

جماليات الأبعاد والدلالات.. مقاربة نقدية في كتاب العين والحاجب: محمّد صابر عبيد في قبضة الأسئلة
أمل عمر اللهيبي
لا يقتصر دور العنوان في الأعمال الأدبية والفكرية على كونه مجرد لافتة تشير إلى المحتوى، بل يتجاوز ذلك ليصبح عتبة النص الأولى، والمفتاح السري الذي يشرع أبواب المعنى أمام القارئ وفي هذا السياق يبرز عنوان (العين والحاجب) كواحد من العناوين ذات الوقع البلاغي الساحر، حيث لا يكتفي بجذب الانتباه بل يستدعي فوراً في ذائقة المتلقي العربي إرثاً لغوياً وثقافياً عميقاً محملاً بالدلالات والرموز.
ففي هذا الفضاء الحميمي الممتد بين العين والحاجب يتجلى حضور الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد ليس فقط كمحاور؛ بل كصانع معرفة يمزج بين دقة الناقد وشغف السارد، إذ جاءت إجاباته في هذه الحوارات بمثابة امتداد طبيعي لهذه المسافة الصفرية؛ حيث لم يقف عند حدود الإجابات التقليدية الجافة، بل حوّل الأسئلة إلى منصات للتنقيب المعرفي والبوح الإنساني، تنوعت طروحاته بمرونة فائقة لتشمل تفكيك المفاهيم النقدية المعقدة بأسلوب سلس، وتقديم شهادات معرفية تعكس عمق تجربته الأكاديمية الطويلة، غير أن البعد الأكثر جاذبية في هذا المنجز يكمن في تلك المساحات التي أفردها عن تجربته الروائية في روايته (خطأ مقصود) والسيرة الذاتية، حيث تحولت الإجابات إلى مرآة عاكسة لتفاصيل حياته ومحطات تكوينه الثقافي والتحولات الفكرية التي عاصرها.
لقد نجح الدكتور محمد صابر عبيد في إلغاء الفواصل بين الموضوعي والذاتي، فبينما كان يناقش أحدث النظريات النقدية كان يعود بالقارئ إلى ينابيع طفولته وبدايات شغفه بالقراءة والكتابة، هذا التداخل الفريد جعل من الكتاب وثيقة إنسانية ونقدية في آن واحد، تؤكد أن النقد لديه ليس مجرد مهنة بل هو أسلوب حياة، ورؤية وجودية تولد من المسافة الأقرب بين الفكر والذات.
يستمد هذا العنوان جماليته الأولى من استدعائه المباشر للتعبير العربي الأصيل: بين العين والحاجب، هذا التعبير الذي نستخدمه في أدبياتنا ويومياتنا للإشارة إلى المسافة الأقرب، والأشد التصاقاً، والمنطقة التي تنعدم فيها الفواصل، إن اختيار هذا التعبير يعطي انطباعاً أولياً بأننا لسنا أمام نصوص عابرة أو سطحية، بل نحن بصدد الدخول إلى مساحة حميمية جداً، مساحة تقترب من الذات المفكرة إلى حد الالتصاق.
إذا أمعنا النظر في الرمزية المادية لكل من العين والحاجب، سنجد أنفسنا أمام ثنائية تكاملية مذهلة:
• العين: هي نافذة الروح وأداة البصر ورمز البصيرة والرؤية العميقة للأشياء، إنها تمثل الفكرة في أنقى صورها، والمبدع في أصدق تجلياته.
• الحاجب: هو الإطار الذي يحيط بالعين، يحميها ويبرز جمالها، وهو في الوقت ذاته أداة التعبير الأبرز عن الانفعالات البشرية (كالدهشة، التساؤل، والشك).
في سياق الحوارات الفكرية، يمكننا أن نرى المُحاوِر أو الأسئلة في موضع الحاجب؛ فهي تحيط برؤية المبدع (العين)، تستفزها وتحميها من السطحية وتبرز مكامن الجمال والعمق فيها.
يوحي هذا العنوان بذكاء بالغ بأن المحاور لا يقف على مسافة آمنة أو بعيدة من ضيفه أو موضوعه، بل يقتحم بلطف ومهارة تلك المناطق الحسّاسة والدقيقة في الفكر والإبداع، فالأسئلة المطروحة تحت هذه المظلة ليست أسئلة تقليدية؛ بل هي أسئلة تقف في أقرب نقطة ممكنة من البصيرة.
وكما أن العين لا تكتمل رؤيتها الواضحة إلا بحماية الحاجب من الشوائب، فإن الأفكار العظيمة لا تتجلى بكامل لمعانها إلا بوجود أسئلة دقيقة وذكية وقريبة جداً من نبض المبدع، فهي لا تستجوب؛ بل تستكشف ولا تهاجم؛ بل تلامس برفق تلك المنطقة الفاصلة بين ما يقال علناً وما يُضمر في العقل الباطن، إن العلاقة بين العين والحاجب هي علاقة عضوية لا انفصال فيها، وهو ما يعكس طبيعة الحوارات التي يضمها هذا السياق، الكاتب هنا يخبرنا ضمنياً أن رحلته مع ضيوفه أو أفكاره هي رحلة شراكة متكاملة لا توجد تراتبية أو فوقية في هذا الطرح؛ بل يوجد تلاحم وتوافق، المحاور يطرح سؤاله (يرفع حاجبه دهشةً وتنقيباً)، لترد عليه الرؤية (تتسع العين استبصاراً وكشفاً).
في النهاية يمثل عنوان (العين والحاجب) اختياراً موفقاً ومكثفاً يختزل في طياته منهجية كاملة في الطرح والتناول، إنه وعدٌ للقارئ بأنه مقبل على وجبة فكرية دسمة تمسّ جوهر الأشياء لا قشورها، وتقترب من قلب الحقيقة ومنابع الإبداع بمسافة لا تتجاوز تلك الشعرة الرقيقة الفاصلة بين العين وحاجبها.
السعودية/مكة المكرمة
























