

هشام عبد الكريم
وأنا أتطلع إلى أول صورة من الصور التي فاضت بها الطرقات لا أدري لماذا دفعني الفضول الى تأمل عيني كل واحد وواحدة من هؤلاء ، تفرست بعيني اول واحد فشعرت ان صاحب هاتين العينين هو أقرب ما يكون الى مغامر ساذج يحب الظهور على الرغم من مسحة البلاهة التي تفيض بها ملامحه . تمشيت قليلا كانت الصورة لامرأة أعرفها منذ زمن وهي تكرر نفسها كل اربع سنوات ، تذكرت لها مقولة سابقة كانت تتحدث خلالها عن النظم الدكتاتورية في حين جسدت الدكتاتوريات كلها بتمسكها طيلة هذه الفترة بمنصبها
مشكلة بعض الناس أنهم لا يمتلكون ذاكرة . كم كنت منصفا يا فرنسيس بيكون عندما ذكرت أمثال هؤلاء .
وأخيرا رشحت ! أين كلامك وتشدقاتك ؟ هل نسيت ما كنت تحدث به الآخرين ؟ لا سيما القطار الأمريكي ! هنيئا لك يا بروتس .
تركته وانا اتجه إلى عيني صاحب الصورة الأخرى ، كانت عيناه تشيان بأن هذا الرجل مستعد ان يفعل أي شيء من أجل نفسه ، نفسه أولا والكرة الأرضية من بعدها ، لم أقف طويلا أمامه بل جذبتني صورة لشخص آخر ومن مضحكات المصادفة أنه قبل يومين كان يتحدث عن اسباب تقديمه لنفسه في هذه المعمعة حيث أوجز ذلك بأن خدمة الوطن والمواطن هي التي دفعته للقيام بهذا العمل ، كلماته قبل يومين احالتني الى كلمات شقيقته التي شكت لي من خلالها كيف أنها ذات حزن ارادت منه اعانتها وهو الثري غير أنه غلق باب المساعدة بوجهها ، أردت أن أصرخ بوجهه كم انت منافق !
بدأت احس وأنا اتفحص وجوه هؤلاء بأن الأرض بدأت تنزل تحت قدمي شيئا فشيئا ، غير انني كنت مصرا على التطلع بتلك الصور وعيني كل واحد وواحدة منها .
لم أنتبه إلى الوقت غير ان الشمس مازالت مرتفعة في كبد السماء . تمشيت الى الصورة الأخرى ، كانت صاحبتها إمرأة ذات ملامح قاسية بعض الشيء على الرغم من الابتسامة التي حاولت إسباغها على وجهها أثناء إلتقاط المصور لصورتها هذه . كتبت تحت صورتها عبارة المربية ووووو
كانت الأرض تنزل تحت قدمي والظلام ، هو الآخر بدأ يتسلل الى المكان مثل أي لص ذكي ، ومع ذلك كنت مصرا ً على مواصلة مسيرتي مع هذه الصور حتى النهاية ، صاحب الصورة الذي أقف أمامه الآن رجل كريم وأصيل وفي عمر يحتاج فيه إلى الخدمة وليس الى تقديمها ، كم كنت اتمنى لو أنك لم تزج نفسك بين هؤلاء ، رددت هذه الكلمات في سري وانا متجه الى صورة ذلك الفتى ذي الشهادة الجامعية ، من خلال عينيه قرأت إصرارا وطموحا غريبا في شخصيته ، فهو يسابق الزمن من أجل الوصول إلى ما يريده.
كانت الأرض تزداد انحدارا ! ترى هل هذا الانحدار حقيقي ام مجرد احساس ؟ . شيء ما بدأ يساورني بعد أن أحسست بأن الظلام بدأ يزداد شيئا فشيئا في حين مازال الوقت عصرا ً وهناك اكثر من ثلاث ساعات على موعده !
بقيت الآن صورتان على نهاية لعبة التفرس بعيون هؤلاء تمشيت قليلا متحديا انحدار الأرض وزخات الظلام التي بدأت تنزل علي كالمطر وبالكاد بدأت أرى إلى صاحب الصورة ، لم اتفرس بعينيه فأنا أعرفه هو الآخر عيناه عينان هادئتان عاش يتيما وكان وحيدا لأمه ، اتعاطف مع حالته عندما أستحضر أيام فتوته في القرية ، الظلام يزدا والأرض تزداد هي الأخرى بالإنحدار بحيث لم استطع رؤية الصورة الأخيرة على الرغم من تقديري لعدد الخطوات التي أوصلتني إليها.
مالذي حصل لي ؟ هل عم الظلام المدينة كلها ؟ أم أنني لوحدي من يعيش هذه الحالة بسبب إصراري اللعين ؟ لم تعد الأسئلة مجدية بعد ان وجدتني أمام الصورة الأخيرة التي بالكاد خمنت أنها امامي وأنا اتخبط في ذلك الظلام الثقيل.
























