قطعة‭ ‬مهترئة‭ ‬لزمن‭ ‬مضى‭ ‬-كامل عبدالرحيم

‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أقاوم‭ ‬إغراء‭ ‬فكرة‭ ‬الخروج‭ ‬صبيحة‭ ‬هذه‭ ‬الجمعة‭ ‬قاصدا‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬أذهب‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬لكن‭ ‬نداء‭ ‬الصديق‭ ‬علاء‭ ‬حسن‭ ‬بدد‭  ‬تحفظي‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬نعم‭ ‬لنذهب‭ ‬فيما‭ ‬كنت‭ ‬أحلق‭ ‬ذقني‭ ‬محدقا‭ ‬بوجهي‭ ‬المتعب‭ ‬فاليوم‭ ‬فقط‭ ‬كدت‭ ‬أبرأ‭ ‬من‭ ‬انفلونزا‭ ‬صيفية‭ ‬مزعجة،‭ ‬ذهبنا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬وعبرنا‭ ‬جسر‭ ‬الشهداء‭ ‬مشيا‭ ‬على‭ ‬أقدام‭ ‬منهكة‭ ‬وتحت‭ ‬شمس‭ ‬حارقة،‭  ‬تجولنا‭ ‬وافترقنا‭ ‬على‭ ‬وعد‭ ‬اللقاء‭ ‬بمكان‭ ‬معروف،‭ ‬شعرت‭ ‬بالتعب‭ ‬فجسدي‭ ‬لم‭ ‬يشف‭ ‬تماما‭  ‬وغوشت‭ ‬عيناي‭ ‬وأحسست‭ ‬بدوار،‭ ‬قررت‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المتنبي‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الزقاق‭ ‬الذي‭ ‬يصب‭ ‬قرب‭ ‬المتحف‭ ‬البغدادي،‭ ‬كان‭ ‬الزقاق‭ ‬خاليا‭ ‬تماما‭ ‬ويستكين‭ ‬بظل‭ ‬وكأنه‭ ‬مصيف،‭ ‬أردت‭ ‬الجلوس‭ ‬لأهاتف‭ ‬علاء‭ ‬وأخبره‭ ‬بعزمي‭ ‬تركه‭ ‬والذهاب‭ ‬بسيارة‭ ‬أجرة‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬غير‭ ‬كرسي‭ ‬مهمل‭ ‬متروك‭ ‬منزوع‭ ‬المساند‭ ‬والمتكأ،‭ ‬قلبته‭ ‬متفحصا‭ ‬أرجله‭ ‬فبدت‭ ‬لي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حملي،‭ ‬تهالكت‭ ‬بجسدي‭ ‬المتعب‭ ‬فاهتز‭ ‬الكرسي‭ ‬ومال‭ ‬يمينا‭ ‬وأماما‭ ‬ويسارا‭ ‬وإلى‭ ‬الخلف‭ ‬لكنه‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬فتنفست‭ ‬الصعداء،‭ ‬وكمن‭ ‬يعثر‭ ‬على‭ ‬كنز‭ ‬صرت‭ ‬أتلفت‭ ‬لأرى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬يراقبني،‭ ‬كان‭ ‬الصمت‭ ‬مطبقا،‭ ‬فكرت‭ ‬بهذا‭ ‬الكرسي‭ ‬المتداعي‭ ‬ومن‭ ‬صاحبه‭ ‬و‭ ‬أمامي‭ ‬برزت‭ ‬تلك‭ ‬القطعة‭ ‬التعريفية‭ ‬وبالكاد‭ ‬تميزت‭ ‬كلماتها،‭ ‬مقهى‭ ‬المتحف‭ ‬البغدادي‭ ‬والمقام‭ ‬العراقي،‭ 

قطعة‭ ‬متهرئة‭ ‬لزمن‭ ‬مضى‭ ‬حيث‭ ‬المكان‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬مقهى‭ ‬لقراء‭ ‬المقام‭ ‬والجالغي‭ ‬البغدادي‭. ‬كنت‭ ‬في‭ ‬جلوسي‭ ‬على‭ ‬الكرسي‭ ‬المنزوع‭ ‬المساند‭ ‬وأمامي‭ ‬تلك‭ ‬القطعة‭ ‬فتذكرت‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬الحصيري‭ ‬وبيته‭ ‬الشهير‭ 

أنا‭ ‬الإله‭ ‬وندماني‭ ‬ملائكة‭ 

والحانة‭ ‬الكون‭ ‬والجلاس‭ ‬من‭ ‬خلقوا‭.. ‬

بالأحرى‭ ‬جلستي‭ ‬وكأنها‭ ‬في‭ ‬البرزخ‭ ‬فصار‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يلوح‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬الزقاق،‭ ‬أقصد‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬المتعامد‭ ‬مع‭ ‬شارع‭ ‬الرصافي،‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬عائلة‭ ‬فظننتها‭ ‬تستفهم‭ ‬عن‭ ‬الزقاق‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬سالكا‭ ‬ويؤدي‭ ‬للمتنبي‭ ‬فأشرت‭ ‬بأن‭ ‬هلموا‭ ‬ولما‭ ‬وصلوني‭ ‬فهمت‭ ‬أنهم‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬المتحف‭ ‬البغدادي‭ ‬فاعتذرت‭ ‬منهم‭ ‬واشرت‭ ‬لهم‭ ‬بباب‭ ‬المتحف،‭ ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬ثلاثة‭ ‬شباب‭ ‬لكني‭ ‬تريثت‭ ‬حتى‭ ‬أفهم‭ ‬تساؤلهم‭ ‬وكانوا‭ ‬يقصدون‭ ‬المتنبي‭ ‬فلوحت‭ ‬لهم‭ ‬بأن‭ ‬الزفاق‭ ‬يؤدي،‭ ‬فتحت‭ ‬حقيبتي‭ ‬لشرب‭ ‬جرعة‭ ‬ماء‭ ‬وتحسست‭ ‬الكتيبين‭ ‬الوحيدين‭ ‬اللذين‭ ‬قمت‭ ‬بشرائهما‭ ‬من‭ ‬المتنبي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تريثت‭ ‬الشراء‭ ‬لقرب‭ ‬موعد‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭. ‬

كان‭ ‬الكتابان‭ ‬لفاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬ومن‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬نشر‭ ‬فقلبت‭ ‬الأول‭ ‬وعنوانه‭( ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الجنون‭ ) ‬فأخذت‭ ‬بقراءة‭ ‬مقدمته‭ ‬وفهرسه‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬علاء‭ ‬مسرعا‭ ‬ولما‭ ‬أوصلني‭ ‬للبيت‭ ‬تابعت‭ ‬قراءة‭ ‬كتاب‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭. ‬

مازال‭ ‬العزاوي‭ ‬يكتب‭ ‬بروح‭ ‬وثابة‭ ‬شابة‭ ‬ويتقصد‭ ‬إيصالها‭ ‬لجمهور‭ ‬أوسع‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بجمالياتها‭ ‬وبلاغتها،‭ ‬كاتب‭ ‬لا‭ ‬يتحذلق‭ ‬همه‭ ‬إيصال‭ ‬روح‭ ‬فكرته‭ ‬وكأنه‭ ‬صاحب‭ ‬قضية‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭  ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الكتيب‭ ‬مجموعة‭ ‬وصلات‭ ‬لكنه‭ ‬يفي‭ ‬بغرضه‭ ‬وهو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬البيان‭ ‬والصرخة‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬لايشيخ‭ ‬وحالم‭ ‬لا‭ ‬يستسلم‭  ‬وفيه‭ ‬يتحدث‭ ‬بتركيز‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فهو‭ ‬وضع‭ ‬عنوانا‭ ‬ثانيا‭ ‬لكتابه‭( ‬رؤيا‭ ‬فكرية‭ ).. ‬

يسدد‭ ‬سهام‭ ‬نقده‭ ‬إلى‭ ‬الآيدولوجيا‭  ‬وبالطبع‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬ستالين‭ ‬نموذجا‭ ‬فيكتب‭ 

‭( ‬لقد‭ ‬ارتكب‭ ‬ستالين‭ ‬باسم‭ ‬الماركسية‭ ‬جرائم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬القياصرة‭ ‬الذين‭ ‬سبقوه‭ ‬مجتمعين‭.‬إن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬القيصري‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الستاليني‭ ‬لكنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬النظام‭ ‬القيصري‭ ‬كانت‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬طغيان‭ ‬يستمد‭ ‬تبريره‭ ‬من‭ ‬دفاع‭ ‬طبقة‭ ‬تضع‭ ‬نفسها‭ ‬فوق‭ ‬الشعب‭….‬أما‭ ‬جرائم‭ ‬ستالين‭ ‬فكانت‭ ‬تستمد‭ ‬تبريرها‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الشعب‭ ‬نفسه‭ ) 

وينتهي‭ ‬بالقول‭ ‬عن‭ ‬الثورات‭ ‬قائلا‭ 

‭( ‬الثورات‭ ‬ترتبط‭ ‬بالحلم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬ينبغي‭ ‬هدمه‭.‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يكاد‭ ‬أبناء‭ ‬الثورة‭ ‬يقيمون‭ ‬سلطتهم‭ ‬حتى‭ ‬يكفون‭ ‬عن‭ ‬الحلم‭ ).  ‬ويستطرد‭ ‬بأمثلته‭ ‬فيطير‭ ‬صوب‭ ‬الماضي‭ ‬لتأكيد‭ ‬رؤيته‭ ( ‬كان‭ ‬المسيحيون‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬يلقى‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬الأسود‭ ‬التي‭ ‬تفترسهم‭ ‬في‭ ‬الحلبة‭ ‬يصلون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خلاص‭ ‬أرواح‭ ‬أعدائهم،‭ ‬غافرين‭ ‬لهم‭ ‬ذنوبهم‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬كادت‭ ‬الكنيسة‭ ‬تمتلك‭ ‬السلطة،‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬حتى‭ ‬راحت‭ ‬تحرق‭ ‬الأبرياء‭ ‬أحياء‭ ) ‬وبذلك‭ ‬أحرقت‭ ‬الكنيسة‭ ‬مالايقل‭ ‬عن‭ ‬خمسين‭ ‬مليون‭ ‬رجل‭ ‬وامراة‭ ‬بدعوى‭ ‬ممارسة‭ ‬السحر‭. 

وينتهي‭ ‬بالقول‭ ‬عن‭ ‬الظاهرة‭ ‬الستالينية‭ ‬وأثرها‭ ‬المدمر‭ (‬هذا‭ ‬المثال‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬ثورة‭ ‬أوكتوبر‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1917‭ ‬لم‭ ‬يخرب‭ ‬الروح‭ ‬الإنسانية‭ ‬لثورة‭ ‬أوكتوبر‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬حمل‭ ‬المرض‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬وإلى‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬بالذات‭). 

وبالطبع‭ ‬لا‭ ‬ينسى‭ ‬العزاوي‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬بتفاصيل‭ ‬أزمته‭ ‬السياسية‭ ‬بالطبع‭ ‬لكنه‭ ‬يورد‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬سأنقلها‭ ‬كما‭ ‬هي‭  (‬حينما‭ ‬أعتقل‭ ‬فاضل‭ ‬الجمالي،‭ ‬وهو‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحكم‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬14‭ ‬تموز،‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬الضابط‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬يديه،‭ ‬وهي‭ ‬قيود‭ ‬أمريكية‭ ‬كان‭ ‬الجمالي‭ ‬قد‭ ‬اشتراها‭ ‬بنفسه‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بنفسه‭ : (( ‬هل‭ ‬اشتريت‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬لتضعها‭ ‬في‭ ‬معاصمنا‭ ‬نحن‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار؟‭)) ‬رد‭ ‬عليه‭ ‬الجمالي‭ ‬بكل‭ ‬برود‭: (( ‬بل‭ ‬اشتريتها‭ ‬لتقيدوني‭ ‬بها‭ .

يكتب‭ ‬العزاوي‭ ‬في‭ ( ‬رؤيته‭ ‬الفكرية‭ ) ‬هذه‭ ‬بلغة‭ ‬مفهومة‭ ‬وكلمات‭ ‬دقيقة‭ ‬وبسيطة‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اسلوبه‭ ‬الخاص‭ ‬المتميز‭ ‬فمثلما‭ ‬يسمي‭ ‬ثورة‭ ‬أو‭ ‬كتوبر‭ ‬باسمها‭ ‬لينتقد‭ ‬بعدها‭  ‬الستالينية‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتحذلق‭ ‬مثل‭ ‬البعض‭ ‬فيسمي‭ ‬ثورة‭ ‬14‭ ‬تموز‭ ‬بوصفها‭ ‬لينتقل‭ ‬بنقده‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬قائدها‭ ‬مسميا‭ ‬إياه‭ ‬باسمه‭( ‬الزعيم‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭). ‬ويتحدث‭ ‬عن‭ ‬القاعدة‭ ‬الريفية‭ ‬للحاكم‭ ‬العربي‭ ‬فيقول‭( ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬والعالم‭ ‬المتخلف‭ ‬لا‭ ‬يصعب‭ ‬على‭( ‬البطل‭ ‬‭) ‬القادم‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬دبابة‭ (‬أمريكية‭ ‬أم‭ ‬روسية‭ )‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬قاعدته‭ ‬الجماهيرية‭ ‬الخاصة‭ ‬به،‭ ‬تلك‭ ‬القاعدة‭ ‬ذات‭ ‬الأصول‭ ‬الفلاحية‭ ‬والتي‭ ‬يخلقها‭ ‬الذل‭ ‬والفقر‭ ‬والتعاسة‭.  ‬هذا‭ ‬الحاكم‭ ‬الجديد‭ ‬يعمد‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬دمغ‭ ‬دولته‭ ‬بالطابع‭ ‬الريفي،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬ينتقم‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬غريبة‭ ‬عليه‭.  ‬تظهر‭ ‬التجربة‭ ‬العراقية‭ ‬أن‭ ‬الأصول‭ ‬الفلاحية‭ ‬للقادة‭ ‬الانقلابيين‭ ‬ظلت‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬ميلهم‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬الريفية‭( ‬أغاني‭ ‬الريف،‭ ‬أغاني‭ ‬الغجر،‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي،‭ ‬الفولكلور‭ ) ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الريف‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المتخلف‭ ‬كله‭ ‬مازال‭ ‬المنتج‭ ‬الأكبر‭ ‬للتعساء‭ ‬المستعدين‭ ‬لبيع‭ ‬أنفسهم‭ ‬إلى‭ ‬الشيطان‭ ‬لقاء‭ ‬كسرة‭ ‬خبز‭  ). ‬

وبالطبع‭  ‬لا‭ ‬يهمل‭ ‬العزاوي‭ ‬أزمة‭ ‬الثقافة‭ ‬ليكتب‭ 

‭(‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬معقدة‭ ‬حقا‭. ‬فالأزمة‭ ‬لاتكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬محتوى‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬وما‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقوله،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬شرطها‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬سياسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مغيرة،‭ ‬مالم‭ ‬يثق‭ ‬الناس‭ ‬بها‭ ‬ويؤمنوا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمامهم‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ) 

وينتهى‭ ‬برؤية‭ ‬تلخص‭ ‬كثيفا‭ ‬وضع‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬بالقول‭ 

‭( ‬ومثلما‭ ‬يوجد‭ ‬حكام‭ ‬مغتصبون‭ ‬للسلطة،‭ ‬يوجد‭ ‬كتاب‭ ‬مغتصبون‭ ‬للثقافة،‭ ‬يستمدون‭ ‬قوتهم‭ ‬من‭ ‬مؤاخاة‭ ‬التضليل‭..) ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬هنا‭ ‬بالضبط‭. ‬

لعل‭ ‬أهم‭ ‬خطوة‭ ‬معقولة‭ ‬للثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أرادت‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ( ‬ضلالتها‭ ) ‬هي‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬المصالحة‭ ‬والتكريم‭ ‬وإعادة‭ ‬التقييم‭ ‬والدعوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لفاضل‭ ‬العزاوي،‭ ‬ومن‭ ‬الممكن‭ ‬إضافة‭ ‬اسم‭ ‬الشاعر‭ ‬صلاح‭ ‬فائق‭ ‬هنا‭. 

وقد‭ ‬يكون‭ ‬العزاوي‭ ‬مازال‭ ‬منتظرا‭ ‬هذا‭ ‬بأمل‭ ‬يائس‭ ‬أخير‭  

‭(‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬مديح‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬كلها،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬احترامي‭ ‬للدور‭ ‬الذي‭ ‬افترض‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬يمتلكه‭ ‬قد‭ ‬كلفني‭ ‬منفى،‭ ‬مازال‭ ‬مستمرا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬منفى‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ) 

هذه‭ ‬القد‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬مازال‭ ‬يأمل‭ ‬بإعادة‭ ‬اعتباره‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬واسترداد‭ ‬بيته‭ ‬السليب‭ ‬وهذه‭ ‬القد‭ ‬دعوة‭ ‬للمتصدرين‭ ‬لثقافة‭( ‬الأضاليل‭ ) ‬العراقية‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بتلك‭ ‬الخطوة‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أعتقدها‭  ‬مشلولة‭ ‬لا‭ ‬تخطو‭ ‬بل‭ ‬تحبو‭ ‬راكعة‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬الحاكم‭. ‬