زمان جديد فنجان من الرأي
تحسين عباس
لا أريد في جلستي هذه أن أطيل عليكم بما تفوهت به الأماكن والأحداث بقدر ما أريد أن نتصفحَ معاً غرائبها والأسباب التي أحالتها على هذا النحو من الاستغراب، فبعد أن ودّعنا حقبة مملوءة بالمفارقات والمفاجآت اصطحبنا التأملُ الى ما سنألفهُ بعد التغيير وما يعنينا هنا في هذه السطور هو مجال الثقافة الذي حتماً بوسعهِ فيما لو كان صحيحَ المنهج أن يتملك دفة القيادة ولكن ثمة أمر حدث وما زال يتناسلُ في أروقةِ الثقافةِ هو أن التغيير الحاصل في كل ثكنات الدولة لم يدرس دراسة موضوعية من حيث تطبيقه على كلِّ المجالات الحياتية فكان الهمُّ الوحيد هو كيفية الخلاص من الحاكم فقط ، على اعتبار انه هو العقبة الحائلة بين التطور والتراجع ، فانتشار مبدأ مارثونية الوصول بشتى الوسائل الى الهدف المنشود كان من أول الأسباب لتراجع المشهد الثقافي في العراق فاستبدال الاشتراكية المزعومة في النظام السابق بمفهوم الرأسمالية القبلية أدى الى اختلاط الأوراق في تشخيص الحالة فيما اذا كانت صحية أو مرضية ففي السابق كان تطبيق النظام الاشتراكي مزعوماً في ظاهرهِ ومُسيساً في مَيلهِ القومي أما الآن فسوء فهم النظام الرأسمالي بحيث أن معظم طبقات الشعب أخذت تفهمهُ بطريقة سلبية على أنَّه غابةٌ مارثونية فيها يتنافس المتنافسون بشتى الطرق والوسائل ، الخديعة ــ المكر ــ الاقصاء ــ التملق ــ المجاملة على حساب الحقيقة؛ فكأننا نعيش تلك الشعارات السابقة بماكياج جديد الغاية تبرر الوسيلة ولعلنا اذا توخينا دراسة العلة لرأينا أنها انطلقت من تفرج العامة من الناس الى ما هو مطروح على الساحة السياسية والاقتصادية فهم يسمعون من وسائل الاعلام أن المبلغ كذا بالمليارات تم رصده لمحافظة لا تزيد عن المليونين نسمة لم يتم استثمارهِ بالكامل وان ما تم تنفيذه لا يتجاوز المليار فأين ذهبت تلك الأموال؟ ويرون كذلك أن فلاناً الذي كان موظفاً بسيطاً في احد الدوائر الحكومية ، أصبح الآن يمتلك بيتين وسيارة فخمة فقد يكون هذا المثال فقيراً أمام كتلة من الأمثلة لكن ما يهمنا هو كشف العلة حيث أثّرت هذه الأحداث على جميع مستويات التفكير ، من المواطن الكاسب الى المثقف المتطلع … فأصبحت تفكر جميعها أن تتخذ وسيلةً كيف ما كان وجهها لتوصلها الى غايتها الثراء ،الجاه، الشهرة فمن مخلفات هذا المنحى من السلوك اجتماعياً هبوط مستوى صلة الرحم في العوائل العراقية واقتصاديا، تفشي حالات الشحاذة بكثرة بعد أن كانت تعد على الأصابع . أما على المستوى الفكري والثقافي وهذا ما نبغي الوصول اليه وعرضه على طاولة الرأي ، فاللامُبالاة التي تولدت من فوضى الوصول جعلت من الأديب الفلاني وهو يحضر احد التجمعات الأدبية أن يدنو على ركبة الناقد الفارع اعلامياً لينفض عنها غباراً لم يكن موجوداً ليتخذ معه حديثاً عن آخر نتاجاتهِ الأدبية والآخر يغدقُ مالاً كي يصل الى أحد جلاس الناقد الفلاني ليكتبَ في نصوصهِ التي عثرَ عليها الغبار منذ زمنٍ طويل وهي مركونة على رفوف المألوف ، لعلّه فكّر تفكيراً مستقبلياً حينما تعرض في نصوصهِ دراسة نقدية سترشقُ بريدهُ الالكتروني عشراتٌ من طلبات الاستكتاب وبمبالغ تفوق 50 دولاراً لكلِ مادة لأنه يعلم علم اليقين ما تبغيه الصحافة الأدبية في تطعيم مطبوعاتها بالأسماء التي يصنعها النقاد فقد يكون حَسِبها جيداً عندما خسر 500 دولار على موائد الطعام والاشربة الروحية ليكسب استمرارية استكتابه في الصحف كما يفعل ابسط مواطن يبتغي الحصول على لقمة عيشه عندما يسترشيه وسيط لوظيفة ما .. وحسب أهمية الوظيفة وما تجلبه للراشي من راتب شهري وجاه يجعلهُ معتلياً كرسيَّ الرشوة . وعلى سبيل ذكر الصحافة هناك من الصحف التي تدعي الحنكة في اختيار النصوص العالية الجودة والتي تعتمد على الأسماء الرفيعة فقط وعلى حين غفلة تقرأ فيها نصاً تافهاً لا يستحق النظر اليه وعندما تتفحص اسم الكاتب ستجده إما مسؤولاً في إحدى منظمات المجتمع المدني أو أنَّ أباه يعمل في برنامج مهم في احدى القنوات الفضائية وهكذا هي المجاملات ومدّ حبال العلاقات نراها في المهرجانات الرسمية التي تحتضن فناً أو أدباً يستقبلك من لم تلتقِ بهِ من قبل بالأحضان والقبلات وبعد السلام يقول لك أنا قرأت لك كثيراً في المواقع الالكترونية والصحف ، بعد ما يتبين أنَّه لا يحفظُ لك عنواناً واحداً … ؛ يريد استئثارك في الاهتمام به لغايات دعائية ، ولهذه الأهمية في تلاقي الوجوه الأدبية في المهرجانات تجد الكثير من أعضاء الاتحادات والنقابات يعزمون الترشيح الى العضوية الادارية فيها كي يفرزون أسماءهم دون غيرهم للمشاركة في المهرجانات المهمة ذات الولائم الدسمة والضحكات العريضة.
/4/2012 Issue 4183 – Date 25 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4183 التاريخ 25»4»2012
AZP20






















