلاعب بالعواطف العابرة، ليكون الصوت العراقي أداة فعالة للتغيير والإصلاح الحقيقي.

” في بلدٍ غني بالثروات والموارد،،، نؤمن دائماً بأن المواطن يستحق الأفضل”.