
كان علي أن أقاوم إغراء فكرة الخروج صبيحة هذه الجمعة قاصدا شارع المتنبي حيث لم أذهب منذ وقت طويل لكن نداء الصديق علاء حسن بدد تحفظي فقلت له نعم لنذهب فيما كنت أحلق ذقني محدقا بوجهي المتعب فاليوم فقط كدت أبرأ من انفلونزا صيفية مزعجة، ذهبنا على كل حال وعبرنا جسر الشهداء مشيا على أقدام منهكة وتحت شمس حارقة، تجولنا وافترقنا على وعد اللقاء بمكان معروف، شعرت بالتعب فجسدي لم يشف تماما وغوشت عيناي وأحسست بدوار، قررت الخروج من المتنبي من ذلك الزقاق الذي يصب قرب المتحف البغدادي، كان الزقاق خاليا تماما ويستكين بظل وكأنه مصيف، أردت الجلوس لأهاتف علاء وأخبره بعزمي تركه والذهاب بسيارة أجرة ولم أجد غير كرسي مهمل متروك منزوع المساند والمتكأ، قلبته متفحصا أرجله فبدت لي قادرة على حملي، تهالكت بجسدي المتعب فاهتز الكرسي ومال يمينا وأماما ويسارا وإلى الخلف لكنه استقر في النهاية فتنفست الصعداء، وكمن يعثر على كنز صرت أتلفت لأرى إن كان أحد يراقبني، كان الصمت مطبقا، فكرت بهذا الكرسي المتداعي ومن صاحبه و أمامي برزت تلك القطعة التعريفية وبالكاد تميزت كلماتها، مقهى المتحف البغدادي والمقام العراقي،
قطعة متهرئة لزمن مضى حيث المكان كان يوما مقهى لقراء المقام والجالغي البغدادي. كنت في جلوسي على الكرسي المنزوع المساند وأمامي تلك القطعة فتذكرت الشاعر عبد الأمير الحصيري وبيته الشهير
أنا الإله وندماني ملائكة
والحانة الكون والجلاس من خلقوا..
بالأحرى جلستي وكأنها في البرزخ فصار هناك من يلوح لي من نهاية الزقاق، أقصد من فمه المتعامد مع شارع الرصافي، فعلت ذلك عائلة فظننتها تستفهم عن الزقاق وإن كان سالكا ويؤدي للمتنبي فأشرت بأن هلموا ولما وصلوني فهمت أنهم يبحثون عن المتحف البغدادي فاعتذرت منهم واشرت لهم بباب المتحف، نفس الشيء حصل مع ثلاثة شباب لكني تريثت حتى أفهم تساؤلهم وكانوا يقصدون المتنبي فلوحت لهم بأن الزفاق يؤدي، فتحت حقيبتي لشرب جرعة ماء وتحسست الكتيبين الوحيدين اللذين قمت بشرائهما من المتنبي بعد أن تريثت الشراء لقرب موعد معرض الكتاب.
كان الكتابان لفاضل العزاوي ومن آخر ما نشر فقلبت الأول وعنوانه( مئة عام من الجنون ) فأخذت بقراءة مقدمته وفهرسه حتى جاء علاء مسرعا ولما أوصلني للبيت تابعت قراءة كتاب فاضل العزاوي.
مازال العزاوي يكتب بروح وثابة شابة ويتقصد إيصالها لجمهور أوسع مع الاحتفاظ بجمالياتها وبلاغتها، كاتب لا يتحذلق همه إيصال روح فكرته وكأنه صاحب قضية وهو كذلك ورغم أن الكتيب مجموعة وصلات لكنه يفي بغرضه وهو أقرب إلى البيان والصرخة من شاعر لايشيخ وحالم لا يستسلم وفيه يتحدث بتركيز عن كل شيء وعلى كل حال فهو وضع عنوانا ثانيا لكتابه( رؤيا فكرية )..
يسدد سهام نقده إلى الآيدولوجيا وبالطبع يتخذ من ستالين نموذجا فيكتب
( لقد ارتكب ستالين باسم الماركسية جرائم أكثر من جميع القياصرة الذين سبقوه مجتمعين.إن هذا لا يعني أن النظام القيصري كان أفضل من النظام الستاليني لكنه يشير إلى أن جرائم النظام القيصري كانت ناتجة عن طغيان يستمد تبريره من دفاع طبقة تضع نفسها فوق الشعب….أما جرائم ستالين فكانت تستمد تبريرها من حق الشعب نفسه )
وينتهي بالقول عن الثورات قائلا
( الثورات ترتبط بالحلم في مواجهة واقع ينبغي هدمه.ولكن ما يكاد أبناء الثورة يقيمون سلطتهم حتى يكفون عن الحلم ). ويستطرد بأمثلته فيطير صوب الماضي لتأكيد رؤيته ( كان المسيحيون الأوائل الذين يلقى بهم إلى الأسود التي تفترسهم في الحلبة يصلون من أجل خلاص أرواح أعدائهم، غافرين لهم ذنوبهم. ولكن ما كادت الكنيسة تمتلك السلطة، القرون الوسطى، حتى راحت تحرق الأبرياء أحياء ) وبذلك أحرقت الكنيسة مالايقل عن خمسين مليون رجل وامراة بدعوى ممارسة السحر.
وينتهي بالقول عن الظاهرة الستالينية وأثرها المدمر (هذا المثال الذي قدمته ثورة أوكتوبر في روسيا بعد فترة وجيزة من الاستيلاء على السلطة في العام 1917 لم يخرب الروح الإنسانية لثورة أوكتوبر وحدها، وإنما حمل المرض إلى العالم كله وإلى العالم الثالث بالذات).
وبالطبع لا ينسى العزاوي الوضع في العراق وإن لم يدخل بتفاصيل أزمته السياسية بالطبع لكنه يورد هذه القصة التي سأنقلها كما هي (حينما أعتقل فاضل الجمالي، وهو رئيس وزراء سابق في ظل الحكم الملكي في العراق، بعد ثورة 14 تموز، قال له الضابط الذي وضع القيود في يديه، وهي قيود أمريكية كان الجمالي قد اشتراها بنفسه قبل ذلك بنفسه : (( هل اشتريت هذه القيود لتضعها في معاصمنا نحن الضباط الأحرار؟)) رد عليه الجمالي بكل برود: (( بل اشتريتها لتقيدوني بها .
يكتب العزاوي في ( رؤيته الفكرية ) هذه بلغة مفهومة وكلمات دقيقة وبسيطة مع الحفاظ على اسلوبه الخاص المتميز فمثلما يسمي ثورة أو كتوبر باسمها لينتقد بعدها الستالينية فهو لا يتحذلق مثل البعض فيسمي ثورة 14 تموز بوصفها لينتقل بنقده إلى تجربة قائدها مسميا إياه باسمه( الزعيم عبد الكريم قاسم). ويتحدث عن القاعدة الريفية للحاكم العربي فيقول( في الوطن العربي والعالم المتخلف لا يصعب على( البطل ) القادم على ظهر دبابة (أمريكية أم روسية )أن يخلق قاعدته الجماهيرية الخاصة به، تلك القاعدة ذات الأصول الفلاحية والتي يخلقها الذل والفقر والتعاسة. هذا الحاكم الجديد يعمد دائما إلى دمغ دولته بالطابع الريفي، كما لو أنه ينتقم من المدينة التي تظل غريبة عليه. تظهر التجربة العراقية أن الأصول الفلاحية للقادة الانقلابيين ظلت تؤثر في ميلهم إلى الثقافة الريفية( أغاني الريف، أغاني الغجر، الشعر الشعبي، الفولكلور ) ولكن الأهم من ذلك هو أن الريف في العالم المتخلف كله مازال المنتج الأكبر للتعساء المستعدين لبيع أنفسهم إلى الشيطان لقاء كسرة خبز ).
وبالطبع لا يهمل العزاوي أزمة الثقافة ليكتب
(أن أزمة الثقافة العربية معقدة حقا. فالأزمة لاتكمن فقط في محتوى هذه الثقافة وما تريد أن تقوله، ولكن أيضا في شرطها الخارجي، وهو شرط سياسي واجتماعي قبل كل شيء، ولا يمكن أن تتحول الثقافة العربية إلى قوة اجتماعية مغيرة، مالم يثق الناس بها ويؤمنوا بقدرتها على قول ما يفتح الطريق أمامهم إلى المستقبل )
وينتهى برؤية تلخص كثيفا وضع الثقافة العراقية بالقول
( ومثلما يوجد حكام مغتصبون للسلطة، يوجد كتاب مغتصبون للثقافة، يستمدون قوتهم من مؤاخاة التضليل..) وهو ما يحصل هنا بالضبط.
لعل أهم خطوة معقولة للثقافة العراقية إذا ما أرادت الخروج من ( ضلالتها ) هي مد يد المصالحة والتكريم وإعادة التقييم والدعوة الأخيرة لفاضل العزاوي، ومن الممكن إضافة اسم الشاعر صلاح فائق هنا.
وقد يكون العزاوي مازال منتظرا هذا بأمل يائس أخير
(فعلى الرغم من أنني لم أكتب قصيدة مديح واحدة في حياتي كلها، وعلى الرغم من احترامي للدور الذي افترض أن الشعر يمتلكه قد كلفني منفى، مازال مستمرا منذ عقود طويلة، منفى قد يستمر إلى الأبد )
هذه القد تعني أن الشاعر مازال يأمل بإعادة اعتباره في وطنه واسترداد بيته السليب وهذه القد دعوة للمتصدرين لثقافة( الأضاليل ) العراقية أن تقوم بتلك الخطوة وإن كنت أعتقدها مشلولة لا تخطو بل تحبو راكعة في ديوان الحاكم.
























