بين الطّموح والمخاطر – عـلاء لازم العيـسى

الإنسان السّايبورج

 بين الطّموح والمخاطر  –   عـلاء لازم العيـسى

بلغةٍ مليئة بالحماس والثقة والتحدي ، خلص دون تابسكوت في كتابه (( جيل الإنترنت ؛ كيف يغيّر جيل الإنترنت عالمنا )) ، إلى نتيجة متفائلة ، مفادها : إنّ جيل الإنترنت ـــ الذي ولد في تسعينيات القرن الماضي ـــ في البلدان المتقدمة في أوروبا وآسيا هو الجيل الأذكى على الإطلاق ، وإنّه قوة محرّكة نحو التحول الاجتماعي إلى الأفضل ، وإنه هو الذي سيصنع مستقبل العالم ، ولذا يجب علينا جميعاً التعاون معهم ، ومحاورتهم ، والاستفادة من آرائهم ، ومن إسهاماتهم الضخمة التي يمكن لهم تقديمها ، من أجل دفع عجلة التقدم في كلّ مجالات الحياة ، التربوية والفكرية والسياسية والاقتصادية ، إلى أمام .

لقد جعل الإنترنت ـــ من وجهة نظر مؤلّف الكتاب المذكور ـــ هؤلاء الشباب يختلفون في نواح كثيرة عن آبائهم وأجدادهم عندما كانوا في مثل سنّهم ، تمثلت بكيفية تفاعلهم مع التكنولوجيا المعقدة ، واستخدام أجهزة الحاسوب وأجهزة الفيديو بلا جهد يُذكر ، واللعب بألعاب معقدة نوعاً ما ، وإمكان الوصول إلى عالم المعرفة بوسائل أكثر من الأجيال السابقة لهم ، والحصول على أيّة معلومات يريدوها خلال ساعات معدودة ، ومراقبة ومتابعة كل التحركات في العالم ، والتحقق من التصريحات الرسمية التي تُصدرها الشركات أو الحكومات ، وفرض وجودهم في أماكن العمل والاستثمار ، واستعراض نفوذهم على المستوى السياسي .

وأنا لا أختلف مع المؤلّف في هذا الرأي ، ولكن بحماس أقلّ ، لأننا يجب أن لا ننسى ، بأن السياسة في كلّ زمان ومكان إنمازت بخاصيّة مهمّة ، وهي خاصيّة اللامباشرة ولبس الأقنعة ، وسمة اللف والدوران والتستّر واللا انكشاف .

كما أنّ قضيّة المعرفة ـــ في أيامنا ـــ لا تكمن في تحديد منهج الوصول إلى الحقيقة وبلوغ اليقين كما كانت في السابق ، وإنما في تحديد الجهات التي تنتمي إليها حقائق بعينها ، وتعيين النموذج الذي يطبع تلك الحقائق ، فالحقيقة لا تتوقف على سلاسل حجج وانتظام خطاب ، وإنّما على (( نظام الخطاب )) المتوّج بمفهوم القوة أو السلطة ، وبذلك تحوّلت مسألة المعرفة من مسألة منهجيّة فقط ، إلى قضيّة أخلاقيّة وسياسيّة واجتماعيّة وأمنيّة .

فالثقافة الإلكترونيّة وهي ذلك الحشد الهائل من المعلومات ، والأصوات ، والصور ، والأفكار التي يمكن الحصول عليها من الإنترنت ، وذلك كلّه إلى جانب جملة الممارسات ، والاتجاهات ، والقيم ، وأساليب التفكير التي تتفاعل مع         (( الفضاء الإلكتروني )) وتمثّل إحدى ثماره ، والاهتمام المتزايد بهذه الوسائل ، من كافة فصائل وشرائح المجتمع في كلّ بقاع العالم ، لم يعد الأساس المادي أو الترفيه ، هو الهدف الوحيد الذي يحدّد شكلها الثقافي ، أو الترويحي ، قبل إنتاجه ، بل أنّ الأبعاد السياسيّة للإنترنت ـــ بسلبياتها وايجابياتها ـــ ما زالت تمثّل أكبر المخاوف من تلك الشبكة .

وبقدر تفاؤلي بمنافع الانترنت ، ودخول التقنية الحديثة في تعامل الناس مع بعضهم البعض ، وأهميّتهما ، لأولادنا وبناتنا ، ولنا جميعًا ، ولتقدّم بلداننا وتطورها للحاق بالركب العالمي للمدنية ، يجب علينا أن نعتقد بأنّ التقدم العلمي التي خلقته تكنولوجيا وسائل الاتصال الإلكترونيّة التي تستخدم النت ، مع إسهامه الايجابي في صياغة عالم جديد لكنه يمكن أن يفرز اتجاهات وأنماط سلوك غير مألوفة على مجتمعاتنا ، ممّا يفرز ظواهر اجتماعية وإجراميّة ، ومنها الجرائم المنظّمة ، وجرائم الإرهاب ، واختراق نظم المعلومات دون إذن أصحابها ، وإتلاف أو تشويه البيانات أو المعلومات أو المستندات المختزنة في قاعدة المعلومات ، وانتهاك حرمة خصوصيّات الناس ، إضافة إلى جرائم التعدّي على حقوق الملكيّة المعنويّة للمؤلفين من العلماء ، والباحثين ، والأدباء ، والناشرين ، والمخترعين ، وغيرهم .

إنّ التطوير الأول لشبكة الإنترنت كان من قبل الجيش الأمريكي ، خلال سنوات الستينيّات من القرن الماضي ، وكان الهدف منه وصل عدد كبير من الحواسب الموزّعة في مواقع جغرافيّة متفرقة ، وجمعها في شبكة واحدة لحماية نظام الحاسب ضد أيّ هجوم نووي ، ثمّ تحولت شبكة الإنترنت الأولى ـــ إلى جانب وظيفتها العسكريّة ـــ إلى أداة للاستخدامات العلميّة الأكاديميّة .

لكن الاهتمام التجاري بإمكانيات هذه الشبكة بلغ نقطة حاسمة في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي ، وذلك عندما طوّر عالم الكومبيوتر البريطاني السير ( تيم بيرنرز لي ) ـــ مخترع شبكة الإنترنت العالمية ومؤسّس أول برنامج مستقل لتصفح الإنترنت ـــ برامج (( النصّ الإلكتروني المركّب )) ، التي كانت أساس تطوير الشبكة بحيث تغطّي العالم كلّه ، عندئذ أصبح من الممكن للإنترنت أن يتطوّر خارج نطاق الحكومات الحاكمة بالعلن والخفاء ، والطبيعة الأبويّة التقليديّة ، وخارج مجال التعليم ، وهذا ما زاد في خطورته ، إذ أنّه ذوّب الفروق وبسهولة بين التعارضات الثنائيّة ، كالتناقض بين النساء والرجال ، وأسقطت الحواجز أيضًا بين الصداقات والعلاقات الاجتماعيّة .

إضافة إلى أنّ الإنترنت أتاح لمستخدمه حريّة غير مسبوقة ، وذلك من خلال سهولة تغيير هويّته ، أو اختلاق هويّة جديدة لنفسه ، فالسؤال : من أنا ؟ ، أو من أنت ؟ ، أو من أنتم ؟ ، لا يطرح أبدًا عند التعامل عبر شبكته ، وهكذا تتداعى الهويّة إلى أن تصير بمرور الأيام شيئًا لا يزيد قليلًا عن كونه رد فعل عن شيء خارجي ، ومختلف عنها ، ففي الوقت الذي يجب أن تكون فيه أسباب الفعل التي تدفع الشخص وتوجهه لفعل ما ، أو الدفاع عن شخص معيّن ، أو دعم ومساندة فكر معيّن ، داخليّة ، نابعة من مجموعة دوافعه الذاتيّة التي ركن إليها بعد تفكّر وتدبير ، تراه يعبر مسافات لا يمكن عبورها منطقيًّا لاستعارة بعض ردود الأفعال ، أو تبنّي أسلوب حياة آخر ، أو الانجذاب لاتجاهات سلوكيّة وفكريّة مختلفة ، بطريقة تلقائيّة دون ملاحظة أو تحرّي ، وهذه مشكلة أخرى .

أخيرًا ؛ فلا بد أن يفهم الجميع ـــ حكومات وأولياء أمور ـــ أن الإنترنت مهم وضروري لتقدمنا العلمي ، لكنه محاط بمخاطر وصعوبات عديدة ، لا بدّ من تذليلها والأخذ بنظر الاعتبار الظواهر والاتجاهات والأنماط الجديدة بجرائم الحاسوب والإنترنت ، وأساليب ارتكابها ، وكيفيّة الكشف عن خيوطها وملابساتها ، وتبادل الخبرات بهذا المجال مع الدول المتقدمة التي سبقتنا في هذا المضمار ، والالتفات إلى تأهيل وتطوير الكوادر الفنيّة بما يسمح لها بمواكبة التطورات والمستجدات العلميّة في هذا المجال .

  عـلاء لازم العيـسى