الشاعر محمد بلمو يتحدث لـ الزمان عن الومضات التي تعتبر مادة خام للقصيدة

الشاعر محمد بلمو يتحدث لـ الزمان عن الومضات التي تعتبر مادة خام للقصيدة
أختلي وأشتغل على المسودة كما يشتغل النحات
حاوره عبدالحق بن رحمون
أكد الشاعر محمد بلمو لـ الزمان إن لحظة القصيدة لديه تختصر العمر كله،كما تختزل مرايا قصبة بني عمار بزهون، هذه المنطقة الصغيرة التي تختزل هوامش طفولته في صوت التراب وحماقات السلمون. وأكد من جهة أخرى أن القصيدة تأتيه وهو على فراش النوم، أو في الحافلة، أو في الحمام، وفي الكثير من المرات يقول تضيع منه تلك الومضة الشعرية الأولى. إلا أنه سيعتبر أن القصيدة يمكن أن تفجرها حالة غضب أو حزن قوية. معتبرا أن الومضة هي الدهشة التي ترمي به في مغامرة مفتوحة على مسارب وسياقات متعددة في اللغة. محمد بلمو في سطور
وسندعو هنا الشاعر محمد بلمو ليبوح بسره وبحكاياته، التي يتذكرها أو التي نسيها، ونكون قد حاصرناه بأسئلة تحمل عدة أوجه وتحرض على الاعتراف، ومن هنا فالمتتبع للتجربة الشعرية عند محمد بلمو سيكتشف أنه يشتغل كما هو النحات على منحوتته، وذلك بتأني وصمت، موضحا أنه لايستطيع كتابة الشعر بسهولة.
وفي مايلي إليكم الحوار الذي أجريناه مع محمد بلمو وتقرأون بعضا من سره وحكاياته والتي لايحكيها إلا لمن إئتمنه على سره وبوحه
ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها؟
أشكرك على هذا السؤال المهم الذي لا يتم الانتباه لأهميته عادة، حكايتي مع القصيدة تختصر العمر كله، لكنني سأتحدث فقط عن مرحلة ولادة النص الشعري في تجربتي المتواضعة.
من الصعب أن تقرر الجلوس لكتابة الشعر مثلما تقرر الجلوس لكتابة مقال نقدي أو رسالة إدارية أو حتى غرامية، لأن الشعر بطبيعته كيان زئبقي يستعص على القبض، يرفض الاعتقال ويتنطع من القيود. إنه مزاجي يختار الزمان والمكان الذي يأتي فيه إليك، وقد تلح على حضوره أو على الأصح إحضاره لكنه في الغالب الأعم يهزمك، يراوغك يشاغبك مثل طفل صعب المراس. هذا ما يقع لي عادة في كتابة الشعر، فالبداية تفاجئني بهجوم كاسح، أحيانا أكون جالسا مع صديق على طاولة مقهى فتدخل لوثة الشعر على الخط، تربك حساباتي حيث أجد نفسي موزعا بين متابعة الإنصات إليه وفي نفس الوقت مهووسا بالإنصات إليها، وهو موقف صعب تعرضت له كثيرا، لأنه من المحرج أن أقاطع صديقي وهو يتحدث لي بحماسة وجدية، ولا أستطيع أن أتخلى عن جذبة الشعر التي أصابتني خفية وهزت كياني خوفا من فقدانها، أحيانا تأتيني وأنا على فراش النوم أو في الحافلة، أو في الحمام، وفي الكثير من المرات تضيع مني تلك الومضة الشعرية الأولى. حتى بالنسبة للحالة النفسية ليس هناك محدد لمجيء القصيدة، فهي أحيانا تفجرها حالة غضب أو حزن قوية، أو حالة انتشاء وفرح عارم، وأحيانا تأتي بغتة وأنا في حالة عادية. وفي كل الأحوال ليس لولادة الشعر عندي أية طقوس، كما لو أنه أي الشعر يجافي الرتابة ولا يحب الطقوس والعادات. إنه زئبقي تماما.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
الخيال والصدق شرطان أساسيان في الكتابة الشعرية، فهما الضامنان لشعريتها، حتى عندما تخيم تفاصيل الحياة والواقع الجافة الصغيرة، فإن الخيال والصدق هما الكفيلان بضخ الحياة في تلك التفاصيل والأشياء العادية التي تمتح منها القصيدة.
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
عندما تأتيني تلك الومضة الأولى أشد عليها بالنواجد في غالب الأحيان لكنها تضيع مني أحيانا كثيرة ضمن ملابسات متنوعة تفقدني التركيز عليها فيختطفها مني النسيان. تلك الومضة هي الدهشة نفسها ترمي بك في مغامرة مفتوحة على مسارب وسياقات متعددة في اللغة وبها، غالبا ما أكتب تلك الومضات التي تعتبر مادة خام لقصيدة في الأفق أو كما يسميها الشاعر الصديق عبد العاطي جميل مسودة غير منتهية ومفتوحة بلا نهاية على المستقبل، الكثير منها كتبته على حواشي جريدة أو علبة دواء فارغة، في السنوات الأخيرة أستنجد بتلك الأوراق الرقيقة والطويلة المخبأة في محفظة النقود والتي نحصل عليها عادة من المتاجر الكبرى أو ما شابه ذلك.
عندما تداهمني نواة القصيدة، أتعرى تماما، أتجرد من جسدي وأضع روحي في مسافة ترقص، يجب هنا استحضار ثلاث مفاهيم لـ عبد الكبير الخطيبي، هي السفر، الرقص والهامش. فعندما تداهمني تلك النواة أدخل عملية سفر مباغتة، في حركة رقص الذات والآخر، بين الروح والجسد، بين الذات والمحيط، بطريقة دينامية صعبة التحديد. وفي عملية السفر الذي يتحول في وجع القصيدة إلى رقص بين الألوان والأشكال والمفاهيم والمفارقات والحروف والكلمات، تكون عملية السفر قد أنضجت نواة القصيدة وفتحتها على عوالم رحبة وناصعة.
عندما تداهمني تلك النواة مرة أخرى، أستعيد طفولتي»براءتي وأتعامل مع العالم والأشياء بدون بروتوكول، إنها عملية تحرر من قيود المعيش وإكراهاته في لحظة صفاء منقطعة النظير.
بعد ذلك أختلي لتلك المسودة واشتغل عليها كما يشتغل النحات على منحوتته، فأنا لا أومن بترك تلك المسودات على حالها والزعم أنها شعر، إنها مجرد احتمالات شعر، تتطلب الاشتغال المتأني وغير المستعجل إلى حين تبلور الإحساس نسبيا فقط برقيها إلى درجة الشعر مع أنها تبقى مفتوحة دائما على التعديل أو التشطيب أو الإضافة.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
ارتباطا بما سبق، لا يمكنني أن أتخيل مجرد التخيل كتابة قصيدة كل يوم أو حتى كل أسبوع، لأن الأمر كما ذكرت سابقا لا يرتبط فقط برغبة الشاعر ولكن أيضا وأساسا برغبة الشعر نفسه، وما دام الوضع بالنسبة لي يتطلب اشتغالا متأنيا على ما جادت به تلك الجذبة الشعرية، فمن المستبعد أن أتعامل مع كتابة الشعر وفق أجندة محددة، أحيانا لا أكتب إلا قصيدة في سنة بأكملها، فالكتابة الشعرية كما قلت لا تخضع للأوامر والأجندات والإملاءات، وبالتالي فأنا أفضل دائما أن أنتظر قدوم تلك اللوثة، وعندما تأتي أتريث في الاشتغال عليها دون تعسف ولا تعجل، وهناك من المسودات ما تركتها عدة سنين مدفونة بين أوراقي المبعثرة قبل أن ألتقي بها من جديد فنتعانق مثل صديقين غابا عن بعضهما لسنوات طويلة، ثم أشتغل عليها إلى حين الاقتناع بأنها تستحق النشر والقراءة، لذلك أنا أستغرب لشاعر يكتب بغزارة وأحسده على ذلك إذا كان ما يكتبه شعرا بالفعل.
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
ندمت كثيرا على تلك الومضات الأولى التي ضاعت مني في حالة زحام مع الحياة والناس والانشغال، لأنها إذا ضاعت فمن الصعب أن تعود، وهذا يحزنني كثيرا، بيد أن ما تكتبه وتنشره في الصحف والمجلات والمواقع والمجموعات، سرعان ما يفقد تلك الدهشة الأولى، وبالتالي يصبح الشعر بالنسبة لي هو ما لم أكتبه بعد، هو تلك النصوص الغامضة والهاربة في المستقبل.
هل فعلا كل قصيدة تكتبها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
لا أعرف من قال هذا الكلام، لكنه مقبول إذا كان يصور صعوبة كتابة الشعر، قد يبدو للكثيرين أن أسهل شيء هو كتابة قصيدة، خصوصا بعدما تخففت من الأوزان والمعايير التقليدية، لكن العكس هو الصحيح في اعتقادي المتواضع، فقد أكتب عشرات المقالات والرسائل والتقارير، لكنني لا أستطيع كتابة الشعر بتلك السهولة.
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
في الواقع كلما نفضت يدي من كتابة نص شعري جديد، إلا وتساءلت هل بإمكاني أن أكتب نصا جديدا، فالخوف من خذلان الكتابة وجفاف القريحة وارد في كل لحظة، لكن الحياة تستطيع بمفارقاتها وعذاباتها أن تولد عندي نصوصا أخرى، إلا أن الأمر لا علاقة له عندي بتساقط الشعر وإصابتي بالصلع، لأن العجز عن الكتابة أخطر مليون مرة من تساقط الشعر.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لا ينشر ما كتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
منذ فترة ليست بالقصيرة لم أعد أستعجل كتابة الشعر، ولم أعد مهووسا بذلك، بعدما تيقنت أن الأمر مرهون بالشعر نفسه وليس بي فقط، لذلك أشغل نفسي بأشياء أخرى كالقراءة والعمل الجمعوي، وأنا متأكد أن الشعر حين يأتي سيجدني مستعد تماما، فأنا لا تهمني الكتابة أو النشر في حد ذاتهما، ولكن الذي يهمني أن أكتب شيئا مقنعا لي على الأقل حتى لو كان ذلك على فترات زمنية متباعدة.
هل أنت مقتنع تماما بوجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ما تكتبه، ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
في الواقع أنا لا أجد أي حرج في عرض ما أكتبه على بعض الأصدقاء لاستقراء رأيهم فيه ولتصحيح بعض الأخطاء التي قد لا أنتبه إليها، ففي الكتابة الصحفية نفسها كنا نتبادل مقالاتنا لتصحيحها فيما بيننا قبل النشر، لأن الكاتب قد يكتب خطأ ولكنه يقرأه صحيحا، لذلك عندما يراجعه من لم يكتبه من المؤهلين طبعا فإنه يكتشف ذلك الخطأ، هذا شيء عاد بالنسبة لي، وليس فيه في هذه الحدود أية وصاية.
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والابداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
التغيير في الفكر والثقافة يأتي دائما متأخرا، لكن من الواضح أن ما يقع من تحولات سياسية على المستوى العربي سيكون له صدى كبيرا ومؤثرا على مستوى الثقافة والإبداع، إذا ما تبلور ذلك قد يتطلب وقتا أطول.
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء…. هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
الانتماء إلى مؤسسة ثقافية للأدباء ليس ضرورة، فكم من أديب ومبدع لم ينتم إلى واحدة منها، لكن من الواضح أن تكتل الأدباء والكتاب في منظمات ثقافية ديمقراطية ومستقلة يشكل أداة مهمة للدفاع عن مطالبه وحرية إبداعه. أما بالنسبة للاعتراف، فهذا مرهون بملابسات متعددة لا يلعب فيها الشرط الإبداعي إلا دورا صغيرا جدا، بينما تلعب فيها العلاقات والانتماءات دورا كبيرا خصوصا في عالمنا الثالث. بالنسبة لي لم أحس يوما أنني نلت اعترافا كشاعر ربما لأنني لا أطلب من أحد أن يعترف بي، وعلى سبيل المثال فأنا حضرت واشتغلت في المعرض الدولي للكتاب خلال الخمس دورات الأخيرة من البداية إلى النهاية، لكنني لم أبرمج قط في أنشطته، ولو مرة واحدة، وهذا طبعا لا يغير في الأمر شيء.
/4/2012 Issue 4172 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4172 التاريخ 12»4»2012
AZP09