

الديمقراطية حين تُشترى في كيس حلوى: العراق بين استيراد الأنظمة وتصدير الأزمات
فاروق الدباغ
ما حدث مؤخرًا تحت قبة البرلمان العراقي، من سباب وشتائم ومشاهد لا تليق لا بسلوك فردي، فكيف بممثلين عن “أمة”، لا يعبّر عن أزمة طارئة، بل يعري عطبًا بنيويًا في مفهوم الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها وحتى الآن. دولة ولدت من رحم التوافقات الدولية، لا من رحم الشعب. دولة تحكمها أعراف العشيرة، وتقودها شعارات العقيدة، وتتنازعها قوميات وسلالات من الهويات المتضادة.
في بلد يعاني من تدمير اجتماعي خانق، وأزمات اقتصادية متراكمة، وارتباك سياسي إقليمي يكاد يخنق أنفاسه، يتحول البرلمان من سلطة تشريعية إلى خشبة مسرح هزلي، تُعرض عليه تمثيليات الردح والسباب، وتُدار فيه الصراعات كأنها مشاجرات في زقاق لا صالة قرار.
لكن، هل هذه هي الديمقراطية التي بشّرونا بها بعد 2003؟
وهل الصندوق وحده يصنع دولة مدنية؟
وهل يكفي أن نحشو الدستور بكلمات مثل “التداول السلمي للسلطة” و”حقوق الأقليات” و”الفصل بين السلطات”، في حين أن الواقع كله يُدار بمنطق المحاصصة والغنيمة؟
الديمقراطية ليست حلاً مستوردًا
إن المعضلة ليست في “الديمقراطية” كنظام. بل في تسويقها كعلاج فوري لمجتمع لم يصنعها، ولم ينضج لاجتراحها. المجتمع العراقي لم يمر بمخاض الديمقراطية، ولم تتشكل لديه تلك الطبقة الوسطى القادرة على حماية العقد الاجتماعي.
الديمقراطية ليست دواءً تستورده من أوروبا، وتسكبه في فم شعبٍ أرهقته الحروب والعقوبات والأنظمة البوليسية، ثم تطلب منه أن ينهض فجأة ليرقص على أنغام التداول السلمي للسلطة.
الديمقراطية ليست “منتجًا نهائيًا”، بل بناءٌ تراكمي يتطلب أجيالًا من التربية على القيم، من احترام الآخر، من الوقوف في الطابور، من رفض
الغنيمة إن لم تكن من حقك.
مشهد من السويد… ومغزى من العراق
في شتاء 2005، كنتُ قد وصلت حديثًا إلى السويد. دعانا القائمون على بلدية “إيسكرشوند” إلى احتفالية أعياد الميلاد، كنوع من الترحيب والاندماج. توقفت سيارة صغيرة في الساحة، ونزل منها من يجسد شخصية “تومتي” – بابا نويل – لتوزيع أكياس الحلوى على الأطفال.
اقترب مني أحد المنظمين بلطف، وطلب أن أقف مع عائلتي في مقدمة الصف تكريمًا لنا كمواطنين جدد. لكن ثقافتي الأم، الغارقة في مفهوم الغنيمة والتزاحم، دفعتني لأن أرسل ابني ذا الستة أعوام إلى مقدمة الصف ليأخذ كيس الحلوى.
أخذ كيسًا وعاد. طلبتُ منه أن يذهب مرة أخرى ليأخذ للبقية. لكنه رفض. قال لي:
“الكل لازم يأخذ الحلوى يابابا . وإذا بقي شي أرجع آخذ. وإذا تريد المزيد ، أنت قف في الطابور.”
في تلك اللحظة، فهمت أن الديمقراطية لا تُدرس في البرلمان بل تُزرع في البيت، في المدرسة، في الصف، في الطابور… في عقل الطفل الذي يحترم الآخر دون أن يعرف فلسفة روسو أو دستورية لوك.
برلمان بلا طابور
في العراق، لا أحد يقف في الطابور.
البرلماني لا ينتظر… بل يطلب.
النائب لا يخدم… بل يُخدم.
السياسي لا يمثل إرادة الشعب، بل يمثل إرادة الكتلة، والطائفة، والعرق، والمليشيا.
أكثر من 250 حزبًا وعشرات المليشيات، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الـ 45 مليون نسمة.
بينما الولايات المتحدة، بـ 330 مليون نسمة، فيها حزبان رئيسيان يتنافسان في دولة مؤسسات.
هل نحتاج 250 حزبًا؟ أم نحتاج حزبًا واحدًا: اسمه “العراق”؟
هل نحتاج 250 منبرًا للتفرقة؟ أم منبرًا واحدًا للمصالحة؟
هل نحتاج هذا الكم من اللافتات والشعارات؟ أم نحتاج عقلًا ناضجًا يؤمن أن العمل السياسي ليس غنيمة، بل مسؤولية؟
ديمقراطية بلا شعب ديمقراطي
العراقي اليوم، يقف تائهًا بين خيبات النخب وخرافات الخطاب.
ينظر إلى السلطة كقدر محتوم، وإلى السياسة كخداع موروث.
لا يثق بمؤسساته، لأن هذه المؤسسات لم تُبْنَ على الطابور، بل على الواسطة.
في العراق، ما زال يُنظر إلى الديمقراطية كوسيلة للصراع لا للحل، وكأداة للاستحواذ لا للتداول، وكغطاء لفساد مقونن ومحصن بالحصانة البرلمانية، والمقدّس الطائفي.
ختاما لا تسقونا ديمقراطية لا نعرف طعمها
الديمقراطية الحقيقية لا تُحشَر في صندوق اقتراع فقط.
بل تُزرع في كيس حلوى يرفض طفلٌ صغير أن يأخذ منه مرتين قبل أن يأخذ غيره.
ذلك الطفل السويدي ذي الاصول العراقية ، ابن ست سنوات، كان أصدق من كل خطابات الكتل السياسية، وأشرف من كل النواب الذين يتصارعون على الحصص في قاعة البرلمان، بينما شعبهم يقف منذ 20 سنة في طابور الكهرباء، والماء، والوظيفة، والدواء… دون أن يصله كيس واحد من “حلوى” العدالة.
ولذلك، لا عيب في الديمقراطية، بل العيب أن نحاول إنزالها بمظلة أمريكية أو أوروبية فوق بلدٍ لم يصنعها، ولم يتربَّ على مفرداتها، بل ما زال يجهل حتى شكل الطابور.
فلا تسقونا ديمقراطية لا نعرف طعمها… دعونا أولًا نتعلم كيف نقف في صفٍ واحد، دون أن نُلوِّح بالهوية والدم والسلاح.
























