
قراءة في أقصوصة الحصان
تأزّم الروح انحلال الأنساني
عيسى الصباغ
النص
( الحصــــــان ) للقاص فرج ياسين
لأول مرة منذ زمن طويل ، ألفى الحصان نفسه أمام صاحبه ، لقد كفّ لتوه عن تمشيط عرفه الطويل البراق ، والربت على ظهره الذي بله العرق ، وكان الحصان يستمرىْ ذلك ويعبر عن امتنانه بابتسامة واسعة من عينيه الجميلتين الحادتين . في ذلك المساء ، كان الحصان قد أنهى شوطاً استعراضياً مثيراً ، أمام نفر من المعجبين الأغراب . ولم يكن قد مر وقت طويل على انصراف أولئك المعجبين ، حين طلب صاحبه من المدرب والجوكي وعمال الاصطبل الإسراع بالانصراف ، قائلاً إنه يريد أن يجد نفسه وحيداً مع حصانه ، الذي جعل منه رجلاً مشهورا .
وهكذا فقد شرع الرجل يرمق حصانه بإعجاب مداف بدعابة لزجة ، فبدأ وكأن الحصان قد فطن إلى أن هذا الرجل لم يعد مفتوناً بشاعرية تكوينه الجمالي كعهده يوم ابتاعه مهراً . بل أنه ما عاد يرى فيه إلا بضاعة فريدة غالية الثمن ، فنشّ الهواء بذنبه ، وأفترّ عن تكشيرة قاسية ثم فح قائلاً : هل أنت راض الآن ؟
فأفرغ الرجل شعاعاً من عينيه الحائرتين في غرة الحصان وفغر فاه دهشة . فنكت الحصان الأرض بواحدة من قائمتيه الأماميتين المحجلتين ، ولمعت أعرافه في استرخاء باذخ تحت شمس المساء .
ها . هل أنت راض الآن .
ولم يسع الرجل إلا أن يصدق . فليس ثمة غيره وغير الحصان في الحظيرة . لكن ركبتيه بدأتا ترتجفان . وارتفع حاجباه لكأنهما علقا بمسمار إلى غضون جبهته . ثم فتح فمه وحاول النطق . لكن الحروف لم تقو على إتمام رحلتها إلى شفتيه .
فقد نضب لعابه ، وقحلت مسالك فمه ، فوهى قوامها ، وتكسرت حوافها ، وامتزجت وتكورت وأخيراً ، بصق حمحمةً ، مجرد حمحمة مثل حمحمة الحصان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مجموعة( واجهات براقة )
المقدمة
تُدرج قصة ” الحصان” للقاص فرج ياسين في عداد القصة القصيرة جدا ، فهي من مفردات هذا العنوان ، ومن مصاديق مفهومه ، وهناك من يطلق عليها الأقصوصة ، وهو فن قصصي يتميز بالتكثيف والتركيز والإيجاز والمفارقة والإيماء والإدهاش وما الى ذلك من خصائص فنية أشار اليها المعنيون بالأمر في مقالاتهم ودراساتهم ، واختلفوا في حجمها فمنهم من حدّدها بما لا يقل عن أربعة أسطر ولا يزيد عن العشرة ، وزادها بعضهم الى خمس مئة كلمة ، غير انهم اتفقوا ، تقريبا، على ان لا تقل عن أربعة أسطر تمييزا لها عن القصة الومضة ، ومع ذلك هناك من تتداخل لديه القصة القصيرة جدا والومضة القصصية ، ومن النقاد من يميّز بينهما ، ويجعل لكل فن سردي منهما خصائص إجناسية تميّزه عن الاخرى ، وأنا مع التفريق ذلك ان القصة القصيرة جدا تحتوي على سمات سردية بينة كالوصف والحدث المكتمل والمكان والزمان والحبكة ، وإن أتت هذه العناصر على نحو مقتضب ومكثّف مما يقتضيه فن القصة القصيرة جدا ، إلا إننا نتحسسها عند قراءتنا ونمسك بها ، وتغيب هذه الخصائص في الومضة القصصية ( ليس تماما فالحدث موجود وتكاد تقتصر عليه ) نحو ومضة همنغواي : :” للبيع، حذاء لطفل، لم يُلبس قط”. أو ومضة الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيروسو التي جاءت تحت عنوان : الديناصور: ” حينما استفاق، كان الديناصور مايزال هناك” .
وما نحن بصدده الآن هو قصة قصيرة جدا ، فما السمات السردية لهذا الفن .
يكاد يتفق أكثر المعنيين بدراسة هذا النوع من الأدب على أن هناك ثلاث تقنيات أو وحدات لابدّ من توافرها فيه ليكون فنا سرديا ذا إجناسية مميزة ، وتلكم هي وحدة الانطباع ولحظة الأزمة واتساق التصميم . تعني وحدة الانطباع تلازم عناصر العمل وتضافرها من أجل بناء أثر جمالي يعيه الكاتب ويسعى اليه ، ويتحسّسه القارئ وينفعل به ، يقول أدجار ألن بو : ” اذا كان الفنان بارعا فانه لا يسلط أفكاره على الأحداث وإنما هو يتصور سلفا انطباعا يروم بلوغه ثم ينتقي من الواقع ويركب من الأحداث مايكفل له بلوغ التأثير المراد ” .
أما الوحدة الثانية فهي لحظة الأزمة ، وهي لحظة الاكتشاف أو التنوير كما يسميها جويس ( هكذا نقلتها من الدراسات) ويبدو انها تعني تكثيف الشخصية التي لها دور رئيس في القصة بدون تتّبع مساراتها أو الانهماك في وصف تطوّرها ، فقط كشْفها في لحظة انبثاقية ، إذ أنها (اللحظة التي تنتاب فيها الشخصية بعض التحولات الحاسمة في اتجاهها ) . وتبقى وحدة التصميم ، وهناك من يسمّيها “اتساق التصميم” وعادة ما يُقصد بها تراتبية العناصر البنائية التي ينهض عليها القص من حدث وشخصية وحبكة فضلا عن الفضاءات الزمانية والمكانية ( في هذا النوع من السرد تكون مختصرة ولكنها بيّنة ) .
انطباع الأقصوصة
بنى القاص فرج ياسين فكرة أقصوصته القصيرة جدا ” الحصان” على تعارض الجميل والقبيح ، أو إهمال الخصائص الجمالية والروحية وتجاوزها الى منافع مادية ، فقد جاء على لسان السارد بخصوص الحصان : (أن هذا الرجل لم يعد مفتوناً بشاعرية تكوينه الجمالي كعهده يوم ابتاعه مهراً . بل إنه ما عاد يرى فيه إلا بضاعة فريدة غالية الثمن ) .
إن فكرة الانتقال من الروحي أو الجمالي أو المعنوي الى المادي تشي بمدلولات كثيرة منها : انحسار الإنسانية ، تشيّؤ العالم ، عدم الاكتراث بالكمال ، اللامبالاة ، تداعي الضمير ، الإخلال بماهية الانسان ، حيونته ، غياب الروح الإنساني ، قتل البشريّ والاتجار بأعضائه ، شيوع الخطف واعتياد الجريمة . . . الخ .
هذه المدلولات جميعها أو بعضها ، أو مثيلاتها مما يندرج في سياق الانشغال بالمنافع واضمحلال الروح ، هي الارضية التي انبثقت منها فكرة الأقصوصة القصيرة هذه .
لا شك أن القاص أو الشاعر أو الأديب على وجه العموم لا يتفاعل مع الجمالي حسب , وإنما يستشعر قبح العالم وانهيار قيمه ، وتراجع منظوماته الاخلاقية ، ولكنه – وهنا يكمن التوازن الإبداعي – يعبّر عن استشعاراته تلك بطرق جميلة ، ويقع هذا السلوك الفني تحت مصطلح جماليات القبيح ، وهنا لابد من تتبع الخصائص السردية الجميلة التي عبّرت عن هذا الوجه القبيح من العالم .
تقنيات سردية
يفرّق المعنيون بالسرد بين عناصر السرد وتقنياته ، فهم – بالاتفاق – يذهبون الى أن عناصر السرد ، بوصفها مقوّمات فنية ، هي الزمان والمكان والشخصيات والسرد والحوار والسارد وما الى ذلك . هذه العناصر ثابتة ، ونراها حاضرة في كل عمل سردي ، غير أنها تحضر بتفاوت ، بمعنى وجود جلّها أو بعضها يتعلق برؤية السارد واحتياجات السرد ، ذلك أن هذه العناصر تعد المكونات التي يعبّر من خلالها العمل الأدبي عن ذاته .
أما التقنيات فهي باختصار المهارة الفنية ، أو الكيفية الفنية التي يبديها المؤلف في معالجة موضوعه ، وعادة ما يُقصد بها مقابلة زمن السرد بزمن الحكي ، واستخدام اللواحق كالارتداد والاسترجاع والاستذكار التي لها وظيفة طيّ المسافات وملء الفراغات ، وكذلك السوابق التي هي إشارات مستقبلية تتعلق بالحدث . ويضيف د. جميل حمداوي مواضعات تقنية ذات طابع عربي مثل (توظيف التراث توظيفاً إيجابياً والإفادة من الأشكال الحكائية العربية الموروثة ومن التخييل العجائبي والصوفي واستغلال الأنماط الدرامية الشعبية ) وما شابه ذلك .
يمكننا القول هنا أن التخييل العجائبي هي التقنية الفنية التي نهضت عليها أقصوصة ” الحصان ” ، فقد أضفى القاص على الحصان خصيصة تميّز الإنسان عن غيره من الكائنات تلك هي الكلام . في الحقيقة أن وضع هذه الخصيصة في غير موضعها الطبيعي شكّل انزياحا سرديا في مسار الأقصوصة وانتقالة من الواقعي الى العجائبي أو السحري ، ولو توقف القاص عند هذا المشهد من كلام الحصان لما أتى بشيء ، فالحكايات التي تتحدث فيها الحيوانات بكلام البشر كثيرة ، سواء كانت في الموروث العربي أو العالمي ، غير أن المشهد المقابل أو المكمّل لكلام الحصان هو حمحمة صاحبه ، فحينما حاول الكلام ( بصق حمحمةً ، مجرد حمحمة مثل حمحمة الحصان) . إن تبادل الخاصية النطقية بين الحصان وصاحبه دالة ساردة تتعلق بتعارضية الجمال والقبح ، فبقدر ما تنبّه الحصان على ( أن هذا الرجل لم يعد مفتوناً بشاعرية تكوينه الجمالي كعهده يوم ابتاعه مهرا) فأنه ، أي صاحبه ، من جانب آخر لم يعد يرى فيه إلا سلعة يمكنه المزايدة عليها .
إن مشهد تبادل الطبيعة النطقية بين الحصان وصاحبه ، يعدّ الشكل أو العنصر الاساسي في الأقصوصة ( بحسب قاعدة الشكل والأرضية في مدرسة الجشطالت النفسية) ، أما سائر التقنيات الأخرى كالسرد الوصف والحوار فهي الحيز أو الأرضية التي تحيط بذلك الشكل ، مما يمهد للقارئ إلتقاطه( الشكل الفني ) وإدراك مراميه ، وهذا يعني أن ميزة تبادل الطبيعة النطقية هو الجزء السائد الموحّد الذي يشكّل مركز الإدراك أو نقطة الانتباه ، في حين أن الجزء الآخرمن الأقصوصة هو بقية المجال السردي الذي يعمل كخلفية متناسقة ومنتشرة تبرز وتتضح عليها الميزة الفنية الأساسية (النطقية المتبادلة) في بيئتها الساردة ” كما يتضح الماس على أرضية من المخمل الأسود ” .
الأرضية الساردة
بعد أن حددت الشكل الفني ،وأشرت الى وظيفته ينبغي الإشارة هنا الى أرضية الأقصوصة التي تحيط بهذا الشكل وتُظهره بوصفه العنصر الاساسي في العمل .
تتكوّن الأرضية من السارد والأحداث المسرودة والوصف والحوار والزمان والمكان …. الخ وسأتحدّث عن عنصرين منها مبيّنا المهارة في توظيفهما تلكما هما الزمان والوصف .
1 – الزمان : في العادة ينقسم الزمان على قسمين ، زمن الحكاية وزمن السرد ، زمن الحكاية في الأقصوصة يمتد في الماضي ، ويبدأ منذ أن كان الحصان مهرا ، إذ ابتاعه الرجل آنذاك (كعهده يوم ابتاعه مهرا) ، ثم يجري بوتيرة متسارعة حتى لحظة المواجهة العجائبية بين الرجل وحصانه ، ذلك أن هذه المواجهة تجري في الزمن الحاضر ، وقد استخدم فيها القاص نوعين من الأفعال مضارعة وماضية ، والأصل فيها للمضارعة نحو( يستمرئ ، يعبر، يرمق ، يرى .. ) والنوع الآخر هو الماضي نحو ما ورد في الجمل :(لقد كفّ لتوه عن تمشيط عرفه ، أنهى شوطا استعراضيا ، شرع الرجل يرمق حصانه ، فطن الى أن هذا الرجل ، فنشّ الهواء بذنبه ، وأفترّ عن تكشيرة قاسية ، فأفرغ الرجل شعاعاً ، وفغر فاه ،. فنكت الحصان الأرض ، ولمعت أعرافه … ) هذه الأفعال الماضية جاءت ( للدلالة على ان الحدث كان قد أنجز واستمر على هذه الحال أي منجزا حتى زمن التكلم ) أو وقعت فيه أو قريبا منه كما يقول الدكتور إبراهيم السامرائي في كتابه ” الفعل زمانه و أبنيته ” .
وخلاف الزمن الحاضر ، هناك الزمن الماضي الذي استخدم فيه القاص جملة من اللواحق لطيّه والإسراع بجريان الحدث ،نحو قوله (1) لأول مرة منذ زمن طويل . وقوله (2) يوم ابتاعه مهراً . و(3) كان الحصان قد أنهى شوطاً استعراضياً مثيراً . و(4) لم يكن قد مر وقت طويل على انصراف أولئك المعجبين . حين طلب صاحبه من المدرب والجوكي وعمال الاصطبل الإسراع بالانصراف . هذه اللواحق أو الارتدادات الى الماضي بعضها جرى منذ زمن بعيد كالفقرتين الأولى والثانية ، وبعضها الآخر وقع قريبا من الحاضر كالفقرتين الأخريين الثالثة والرابعة . والملاحظ أن أساليب الارتداد الى الماضي قد تنوعت لدى القاص ، فقد استخدم الظرف للماضي البعيد ( منذ زمن طويل ، يوم ابتاعه ) في حين استخدم الأفعال في الماضي الملاصق للحاضر ( كان الحصان قد أنهى ، لم يكن قد مر وقت طويل ) .
ووقع الفعل الحاضر في سياق الماضي لينبئ عن حدث مستقبلي ، وقد شكّل سابقة سردية تشير الى حدث سيقع ، وقد وقع فعلا . جاء في الأقصوصة 🙁 حين طلب صاحبه من المدرب والجوكي وعمال الاصطبل الإسراع بالانصراف، قائلاً إنه يريد أن يجد نفسه وحيداً مع حصانه ) فالفعلان ( يريد ويجد ) مضارعان وقعا في الماضي وأنبآ عن المستقبل .
إذن الزمن السردي للأقصوصة هو الحاضر ، وقد ارتد الى الماضي بجملة من اللواحق وظيفتها كشف كنه العلاقة بين الحصان وصاحبه وسبب تحوّلها . كما أن وظيفة السابقة المنبئة عن المستقبل هو التمهيد للقاء الرجل بحصانه على انفراد مما يجعل الطريق سالكا أمام انثيال لحظة الأزمة أو لحظة الانزلاق من الواقعي الى السحري .
2 – السرد والوصف
الوصف مستوى لغوي يُسهم في بناء النص ، وتشكيل فضائه جنبا الى جنب مع السرد والحوار . وقد اهتمت الدراسات به لكونه اي كاتب وتطرقت تلك الدراسات الى صعوبة الفصل بين السرد والوصف ، ذلك أنه يمكن وصف الأشياء وإن لم تكتنفها الحركة ، في حين يستحيل وجود حركة مجردة بمعزل عن الأشياء ، لذلك فالسرد ، في الحقيقة ، هو وصف الحركة ، ويدل هذا على تلاحم النسيج اللغوي في الاعمال السردية ، وتعالق مستوياته ، وعليه أن عملية الفصل لا تتحقق إلا ذهنيا .
سأختار هنا عددا من الجمل أبيّن فيها تداخل المحتويين السردي والوصفي ، أي أن الجملة أو العبارة تحمل دلالتين سردية ووصفية ، :
1- لقد كفّ لتوه عن تمشيط عرفه الطويل البراق ،
2- والربت على ظهره الذي بله العرق .
3- وكان الحصان يستمرىْ ذلك ويعبر عن امتنانه بابتسامة واسعة من عينيه الجميلتين الحادتين
4- شرع الرجل يرمق حصانه بإعجاب مداف بدعابة لزجة
5- أفترّ عن تكشيرة قاسية
6 – لكن ركبتيه بدأتا ترتجفان . وارتفع حاجباه لكأنهما علقا بمسمار إلى غضون جبهته
7- نضب لعابه ، وقحلت مسالك فمه ،
المـحتوى الســردي
المـحتوى الوصـفي
1- الانتهاء من تمشيط عرف الحصان \
2- الانتهاء من الربت على ظهره المبلول 2 – صورة الحصان مبلول الظهر
3- استمراء الحصان وامتنانه 3- صورة الابتسامة في عيني الحصان
4– رمْق الرجل لحصانه 4- منظر الرجل وهو ينظر الى حصانه بإعجاب
5- افترار شدقي الحصان 5-صورة التكشيرة
6- ارتجاف ركبتي الرجل وارتفاع حاجبيه 6- منظرالركبتين وهما ترتجفان وصورة الحاجبين وهما مرتفعان من الدهشة
7 –نضوب فمه وقحل مسالكه 7 –منظر الرجل متعثّرا بالكلام
هذه التمثلات تدل على تعلق السرد والوصف أحدهما بالآخر في اللفظة الواحدة أو العبارة الواحدة . ويمكننا استخدام المعيار المورفولوجي للوصف نحو : الطويل البراق في الفقرة الاولى ، وواسعة لابتسامته وجميلتين حادتين لعينيه في الفقرة الثالثة وقاسية في الفقرة الخامسة … الخ ، إذ هناك من يقول أن الوصف يستخدم النعوت غير أن ذلك ليس على وجه الاطلاق ، فكما رأينا في الأعلى أن العبارة الواحدة غالبا ما تكتنف الوصف والسرد معا .
في الحقيقة أن سمات القصة القصيرة جدا كالتكثيف والتركيز والإيجاز والمفارقة والإيماء والإدهاش هي سمات شعرية ، لذا جرت العادة أن تكون لغتها قريبة من لغة الشعر ، والملاحظ في قصة الحصان أن شعرية لغتها تتصاعد مع تنامي الحدث ، ويصل التوافق بينهما في المشاهد الأخيرة من القصة ، نحو : (فأفرغ الرجل شعاعاً من عينيه الحائرتين في غرة الحصان وفغر فاه دهشة ) و (وارتفع حاجباه لكأنهما علقا بمسمار إلى غضون جبهته) وبخصوص الكلمات التي تعثرت في فم الرجل (فوهى قوامها ، وتكسرت حوافها ، وامتزجت وتكورت) .
وعلى الرغم من علو شعرية اللغة ولاسيما في مقاطعها الأخيرة إلا أنها لم تسحب القصة الى منطقة الشعر تماما بل حافظت على قصصيتها بجدارة .
























