عرض (هلو.. سات) للدكتور ماهر الكتيباني

143

عرض (هلو.. سات) للدكتور ماهر الكتيباني

تخاطب الذوات سيكولوجيا

حيدر الاسدي

العرض المسرحي ( هلو… سات ) ضمن مسرح اللاتوقُّع الحركي القصير من تأليف واخراج الدكتور ماهر الكتيباني وقدمت في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة، والعرض بدءاً من النص يأخذك في متاهات التمعني ، فهل العنوان (منفرط) شكلاً ومتسق مضموناً؟ هل (الهلوسات ) هذه وما بينهما من محذوف انما تدل على تشظي داخل تلك الهلوسات نفسها ….هل هي نداءات ام تداعيات واختلاجات ؟ام هو مجرد هلوسات نفسية؟ وحينما تكون هذه العتبة شاغلة للمتلقي بهذا الحجم فان المتن (كنص عرض) حتما سيشتمل على نفس الدالات التأويلية ، ففي هذا العرض المسرحي اشتغلت ثلاثة منظمات (الصوتية والبصرية والحركية) الصوتية بالمنطوق المكتوب والصمت والاصوات ، والبصرية متمثلة بالازياء وما وظفه المخرج من الوان ومؤثرات ، والحركية وهي الاهم مستندا على عنوان هكذا نوع من المسرح ويتمثل في توظيف ورسم حركة الممثلين عبر جسد الخشبة وكيفية احداث الانتقالات في ذوات الشخصيات ومدى انعكاس ذلك على فيزيقية الجسد وهو يعتلي جغرافية الخشبة عبر مرونة الممثلين ، كانت هناك ثمة جمالية للاصوات اللعوبة في المسرح عبر التكرارات وخلق حالة من الايقاع المتسق مع نبرة المضمون في الحوار والمعبر بحالة نفسية للشخصية لحظة ذكر المضمون للشخصية المسرحية والمصابة بالانتقالات والانهزامية والارتدادية والقلق، وجماليات المنظر وفق عناصر التركيب الجمالي التي فعلها الكتيباني في الفضاء الجمالي للتقنيات بالمسرح ما بعد الحداثوي والمعتمدة على المفردة الديكورية كدال يكشف عن قصدية شاملة لتأويلها ، وكذلك نثرية الحركة المتوالية عبر تراتبية نص مكتوب يرسم لمثل هذه الحركة بوصفها لبنى اساس لبناء هذا الواقع النفسي لكائنات العرض فاختلاج الذات انما يظهر عبر الحركة الدائرية المستمرة،

مرجعيات فكرية

ولان هكذا مسرح يقترب بعض الشيء ويتداخل من حيث المرجعيات الفكرية والجمالية مع مسرح العبث بوصفه مجالاً خصب للتحليل النفسي والذي استفاد من نظريات سيجموند فرويد بخاصة في مسالة ابراز زيف التصرفات الواقعية والتاشير على الواقع النفسي بوصفه الاكثر صدقا كامنا ذلك في الجنون والحلم وتداعي المعاني والكرة الدفين والملل كما ترى ذلك بشرى سعيدي في كتابها الصادر 2017 حول نظريات التحليل النفسي والمسرح، وبمعرض دراستها للمسرحية العربية من جانب نفسي اتضح ان بعضها يتشكل بحقل غني من مفردات الجنون والهذيان واللا شعور الجمعي ويمكن استنباط محاور عدة من هذه المفردات تتعلق باحلام اليقظة والملل والهذيان، وهو ما كشفته مقاربات رسم كائنات ماهر الكتيباني في (هلو…..سات) فالعرض المسرح وعبر صانعه الكتيباني وكائناته النفسية اورد بان المهم الشعور الداخلي من الحياة الموضوعية الزائفة عبر محور كشف الزيف الواقعي المجتمعي ، والنكوص للذات والتنزه في مساحات العقل الباطن. فبداية العرض عامود شاخص (اصفر+ازرق) وعلامة اتجاه (اصفر+ازرق) واحذية مترامية على خشبة المسرح ولون زي الممثلين الزي الاسود بضربات بيضاء وجواريب حمراء كل هذه الالوان تم اختيار بدلالة قصدية تعبر عن هذه الحالات السيكولوجية للكائنات الحالات الناقمة والمضطربة والمفقودة الارادة في بعض الاحيان، فان الالوان في الازياء انما هي كاشفة عن عمق الذوات ومقدمة للاشباع الحسي والجمالي لخطوط العرض المسرحي وكما تقدم المفردات الديكورية مع الازياء تنظيما صوريا عبر منظومة الفضاء المسرحي فالالوان هي الاخرى بوابة للتعبير عن كوامن الذات ، وهذا ما يتضح في عرض الكتيباني عبر شخصيات تدخل فضاء المسرح وعلى رؤوسهم مقاصل (حبال) وبيدهم ماسحات تنظيف …مع اصوات قطارات وموج مياه صاخب…وصوت قرقعة وبحوارات تلغرافية قصيرة، وجاء في بعض هذه الحوارات : ( الريبة دافع لصنع مبررات) (الضئيل مثل حشرة) (الريبة تجعل الجذور تتقطع) (لا تحدث صريرا) هذه جمل مقولة بصورة سيكولوجية من ذات ناقمة على الوضع لاجئة لمفردات تشعر الواقع بالهشاشة وتلتجأ الى ذات ناقمة على كل ما هو نمطي ضمن قطيع العقل الجمعي، ناقمة على التصورات النفسية التي يعيشها الانسان ، من الملل والروتين والانقياد ضمن الكل وعدم الخروج عن هذا القطيع ، ولا يحميك من هذا الواقع حتى تلك المظلة التي لا تحوي ما يقيك من الاخر سوى اعواد حديد متشابكة دون قطعة قماش او جلد تصد عنك المطر،وتهيمن مفردات(غريبة…لا غرابة ….الكائنات المشوهة………الخ) ، مفردات تدل على الوضعية النفسية لتلك الكائنات مع صورة الكائنات الشكلية عبر العرض المسرحي والذي يتسق عبر بناء تشكيل جمالي على الخشبة يناظر البعد الصوتي في المسرحية الدال على مثل تلك الحالات للكائنات المسرحية بما يشكل توافقا هارمونياً يعيد تركيبه صانع العرض عبر الصوت وتأثيث المسرح والحركة، والصوت عبر ضوضاء القطارات ودلالتها انما يشعرك بالتحرك الدينامي المستمر حول الكائنات والامواج التي تأتي عبر هذه الاصوات انما هي امواج فكرية متلاطمة في خضم كائن متفرج لا يقبل له القطيع ان يخرج من مضمار الملل والسبات ، ….سبات (بصوت عال من خارج المسرح) وتعود مرة اخرى بسلطة صوتية عبر حوارات قصيرة تصدر المفردة الناقمة بصور نفسية للكائنات….(وحل….ما هذه الهلوسة…دهليز..غموضا…. الحذر…صرير الماء ….ارادتك معدومة) فترميم مثل هذه المفردات سيشكل لك جسداً مصاب بالهلوسات على وفق المتأتي من الواقع الذي يعدم الارادة ،

كائنات موجودة

ويجعل ذوات الكائنات انما تقتنع بانها (مجموعة كائنات منصهرة مع بعضها) و(تناصات متكررة) وهذا يحيلنا الى ما بنى عليه باولو فريري نظريته عن تعليم المقهورين بقوله : إن عدم الإحساس بالعالم يعني عدم وجوده، فلِكيْ يعيش الإنسان ينبغي له أن يستشعر وجوده. فهل كائنات الكتيباني لم تستشعر وجودها في هذا العالم ، وهل انها تقترب من رؤيا باولو في ان الكائنات الموجودة انما هي غير قادرة على التغيير لانها انماطا متشابهة بسبب انظمة التعليم . وهل نحن الا الاخر (الذئب مجموعة كائنات مهضومة) وهل نحن الا (الاخر المتغلغل في ذواتنا) وهنا ينتقد الكتيباني امبريالية الاخر المتغلغلة فينا ، والمؤثرة في قراراتنا والتي اصبحت جزءا منا ، وبالتالي لا علامات فارقة تميزنا عن غيرنا ، وبالعودة الى الدال الصوتي في العرض هل القرقعة المستمرة نقداً لذاتنا المتضخمة وتصفنا على اننا ظاهرة صوتية في واقعنا وحسب بوصفنا لا نملك (ارادتنا) ؟؟!! كما ان الحركة على المسرح دون حوارات دالات سيكولوجية وظفها الكتيباني بايقاع متوازن مع الحوارات ، ليكشف لنا الكتيباني وعبر تركييات العرض بان هذه الكائنات تصاب بالوهن والتبعثر وهي كائنات معطلة بلا ضرورة جراء ما يحدق فوق الذات هناك خارج نفس الكائنات وعلى ارض الواقع المضخم بالازمات وحالات الملل والروتين والاشياء الخاطئة …..الكتيباني يثير فينا هنا عدة تساؤلات يمكن للمتلقي ان يملئها عبر اجوبة تتفعل من خلالها ماكينة التأويل والتفسير لكل مفصلية في عرض (هلوسات) المزدان بالابعاد النفسية المبنية على رسم فضاء تشكيلي يتسق مع الصوت بوصفهما محركات هذا العرض.

مشاركة