الأيديولوجية السياسية في الرؤية الإخراجية ما بعد 2003

الأيديولوجية السياسية في الرؤية الإخراجية ما بعد 2003

علامة رمزية تضاهي واقع التأثير

قصي شفيق

تتمثل الأيديولوجية بالأفكار السياسية والاجتماعية والدينية والانسانية وتأتي بفعل المحركات الاساسية (السلطة _ الدين _ الجنس)  واثر ذلك على طبيعة المجتمعات فقد ارتبطت الايديولوجية بحركة الانسان ووجوده المجتمعي، وجاءت بفعل الصراع الازلي للوجود واثبات الحجج بالأفكار والعلم، غير قالب الهيمنة والاستعلاء السياسي بفرض رؤية ايديولوجية تُهيمن على اداء الراي العام وتؤثر فيه، وهكذا بقيت الايديولوجية السياسية تلعب دورا في عملية انتاج الصراع او الفكر بخطاب نوع ما المراد منه تغير مسار القيم والثوابت المقدسة بإنتاج شكل ومضمون جديد من الفكر يستند على قاعدة  التغير الراديكالي لخلق ما يسمى التبعية السياسية او الدينية، وهنا لعبة السلطة دورا في تغير الهوية الحقيقة عبر زج افكار ومعتقدات وسلوكيات تؤثر في طبيعة المجتمع، غير اثر الخطابات على  المجتمعات واحداث الخلل فيها ولان الهيمنة الفكرية اثر قد يحرك النظم الاجتماعية الثابتة بفعل البعد السياسي واهتزازات النظم الفكرية والاجتماعية، لهذا لابد من دراسة الايديولوجية السياسية واثرها في انتاج الرؤية الإخراجية الحديثة ما بعد 2003 في المسرح والسينما والتلفزيون والاعلام.

اولاً: مفهوم الايديولوجية فكراً وتطبيق:

البداية مع تساؤلات حول مفهوم الأيديولوجيا ثم الانتقال الى علاقة الأيديولوجية في الاخراج . لذا ماهي الرؤية الايديولوجية السياسية في فرضيات الاخراج؟ وما تأثير سياسية السلطة والنظام والدين على فنون الاخراج؟ وكيف اسهم في بناء خطاب مناهض لرؤية درامية لدى المخرجين؟ وما علاقة كل ذلك بالتحريض السياسي والمجتمعي الحاصل الان عالمية وعربيا وتأثيراته في الفنون والاعلام؟.

ينطلق هذا البحث من تساؤلات كثيرة حول (الايديولوجيا) والمضامين التي تنطوي عليها وتستمد منها فعاليتها في تشكيل الاعمال الدرامية. وهل الرؤية الأيديولوجية  تقدم الأفكار الصحيحة المنبثقة من العقل ومن التجربة العملية والمعايشة المجتمعية وهي فعلا التي تصنع الوقائع والأحداث الجماليات في مضمار الاخراج البصري والسمعي وما مدى تأثيرات الايديولوجيا في صناعة الجمال  في تركيب فرضيات الاخراج البصري.

تستعمل الايديولوجية ايضا في معنى “معرفة الظاهرات الانية والجزئية في مجال نظرية المعرفة ونظرية الكائن تتضمن احكاما حول الحق، وظيفتها إظهار الكائن للإنسان الذي هو جزء من ذلك الكائن، ويقود هذا الاستعمال حتماً الى النظرية الجدلية”

نقول هنا ان افكار الطبقة السائدة هي في كل عصر الافكار السائدة ايضا يعني ان الطبقة التي هي القوة المادية السائدة في المجتمع هي في الوقت ذاته القوة الفكرية السائدة ، ان الطبقة التي تتصرف بوسائط الانتاج المادي تملك في الوقت ذاته الاشراف على وسائط الانتاج الفكري

منذ ان صاغ الفيلسوف الفرنسي (دي تراسي)، في عام 1796 مصطلح الايديولوجيا للمرة الاولى، لم يجد حتى يومنا هذا تعريفا مقبولا ولذلك الكثرين يتجنون الخوض فيه فقد كان يعني في بداية الامر مجالا محدودا يقصد به نظرية الافكار، المصحوبة بأهداف اجتماعية ومنافع لها علاقة بالتربية العامة. الا ان هذا المصطلح حرف ليصبح سياسياً على يد نابليون ويحذو ماركس حذوه ليشير من خلاله الى وعي وهمي يتناقض مع الواقع الذي نجد في الحياة اليومية المادية.

فقد افادت الأيديولوجيا في حقل الدراسات الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية حراك متنوع واعي. ولان (الايديولوجيا ) بوصفها بنية فكرية فرضية تتخذ من مواد وافكار عديدة نظرية لها، وبالتالي هي تمثل لدينا أحسن تمثيل للمرجعية النظرية والتاريخية والسياسية للمخرجين العالميين.

اهم التعريفات العامة للأيديولوجية

1- مفهوم الايديولوجيا عند الكاتب (عبد الله العروي) يرى ان ” مفهوم الايديولوجيا ليس مفهوم متولداً عن بديهيات فيحد حدا مجرداً، وانما هو مفهوم اجتماعي تاريخي . وبالتالي يحمل في ذاته اثار تطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية عديدة”

2- فيما يرى (علوش) في معجم المصطلحات المعاصرة تعريف الايديولوجيا انه:”جل الافكار/ الاحكام / الاعتقادات الخاصة بمجتمع في لحظة، . والايديولوجي نظام يمتلك منطقه وصرامته الخاصة في التمثيلية على مستوى الصورة. والافكار. المفاهيم بحسب حالات يحرر (التوسير) وجودها ودورها التاريخي في المجتمع”

3- وتعرف ايضا الايديولوجيا  انها ” ايديولوجيا هي ان تفكر في نمط خاص من الفكر”

  وهكذا يستهدف هذا البحث التعريف بأبرز اسهامات الرؤية الاخراجية ، وخاصة تلك التي قدمها أظهر أولئك الذين نهجوا منهجاً فلسفيا لقراءة الابعاد السياسية واعادة ترجمتها بالفكر، فهي عملية تحليلية  بين البحث عن الوجود والذات والروح الى عملية العقل والفكر واثبات الوجود العلمي بأفكار تؤمن بالعلم والتطور ومراحل النمو الابداعي في مجال الفن المسرحي.

فقد تكمن  أهمية البحث كونه سيسلط الضوء على سياسة تقصي الحقائق من طريق فهم الرؤية الايديولوجية وعلاقتهما بالمؤثر السياسي في خطاب الاخراج.

ويهدف البحث إلى التعرف على  الرؤية الأيديولوجية والبعد السياسي وتمثلاته في خطاب الاخراج المعاصر لدى المخرجيين العالميين والعراقيين من خلال تحليل المُهيمن الايديولوجي في الرؤية الأخراجية.

يرى الباحث ان الايديولوجية: هي العلم المُهيمن على المجتمعات و طبيعة الافكار، ترتبط بعلاقة وثيقة بالتاريخ الانساني وسياساته الفكرية وبجماليات الفن المعاصر من حيث تكوين الصورة الفكرية لخطاب الاخراج ، فهي أداة فكرية جمالية تترجم حالة الاثر السياسية والديني في المجتمعات.

مفهوم الهيمنة الأيديولوجيا مازال لازماً من حيث القراءة المتعددة “فكلمة ايديولوجية تشير في المعتاد الى طريقة التفكير الخاطئة على نحو نسقي، الى وعي زائف فاذا امنا بقوة التمثيل في تشييد الواقع، اصبح من الصعب الاحتفاظ بالتميز بين الحقيقة والزيف وقد تكون هناك تأشيرات حقيقة تنتجها انظمة الدلالة المتنوعة والخطاب ولكن ليس من الممكن ودود أي مقاس خارجي للحكم نستطيع وفقا له تقييم المزاعم المختلفة”

ويرى الباحث من الطبيعي ان تلعب الأيديولوجية دور الصراع المجتمعي والسياسي في صناعة الازمة او التعقيد ولهذا نرى الكثير من الصراعات هي نتاج افكار تم توظيفها من اجل التغير او لإبعاد واهداف سياسية. “لا يخلو عصر من الصراع بين الافكار والرؤى بين اطراف المجتمع الواحد ولا بد ان يظهر تلازماً ثم تبادلاً للأدوار بالتحول الى صورة النقيض القائم زمن الصراع”

وللنظر الى الايديولوجية والابعاد السياسية وفرضيات تفكيك المعاني الخاصة بالمصطلح نعود الى الاصل والمعنى فهي1.نسق عقيدي سياسي 2. مجموعة من الافكار السياسية ذات التوجه المركزي 3. افكار الطبقة الحاكمة 4. رؤية كونية لجماعة اجتماعية او طبقة اجتماعية معينة. 5. مذهب سياسي شامل يدعي احتكار الحقيقة.

على هذا القياس يمكن تحديد اثر ذلك على الفن المعاصر كونه نتيجة عملية التأثير بين الافكار والابعاد السياسية وبين الادلجة خاصة تشويش الافكار وتوشيه النظم والمعتقدات والمحاولة لانحراف الحقيقة عن الواقع.

ثانياً: تركيب الصورة الاخراجية بفعل التأثير السياسي عالمياً وعربياً.

تركيب الصورة الاخراجية ما بعد الحرب جاءت بمتغيرات عديدة وعلى سبيل الحصر ان (الدراما ما بعد الكولونيالية) هي خير دليل على ذهاب رواد الفن الى معالجة الابعاد السياسية والرؤية الايديولوجية من طريق الدراما، فلدراما قراءات متعددة ومتنوعة من حيث المحاكاة والمعالجة والقراءة النقدية ولان الدراما بوصفها متغير يشتغل على بنية الخطاب والصراع المجتمعي فلابد له ان يستند الى انطلاقة تعطي الشرعية للدراما بتركيب رؤية اخراجية تعالج تاثير الخطاب الايديولوجي السياسي على بنية المجتمع

فهي ايضا رد فعل طبيعي للتخلخل المجتمعي والثقافي ما بعد الحرب او ما بعد الاستعمار لتظهر حركات وتيارات فنية وثقافية مناهضة للمشروع الاستعماري وبسبب اختلال المرتكزات يحاكي قضية محاربة الافكار والطروحات الامبريالية التي تهشم القيمة المجتمعية.

الرؤية هي العنصر البصري الافتراضي للفكر المسرحي، يتم من خلالها تصوير جميع الافكار المقترحة في عالم العرض المسرحي بنظام فكري جمالي فلسفي يقدم على شكل افتراضات اخراجية تشكل صورة العرض المسرحي.

ويرى الباحث تأسس الخطاب ما بعد الاستعمار على النقيض لمعالجة التراث والوقوف على حقيقة الاضطراب والاحتجاج والتحريض الذي يأتي بعد الاستعمار ولان التبعية خلل يحاول العاملون ما بعد الكولونيالية تفكيك الخطاب المعتمد التاريخي والخروج من دائرة الصراع والسلطة الى كشف حقيقة الثقافات الامبريالية واثرها على المجتمعات المحلية التي كانت مستعمرة والخروج من المًهيمن الايديولوجي لها.

فالأفكار الايديولوجية تمثل محور الصراع  والسيطرة الفكرية وتحمل بين طياتها جملة من الاستراتيجيات الفكرية والفلسفية والفنية، وكونها بمثابة عملية تحول بفعل التأثير والاثر بين المجتمعات وكونها ايضا ساهمت في نشوء حركة مناهضة او مقاومة، بعملية فكرية جمالية فتحت المجال لصناع الفن وخصوصا الاخراج، بفعل تقدم العلوم الإنسانية والعلمية ومنها اللسانيات وعلم اللغة التي حاولت تحديد نوع الفكر من تحليل العلامات والرموز والاشارات خاصة انظمة الدلالة والعلامة الايديولوجية، واعادة انتاج معنى اخر لها بفضل الوعي المرحلي والسياسي ، فالبداية للفكر الايديولوجي جاءت من الموروثات المتراكمة من الخطاب وعبر الدين والتجارب والبيئة والجغرافيا والاعلام والسياسة، وما لها من تأثيرات جسيمة على انتاج شكل الصورة الفنية من اللوحة والتلفزيون والسينما والمسرح، وكيف ساهم الفن بطرح فكر ايديولوجي يحاكي به المجتمعات بمعالجة درامية من طريق الرؤية الاخراجية لكبار الرواد والمخرجيين.

 لذا لعب الفن  بصورة خاصة دورا كبيرا في التصدي بالتحريض والاحتجاج بتقديم رؤية أيديولوجية تحمل فكرا منظم بواقع درامي فني جمالي ليتصدى للهيمنة الفكرية ويعالج بالدراما بعملية التأثير والتواصل الدائم.

ثالثا: الاحتجاج الثقافي والفني ما بعد عام 2003 في العراق

لعب الاحتجاج الثقافي والفني دورا كبيرا في عملية انتاج رؤية اخراجية مناهضه لممارسات الايديولوجية السياسية والدينية المتطرفة خاصة ما شهد العراق من اعمال عنف وقتل والارهاب غير سياسية الحكم الخاطئة والاعمال المتطرفة على مدار 15 مما دفعت شريحة كبيرة من المخرجين في الاختصاصات كافة مسرح سينما تلفزيون اعلام بتوظيف علميات الادلجة وبناء العلامة الرمزية بفرضيات اخراجية تعالج واقع الاهتزاز الفكري والحضاري والقيمي الذي حدث ما بعد فوضى 2003 ، حتى اصبح غالبية الاعمال الدرامية والثقافية تحاكي السياسيات التي رسمت في بنية المجتمع العراقي واصبح الفعل والحركة في الصورة والخطاب يحاكي تلك الايديولوجية المفروضة بنظام عالي وبمؤثرات داخلية وخارجية المراد منها دمار البلد وبات الفن والاعلام وسائل تقاوم بعملية جمالية لإنتاج صورة ودلالات مباشرة بخطاب مباشرة ولم يتوقف ذلك بل راح الاحتجاج الإخراجي يستخدم اغلب ادوات الواقع  في السينما والمسرح والتلفزيون والاعلام، لكن العنصر الغائب الحاضر هو نقص الوعي السياسي في ادارة فرضيات الاخراج من حيث توجيه الراي العام والمتلقي الى حقائق سياسات  الأيديولوجيا بعد عام 2003 في المجتمع العراقي من حيث غالبية ما قدم هو احتجاج جمالي لكن سوء تركيب العناصر والخطاب المباشر حال دون تحقيق مسرح او سينما او تلفزيون مناهض للغزو الفكري والحضاري .

خلاصة القول:

ويرى الباحث ان دور الرؤية الاخراجية ما بعد عام 2003 كبير وواسع لكن لم يرتق الى حجم الوعي السياسي والاجتماعي مما يسهل عملية بناء علامة رمزية تضاهي واقع تأثير الايديولوجيا السياسية والدينية المتطرفة، لذلك نحتاج وسائل اكبر من حيث التأثير في ساحة التلقي وان يحظى المخرجين بوعي عالي سياسي واجتماعي لمواجهة المد الاستعماري الراديكالي السياسي والديني ذات النزعة المتطرفة ايديولوجيا بهدف موت الثقافة والفن والمجتمع ولان المواجهة تحتاج الى سلاح جمالي  وثقافي علمي رصين بمعالجة ذات تجريب عالي من قبل المخرجيين وبناء قدراتهم الجمالية والثقافية لإنتاج رؤية ايديولوجية مناهضه بالخطاب والصورة الاكاديمية.

المراجع والمصادر العلمية:

  1. عبد الله العروي، مفهوم الايديولوجيا، ط1،( المغرب: المركز الثاقفي العربي: 2012)
  2. كارل ماركس _ فريدريك انجلز، الأيديولوجية الالمانية، تر فؤاد ايوب، (دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر ، 1976.)
  3. ايديولوجيات اللغة ( بغداد : مجلة الثقافة الاجنبية، العدد 1 2008)
  4. سعيد علوش، مجم المصطلحات المعاصرة، ط1، ( بيروت: دار الكتاب اللبناني.:1985)
  5. اندرو هيود، مدخل الى الايديولوجيات السياسية، تر: محمد صفار (القاهرة: المركز القومي للترجمة: 2012)
  6. ديفيد هوكس، الايديولوجية، تر ابراهيم فتحي، (القاهرة: المجلس الاعلى للثقافة ، 2000)
  7. احمد مداس، الايديولوجيا وصراع المركز والهامش، الجزائر، مجلة المختبر _ كلية الآداب واللغات _جامعة محمد خضير _بكسرة،. العدد السابع 2011)