حكاية رجل ورِع – منهل الهاشمي

123

حكاية رجل ورِع – منهل الهاشمي

يتقدم الجمع الغفير.. القدور الضخمة المتراصة يتطاير منها البخار الكثيف، اثنان كانا يتناوبان على خوط إحداهنّ.. يستأذنهما فيناوله أحدهما المغرفة الكبيرة.. يتراجعان للخلف.

فرصة لا أثمن منها.. وما احلاها من فرصة عاشوراء ومصاب الحسين !!.. فالانتخابات على الأبواب.. وعشرات الكاميرات التلفازية تنقل الحدث نقلاً حيا مباشراً وتتابعه هو بالذات باهتمام فهو المسؤول الكبير والرمز .. الجمع الغفير خلفي يراقب، يأخذ بالخوط في قدر (القيمة) الهائل، ها هو وقد أعدّ لكل شيء عدته بِدءاً من (عدة الشغل) : الجلباب الأسود وقد زينته بخط النسخ عبارة كبيرة توسطته (أبا عبد الله الحسين).. طاقية الرأس الشعبية (العرقجين) .. اللفاف الأسود الذي لفه حول عنقه.. المسبحة الطويلة الخاصة بالصلاة ذات المئة خرزة وخرزة (101).. اللحية الناصعة البياض الطويلة للهيبة والوقار والورع… وماذا أيضاً ؟… اهاااا هناك ما هو أهم من كل ذلك.. لم ينسَ الرجل كوي منتصف جبتهه اي موضع السجود بسكين حامية وإنْ بالغ _ ابن الكلب _ مساعده بالكوي المؤلم.. لكن لا بأس فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم !.. المهم صارت لي السيماء في وجهي من أثر السجود. فما الذي ينقصه بعد ذلك ليكون ورعاً تقياً نقياً ؟!.. الحق يقال أنه كفّى ووفّى.

عليه الآن أن يبتدأ العرض بأداء مؤثر.. جاهد نفسه قدر ما يستطيع لإستدرار دموعه فهي خير ما يستهل به مسرحيته المحبوكة المسبوكة.. اللعنة أنها تأبى عليّ.. آهٍ لو فرت دمعة.. دمعة واحدة.. للحقتها الأخريات منهمرات بعفوية. على طريقة المدارس التمثيلية التي كان على معرفة طيبة بها لإدراكه مقدار فائدتها له.. ولعمله، استحضر من الذاكرة الشعورية تجربة او موقفاً حزيناً مؤثرا مر به.. بحث في ثنايا الذاكرة فلم يجد موقفاً مؤلماً مرّ به بقدر خسارته في الانتخابات البرلمانية ما قبل السابقة !.. إذّاك انهمرت الدموع لا إرادياً منه.. اجهش بالبكاء لاطما بيمناه على صدره بقوة وهو يصرخ :

_ وا حسيناه… وا حبيباه.. يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيما.

عاش الدور واندمج بالشخصية تماماً.. ما أجمله وهو يؤدي دور البطولة لرجل الورع والتقوى، الزاهد العابد، راعي ونصير الفقراء والمظلومين.. المساكين والمحتاجين أمام الملايين من المشاهدين ووسط الآلاف من أنصاره وجمهوره ومحبيه ، أحسنت فالفرص تمر مرور السحاب وهذه فرصتك.. وهذا يومك… فتذكر العبارة :_ لا يوم كيومك يا أبا عبد الله…هكذا صاح لاطما الرأس والصدر… ها هي الكاميرات تقترب مني بلقطة قريبة.. عليه والحال هذه أن يزيد من جرعة الدموع واللطم والشجن.. فالمشاهدون أمامي والحشود من ورائي.. فليسبحنَ إذاً في بحر دموعه حتى يصل لبر الأمان.. والبرلمان، وليصنعنَ من القدور سلما يرتقيه للوصول للقمة.. والنعمة، وليجعلنَ من حاجة الناس وعوزهم مهرةً يمتطيها مشتريا النفوس للوصول إلى أعالي الفردوس.. والفلوس، فما يكلفه الأمر سوى بضعة دموع تمساحية.. ولطم الصدور.. وخوط القدور أضف لها كارتات لرصيد جوال فئة 5000 أو نصف دجاجة توزعها هنا وهناك لشراء الأصوات.. والمقعد البرلماني أو الوزاري… وكان الله يحب المحسنين !.نسى الرجل نفسه كاد لفرط تلبسه للشخصية أن يطبّر لولا أن تذكر في اللحظة الأخيرة بأنّ ذلك سيكون (أوفر)… فالناس لا ترحم.. ألسنتهم طويلة ولا يتركون أحدا في حال سبيله وحتما سيتهم بالرياء والنفاق.. ووحده الله العالم بالسرائر!.

سارت المسرحية بأفضل ما يكون وبحسب السيناريو المعد سلفاً تماماً وبدليل تزاحم كاميرات الفضائيات عليه وترك ما سواه لتصوره من كافة الزوايا ما لفت انتباهه. فحمداً لله أنّ تعبه لم يذهب سدىً.. وأنّ ثمارهُ أتت أُكُلها فعليه الآن أن ينهي المشهد الأخير منها بنهاية دراماتيكية عاطفية مؤثرة لتترك أثراً لا ينسى في جماهيره العريضة المتابعة والمحتشدة ، عليه تفقد الناس _ رعية المستقبل _ فيقبّلهم من رؤوسهم ويحتضنهم ويقضي حاجاتهم فرداً فرداً.

…. ألتفتَ للخلف فلم يجد أحداً !!.

مشاركة