
كردستان العراق .. الإرادة والإدارة في ميزان السياسة الرشيدة – لويس إقليمس
بدأت الرحلة الشاقة بخطى سديدة وحثيثة منذ عقود سالفات. وكانت ومازالت مفعمة بحسن الإدارة وطيب الإرادة وصدق النوايا، ما جعل غالبية الأمل والحلم يتحققان بنسبة كبيرة. ولم يبقى في الأفق إلاّ إكمال مشوار النضال بلوغًا لأفضل النتائج في المسيرة. كانت الرؤية واضحة والأهداف ماثلة في كل خطوة ساقت المناضلين القدماء نحو تحقيق أفضل النتائج في المسيرة المتواصلة لغاية الساعة، مهما تعرضت لإيجابيات أو سلبيات في التخطيط والتنفيذ والتطبيق والرؤية. ولعلَّ في الجعبة الكثير في قوادم الأيام والسنين! وكل هذا بفضل الاستناد إلى أسس قوية لتعزيز المكتسبات عبر سنوات النضال المحفوفة في أغلبها بشتى المخاطر وصولاً لتحقيق مكانة ريادية على صعيد بناء “وطن خاص” أو “إقليم بخصائص معينة” كان وما يزال يحلم به المؤمنون بتاريخ القدامى الأوّلين النضالي وبتواصل شكل هذا النضال في الزمن القائم الذي لا يخلو من مطبات ومحدِّدات ومناكفات ونزاعات واختلافات بائنة في الرأي والأداء والأهداف. وطالما كانت الأهداف والنوايا والإرادات واضحة وحثيثة والإدارة سديدة ومؤمَّنة سياسيًا على صعيد الجبهة الداخلية، فلا خوف على أية خطوة إضافية جريئة تسعى لترسيخ مكانة الإقليم وشعب كردستان بحكومة رائدة وواعية وناضجة في صناعة وطن ذي خصائص متميزة وبناء دولة وإدارتها وفق استراتيجية وخطط منفتحة على العالم، انطلاقًا من ضرورات المشاركة الصحيحة بين شركاء الوطن.
قيادات الاقليم
ومهما قيل ويُقال من انتقادات واتهامات بسعي قيادات الإقليم لانتهاز الفرص وفرض الرؤى وليّ الأذرع لباقي الشركاء في إدارة الدولة، فهذا من الحسنات التي تُحسب بأية قيادة حكيمة وحريصة على مستقبل مواطنيها فيما تسعى للأفضل والأحسن والأشرف لبقعتها الجغرافية وشعبها الذي طال انتظارُه لحصد النتائج الطيبة وتحقيق الرفاهة والاستقرار بعد سنوات الضنك والمآسي والأزمات والصعوبات والجوع والحرمان. هذه هي كردستان، الإرادة والإدارة التي أضحت ملاذًا للباحثين عن تقدير الذات واحترام الآخر وخياراته في الحياة وحرية العيش مقارنة مع ماهو قائم في عموم البلاد، بغض الطرف عن سلبياتٍ قائمة في نظام الحكم الذي يوحي بشكل من أشكال الإقطاع ونموذج الحكم العائلي فيما يخص الحزبين الرئيسيين في الإقليم!
بدأنا نشهد لأحداث جميلة وخطى جديدة من التعاون والشراكة بين الإقليم والمركز في مناسبات عديدة بعد أن كانت في السابق تتعثر وتختبئ خلف جدران سميكة من الخجل والخوف والتردّد وشيء من الشكوك التي ماتزال ماثلة لغاية الساعة. فمشاركة قيادات بارزة ورئيسية من حكومة الإقليم وأحزاب السلطة المتمكنة فيها في أنشطة الحكومة الفدرالية أي في الدولة العراقية، دلائل على سداد هذه الخطى وقدرة قيادات الإقليم في التأثير بمجريات الأحداث والتطورات السياسية على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي سواءً بسواء. وهذا من الإيجابيات في مفهوم هذه الشراكة التي إن صدقت النوايا لدى أطراف الدولة الحاكمة والإقليم معًا، فإنها ستقود البلاد وأهلَ العراق إلى ميناء السلام والاستقرار النسبي والتكامل والتعاون والبناء الإيجابي، كي يعرف كلّ ذي حقٍّ حقَّه في بناء الوطن وتوجيه الشعب وثروات البلاد نحو ما يبني الإنسان والحجر ويؤسّس لدولة المواطنة والعدالة والمساواة، وليس لدولة “حارة كلّ مَن يدُه له”، أي دولة الانفلات والفوضى والارتجال، كما يحلو لأحزاب السلطة من بعض ضعاف النفوس من الساسة في كلا الجانبين. وهذا من البديهيات في الحكم الرشيد عندما تسعى أية قيادة حكيمة وواعية وناضجة وسليمة النوايا ونظيفة اليد لاستحصال أفضل الفرص لشعبها وأبناء جلدتها ومَن يخضعون لإدارة حكمها ضمن الرقعة الجغرافية، مع الحرص على إيلاء ذات النعمة ونقل تجربتها وتمنياتها للجار والشريك الحقيقي وابن الوطن الكبير، العراق!
لذا واطلاقًا من هذا المنطق بعد أزمة تحرير الموازنة العامة التي تعطلت لأشهر بين الصدّ والردّ والشدّ والحلّ والقبول والرفض والولاء والاتهامات الشتى، وبعد المصادقة عليها في الظروف المعروفة للجميع، يمكن وصف دعوة رئاسة الإقليم لاحترام الدستور والاتفاقات بين الأفرقاء أمرًا منطقيًا ومقبولاً، بل لا بدّ منه وفق المعطيات الكلّية للأزمة القائمة بين أحزاب السلطة مع إدارة الإقليم ومع باقي الشركاء. وكلّ هذا من أجل ضمان شكلٍ أكيد وأساسيّ من الاستقرار والتهدئة وحفاظًا على حقوق جميع مكونات الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وبلا استثناء. وفي اعتقادي، من شأن هذه الرؤية الصائبة والمنهجية في شكل توصيفها وإدارتها وسياستها أن تخلق حالة إيجابية من العيش المشترك بين المكوّنات والانتقال بالبلاد من ثمّ من شكل دولة المكوّنات إلى دولة المواطنة الصحيحة التي تعطي للمواطن، أيّ مواطن مهما كانت قوميته أو دينُه أو مذهبُه أو انتماؤُه أو شكلُه أو لونُه حقوقَه كاملة في ظل عراقٍ موحد، قوي، متضامن، محصَّن في حدوده، شامخ في هيبته، سالم وقوي وعزيز في السيادة على ارضه وسمائه ومياهه، وليس كيانًا هزيلاً مسلوبَ الإرادة ومنتهَكَ السيادة وضعيفَ الإرادة وبلا مخططات ولا استراتيجيات ولا نوايا تسعى للإصلاح الحقيقي. ومن شان هذه الأشكال من أدوات بناء الفكر الوطني الصحيح، أن تنتشل البلاد والعباد من أية مساعي لهدم التعايش السلمي، أو محاولات لانتهاك الحقوق الدستورية لأية جهة أو مكوّن أو طائفة. وهذا ما تسعى إليه قيادات الإقليم مع مرور الزمن وتتالي الأحداث.كما يبدو لنا جميعًا، من خلال تطويره وتغيير شكل الحياة فيه ونقله إلى الأفضل عبر أدوات البناء والتطوير المتعددة انطلاقًا من الحرص على تغيير الصورة النمطية للواقع المتهرّئ في باقي مدن العراق في الوسط والجنوب وباقي المدن المتخلفة التي تتبع الإدارة المركزية. ولعلّ من الإيجابيات الطيبة التي حصدتها إدارة الإقليم، نجاحها في خلق أسلوب حسن ونموذجي من التعايش السلمي بين جميع المكوّنات والأطياف التي تقع تحت هذه الإدارة، ما جعل الإقليم وجهة الباحثين عن الحياة وتقديسها والاستقرار ، شعورًا منها وفيها بالآدمية البشرية وبأهمية الإنسان وخياراته وإيمانًا بقدراته وتفاعله الإيجابي مع الجميع ولخدمة الجميع، بعيدًا عن خطاب الكراهية والعداء التقليدي.
ادارة حكيمة
فهذه الأخيرة من سمات الفاشلين والحاسدين والغيورين من النتائج الإيجابية وواقع التقدم والتطور الذي وصل إليه الإقليم بفضل إدارته الحكيمة وحرصه في بناء الأرض والبشر والحجر. لهم كلّ التوفيق والنجاح المطّرد. وبهم الفخر في الاقتداء بإدارتهم الحكيمة ورؤيتهم الواضحة لبناء دولة المواطنة والمحبة تنعم بكل مفاصل التطوّر والتقدم نموذجًا قابل الاقتداء به في عموم بلاد الرافدين. ولا نفعَ من كيل العداء لأية فرصة بناء تُقدمُ عليها إدارة الإقليم، بل لها الفضلُ في حمل باقي ساسة العراق للسير على خطاها.
في البناء الصحيح للوطن والتخلّي عن سياسة المحاور الحزبية والطائفية والعقائدية التي لا تبني بقدر ما تُبقي البلاد والعباد أسيرة التجاذبات السياسية والمناكفات وتقاسم المغانم والمكاسب في ظلّ بقاء ذات الأيدي الفاسدة وفق نموذج التحاصص المقيت على رأس السلطة التي تأبى أن تفقه وتدرك وتطبّقَ أبسط سلوكيات الإدارة الرشيدة في الإصلاح والبناء بسبب غياب الإرادة لفعل الأحسن والأفضل.
ولكن، ليكن واضحًا، أن لا أحدَ يقبل ببناء بيته على حساب غيره عبر استغلال الفرص مع الإيمان واليقين بأن لا أحدَ يستطيع تطوير بيئته ما لم تكن لديه الإرادة الحسنة والإدارة الجيدة وصحوة الضمير وصدق الانتماء للوطن والأرض والشعب وليس لغيرها، إلى جانب النوايا الطيبة وصدق التعامل مع الشركاء مهما كانت الاختلافات في وجهات النظر والخطط، والأهمّ من هذه جميعًا الإيمان بحب الوطن! فهذه من أبجديات السياسة الناجحة والإدارة الناضجة في بناء الأوطان والبشر وترسيخ سبل السلام والاستقرار والتسامح بين أبناء الوطن الواحد ونبذ العنف والعداء التقليدي المشحون بالغلّ الأسود بين ساسة لم يتعلموا من دروس التاريخ بل ظلّوا أسرى اقتناص الفرص وأدوات التحريض والكراهية لتحقيق مكاسب فئوية وطائفية وشخصية ضيقة.






















