حين‭ ‬تمشي‭ ‬الأندلس‭ ‬معاً-د. فاروق الدباغ

لم‭ ‬يكن‭ ‬الطريق‭ ‬يشبه‭ ‬طريقاً‭ ‬عادياً‭.‬

كان‭ ‬يبدو‭ ‬وكأن‭ ‬الأندلس‭ ‬كلها‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬بيوتها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭.‬

على‭ ‬امتداد‭ ‬الكيلومترات،‭ ‬رجال‭ ‬ونساء‭ ‬وأطفال‭ ‬يسيرون‭ ‬ببطء‭ ‬خلف‭ ‬الخيول‭ ‬والعربات‭ ‬القديمة،‭ ‬فيما‭ ‬يتصاعد‭ ‬الغبار‭ ‬الذهبي‭ ‬تحت‭ ‬أقدامهم‭ ‬كأنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬طقس‭ ‬سري‭ ‬عمره‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭.‬

لا‭ ‬موسيقى‭ ‬صاخبة،‭ ‬ولا‭ ‬شعارات‭ ‬سياسية،‭ ‬ولا‭ ‬شاشات‭ ‬هواتف‭ ‬تبتلع‭ ‬الوجوه‭.‬

فقط‭ ‬بشر‭ ‬يمشون‮…‬‭ ‬وكأنهم‭ ‬يحاولون‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬كاحتفال‭ ‬ديني‭ ‬شعبي‭ ‬قديم،‭ ‬لكن‭ ‬الطريق‭ ‬نفسه‭ ‬يكشف‭ ‬شيئاً‭ ‬أعمق‭ ‬بكثير‭.‬

فهنا‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬الناس‭ ‬حقائبهم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحملون‭ ‬أيضاً‭ ‬تعب‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة‭: ‬الوحدة،‭ ‬والقلق،‭ ‬والعزلة،‭ ‬والإرهاق‭ ‬النفسي،‭ ‬والحنين‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬يعرف‭ ‬فيه‭ ‬جاره‭ ‬ويجلس‭ ‬مع‭ ‬الغرباء‭ ‬دون‭ ‬خوف‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬ربيع،‭ ‬تترك‭ ‬الأندلس‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬حداثتها‭ ‬خلفها،‭ ‬وتعود‭ ‬لتسير‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬قرون‭.‬

آلاف‭ ‬البشر‭ ‬يتحركون‭ ‬ببطء‭ ‬عبر‭ ‬الطرق‭ ‬الترابية‭ ‬الممتدة‭ ‬نحو‭ ‬الجنوب،‭ ‬تتقدمهم‭ ‬الخيول‭ ‬والعربات‭ ‬القديمة،‭ ‬فيما‭ ‬تختلط‭ ‬أصوات‭ ‬الغناء‭ ‬بالفلامنكو‭ ‬ورائحة‭ ‬الطعام‭ ‬الجماعي‭ ‬ودفء‭ ‬الحياة‭ ‬الريفية‭ ‬التي‭ ‬نجت،‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

المشهد‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬احتفالاً‭ ‬دينياً‭ ‬خالصاً،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬طقساً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬عميقاً‭ ‬لاستعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة‭.‬

فهنا‭ ‬يسير‭ ‬المتقاعد‭ ‬بجانب‭ ‬الشاب،‭ ‬والعائلة‭ ‬بجانب‭ ‬الغرباء،‭ ‬والمؤمن‭ ‬بجانب‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬فقط‭ ‬ليشعر‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬وحدته‭ ‬اليومية‭.‬

هذا‭ ‬المزيج‭ ‬المدهش‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬الشعبي،‭ ‬والهوية‭ ‬الأندلسية،‭ ‬والفروسية،‭ ‬والفلامنكو،‭ ‬والاجتماع‭ ‬العائلي،‭ ‬والاحتفال‭ ‬الجماعي،‭ ‬يصنع‭ ‬عالماً‭ ‬كاملاً‭ ‬على‭ ‬الطريق‭.‬

ترى‭ ‬الغناء‭ ‬والرقص‭ ‬والطبخ‭ ‬الجماعي‭ ‬والتخييم‭ ‬ومواكب‭ ‬الخيول‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬الغابات‭ ‬والحقول،‭ ‬وكأن‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة‭ ‬ليعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

في‭ ‬الليل‭ ‬تتحول‭ ‬الحقول‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الضوء‭ ‬والأغاني‭ ‬والخيام،‭ ‬ويبدو‭ ‬وكأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأندلسي‭ ‬يعيد‭ ‬ترميم‭ ‬ذاكرته‭ ‬الجماعية‭ ‬عبر‭ ‬المشي‭ ‬والرفقة‭ ‬والطريق‭ ‬الطويل‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يقدم‭ ‬محاضرات‭ ‬عن‭ ‬السلام‭ ‬النفسي،‭ ‬لكن‭ ‬السلام‭ ‬يحدث‭ ‬فعلاً‭.‬

يحدث‭ ‬في‭ ‬الضحكة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وفي‭ ‬تعب‭ ‬الأقدام،‭ ‬وفي‭ ‬صوت‭ ‬الغيتار‭ ‬البعيد،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الغريب‭ ‬بأن‭ ‬البشر‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬مرافقة‭ ‬بعضهم‭ ‬دون‭ ‬مصالح‭.‬

وربما‭ ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يشارك‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬متعددة‭ ‬أيضاً،‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬متعلقاً‭ ‬بالعقيدة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بالحاجة‭ ‬الإنسانية‭ ‬القديمة‭ ‬للانتماء‭.‬

فالإنسان،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬قوياً،‭ ‬يحتاج‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬قافلة‭ ‬تمشي‭ ‬معه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬ينهار‭ ‬بصمت‭.‬

وفي‭ ‬زمنٍ‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬المدن‭ ‬مزدحمة‭ ‬بالبشر‭ ‬وفقيرة‭ ‬بالعلاقات،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬وكأنها‭ ‬تذكير‭ ‬قديم‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يتعافى‭ ‬وحده‮…‬

بل‭ ‬يتعافى‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يمشي‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الطريق‭.‬