
قصتان قصيرتان
طريق الأبيض – ريما ضياء جعفر
بدأت خيوط الشمس تضيء تلك المباني المهجورة وتلتف حول الأزقة الملتوية بدون أستئذان، تلك التي لم يتجول بها أحد، سوى سيارات ضخمة المظهر مركونة قرب البناية العملاقة المتأكلة بفعل الرطوبة، بطرفها باب حديديّ ترابي اللون يعلوه الصدأ، تجاورها ساحةٌ فسيحة المساحة مترعة بالسلع الحديدة المبعثرة المظهر، خلف تلك السيارات الضخمة ركنت سمارة سيارتها سالكة الحذر بدقة وعيناها تبحث عن المعلومة التي شبكت بعقلها من أحد طلاب الجامعة، سارت بخطوات متثاقلة ساحبة بقدميّها نحوَ المبنى، كان المكان مشوبا بالرائحة الكريهة التي تفقد الأعصاب، أخذت بعض المناديل وضعتها على فمها، مما جعل الرعب يزداد داخلها عندما سمعت أصواتا صادرة من أحد الغرف، من مجموعة رجال وكان واحد منهم صوت أبيها! كانت الأرض تتكدس أكياس النايلون والكارتون المقوى، الذي ركلته متفاجئة دون حذر ولم ينتبه أي منهم على صوت العثرات حيث كانت أصواتهم متعالية، فتحت سمارة الباب وهي تنظر ببطء عن ما يدور هناك، فضلًا عن اصطفاف أجهزة التبريد الضخمة خلف تلك الطاولة دائرية الشكل التي تجمع الرجال، كانت وجوههم ذات ملامح مقطبة تكشف معاناة طويلة من كدح ونصب كان صمتهم شبيها للحجر! أما أبها أصبح مقفل الفم، شفتاه مزمومتان متوترتان كأنها تحبس كلمة تريد الخروج! وبعد تلعثم طويل أطلق سؤاله (ما الذي أتى بكِ الى هنا؟) كانت إجابة سمارة خروجها بفائق السرعة، لحق بها هائجًا مسرعًا كمصاب يبحث عن ضماد، استمر يناديها بصوت مرتعش حتى أوقفها ليبرر لها ما رأت، صرخت في وجهه وزمجرت هائجة…بدأت بِفتح باب السيارة السوداء اللون مستعجلة بِيَديّها المرتَعشتين كسعفة خفيفة داهمتها الرياح في يوم عاصف، أظهرت احتدام الدماء في عروق جبينها العريض وأجزائها كليًا، انطلقت السيارة بعنف غير ملحوظ بدأت تعطف باتجاهات مجنونة كالقطة تجري مرعوبة، كانت ثرثرة ذكرياتها مع أبيها مثل شريط متتابع من صورة متكررة، تلك التي تغطي نصف الصورة أمامها بدموع، كيف يستطيع الإنسان أن يكون مزيفا وكذابا! هو يفعل ما نهاه الله وإن يثبت بصمود تام بمواعيد كل العبادة، كان كصفاء سماء أسودت كليًا بدخان حريقٍ ملتهب بل كان يتر?س حملة شبابية (الطريق الأبيض) خاضعًا أمامها الفساد الإداري الذي تم تَرشيحهُ من قبل مجموعة ناشطين، كانت كافية تلك الإفكار لِتغطي مسار طريق المارة به، في لحظة رمت نَظراتِها على المرآة العاكسة وإذ بأبيها مايزال مستمرًا باللحاق بِها، لكن صوتا واحدا استطاع أن يوقف كل شيء وكأنه جرس نهاية لمباراة ما! صادرًا من سيارتين متَضارِبتين، ورجال مضطربة الحال وأصوات قوية متداخلة تقتحم غشاء ألغثيان ودماء حارة جارية تنحدر على الأرض وكأنها قاصدة لتكوين نهرٍ… واانتهت الجولة بفتحة عين بطيئة الحركة! بدأت الأيام حاكمة بسجن مؤبد على جسدها النحيل ولسانها متلجلج مدة طويلة، ملأ أذنيها الصمت المطبق،في أسرة متقابلة تفصل بينها منضدة صغيرة ذات مجر واحد فضي اللون يفصل كل غرفة جدار من الألمنيوم ذي باب عريض، كانت تستيقظ في صَخب في السادسة صباحًا كل يوم لِإعطاء الدواء والفطور من قبل الممرضات مزمزمات الملامح التى لا تبين ملامح الرحمة عليهن، تأخير ضَجتهن أحدى ألامنيات المستحيلة لكن في أوقات أخرى لم تراهن إلا أشخاص ذوو معرفة او مصلحة ما! كان المال الحلوى شهية لهن كالنمل تماما يأتين مسرعات نشيطات، كانت بجانبي فتاة في سن المراهقة نحيلة الجسم كان صوتها يخرج عبر العازل بين الغرفتين الصغيرتين صوتها الزاخر بالترجي طالبة رؤية طبيبها الخاص، وهم مستمرون في أعطاء الحجج واللامبالاة، كانت توصل طلباتِها من خلال أم سمارة التي كانت ترافقها دائما، في يوم الاول من الحادث لم يأت أبوها كان يخشى عليها ان رأتهُ تتدهور حالتها، لكنه في يوم ثان سحبهُ فؤادهُ أليها قلقًا، عندما وصل أبو سمارة الى المشفى كانت قدماه إحداهن تجر الأخرى عاجزتان عن الحركة ونبضات قلبه كإنها اطلاقات نار في ساحة حرب! أما سمارة فكانت مستلقية باستسلام وشعرها ملتف على جانبها غارقة في النوم كان مترددًا من مناداتها كانت لمسة خفيفة متقاطعة وصوت يتصاعد “ابنتي هل أنتِ بخير؟” لم يستطع تقديم اعتذار ما؛ فلا أحد يعلم ما الذي حدث حتى سمارة لم تعد تتذكر شيئا! عند رحيلهُ المسرع أعلن الأب عن سفره المفاجئ بحجة العمل،لكن زوجته رفضت بانفعال لكنها لم تستطع تغيير شيء.. بعد أيام قام أصدقاؤها بزيارتها في المستشفى الذي أجتمعوا دفعة واحدة وكان( لؤي) واحدا منهم، كان يملئ وجه استغراب بائن، بل كان يحتل ملامح وجهُ! بدأ بطرح اسئلته الفاحصة عن ما حدث كان يعتقد انه آخر شخص رأته، ثرثروا بشكل روتيني ككل زيارات المرضى وفي منتصـف الحديث تداخلت ذكرياتها.
























