تداعيات السرد في الملحمة الذاتية

237

تداعيات السرد في الملحمة الذاتية

قيس كاظم الجنابي

-1-

يُحيل عنوان رواية شوقي كريم حسن (قنزة ونزة)، الى مرض الانفلونزا، كما يسميه عامة الناس في العراق، خلال سنوات الخمسينات الغابرة، والرواية عبارة عن تداعيات وانثيالات وهذيانات ،تشبه الى حدٍّ ما هذيانات مصاب بمرض الانفلونزا؛ حيث يصاب في العادة بالحمى التي تدفعه الى الهلوسة، وارسال الكلام من دون وعي ،والرواية ليست مقسمة الى فصول، أو تقوم على رابطة معينة من الترتيب او التنظيم سوى على سرد مستمر، يسرده الكاتب عبر ضمير المتكلم(أنا)، متجاوزاً الاهتمام بعلامات الترقيم ،ومعتمداً على اسلوب التداعي بكل أشكاله.

وقد وضع الكاتب اقتباساً في بدايتها اشاره فيه الى انه نص من ملحمة (الأوديسة) لشاعر اليونان القومي الشهير لهوميروس، وهي اشارة مضمرة الى أن ما يكتبه هنا، هو ملحمة ذاتية، تسانده فيها ثلة من الشخصيات في ادارة هذا العمل السردي المتفرد في بنائه وتصوره وانفلاته؛ وهو يشير بطريقة أو بأخرى الى أنها جزء من سيرة انسان متمرد، عاش حياة من الفوضى والسكر والجنس والحرية الذاتية ،وقد تعاضدت جملة مؤثرات على رسم ملامح هذا البناء السردي، الذي يشير بقوة  ـ حسب قناعة الكاتب ـ الى نهاية عصر السرديات الملحمية الكبرى ،وبداية عصر السرديات الذاتية، وانهيار الكتابة السردية على وفق تواشج عناصر البناء الروائي.

من هنا، يبدو التصادم بين مصطلح رواية الذي أطلقه الكاتب على غلاف هذا العمل، وبين حقيقة البناء السردي الذي يوفره النص، وأنا ممن يرجح اطلاق مصطلح(سيرة غير ذاتية)،أو (تداعيات من سيرتي)أو(سيرة مفترضة لصعلوك متمرد)؛من اجل تخليص الكاتب من افتراضات كتابة شبه ملحمية، تقتدي بملحمة هوميروس (الأوديسة)؛وغالب النصوص المتمردة تلون نصوصاً تأسيسية، لأنها تخترق المألوف والتقليدي بلاغة وفكرة، ولأن هاجس الكتابة هو نوع من المرض الذي يتلبس الكاتب في حالة هي أقرب الى الجنون منها الى الوعي الكامل؛ فإنّ هذا العمل يؤرخ لقوى بشرية مصابة بلوثات متعددة من الجنون أو بشيزوفرينيا (عصاب) الإبداع.

لا أبالغ اذا قلت أن الكاتب شوقي كريم حسن يكتب نصوصه القصصية بطريقة شاعرية، وعند العرب يتصل الشعر بشيطان الشعر، الذي أصبح هنا شيطاناً للنثر ،ذلك أن حداثة الإبداع هي التي تدعو المبدع أن يفرق بين التناثر العشوائي (الجنون) أو التفجير الانتقائي الإبداعي؛ فتهرب منه وحدة النص لحساب الاستغراق في قوة البنية ،وقد يستسلم المبدع لدفعات شعورية من دون انضاجها في بوتقة المعرفة المفاهيمية؛ فضلاً عن خلطه بين ما هو جدٌّ (لغة)،وما هو تشكيل لغوي[ ينظر: موجز تاريخ الجنون :روي بورتر، ترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء، كلمة للنشر – هيئة أبوظبي الثقافة والتراث، أبو ظبي، 2012م، ص154].

-2-

يبدأ الكاتب نصه السردي بقوله:(( تسبقنا اللحظات ،وتوهمنا الأزمان بأن كل شيء على ما يرام، برغم هذا الضجيج، الذي صار يزاحم ملامحنا له))[ص4? قنزة ونزة، بغداد،2018م].وهذه البداية المستهلة بنجمة، تحيل الى أن ثمة شيئاً مهماً لابدّ من البحث فيه الاّ وهو الحياة، وأنّ ما يسرده هو بمثابة رؤى وأحلام توازي الانثيالات والهذيانات التي قام عليها النص ،بوصفه انتفاضة ضد التبعية والعبودية والاستسلام، بحثاً عن الخلاص؛ خلاص من كل ما يضمره في داخله، فه بث عن خلاص يعد بالنسبة له هو بحث عن خلاصات متعددة ،وهذا نوع من تمرده ،وخصومته مع الالهة المتعدة، كما فعل اجداده سابقاً؛ فعلى الرغم من وجود شخصية مؤثرة مصاحبة لحركة البطل – السارد ، الاّ أن هلامية النص خاضعة لهلوسات إبداعية مهيمنة تتفجر من ذاتية مبدعة ،وشعور  بعدم التدجين ،وضورة الاستمرار في هذا التمرد حتى النهاية مهما كانت العواقب.

وسريات الهذيان هي سرديات منفلتة تماماً لا تخضع لضوابط البناء الروائي ولا الى عناصره التي يبحث عنها القارئ المحترف ،فثمة هنا حكاية توازي الحلم، وتوازي الخوف والجنس والغياب عن الوعي، وهو يخضع لإحساس متجذر بأنه مصاب بخيبات أمل متتالية، لابدّ من التعويض عنها؛ والهذيان وفقاً لذلك هو ليس في كلام الشخصيات فقط، وانما في طبيعة السرد الذي يسرده عبر اللغة العربية الفصحى، مع حوارات  وتداعيات باللهجة العامية، يستخدم في بعضها الكولاج(اللصق) أوإزدواجية الصوت الواحد في البناء السردي، مما يجعل التداعي يتضمن في داخله تداعيات أخرى أصغر منه؛ لهذا استخدم الحرف الطباعي الاعتيادي والحرف المائل للتمييز بين موفقين من الوعي والسرد.

والهذيان بنية متأصلة في النص ومهيمنة فيه ، فمن ذلك قوله:(( الانثى لا تتحمل أن تكون وحيدة في زمن مثل هذا الذي نعيش… مرات عدة يتعتعك السكر،وتأخذ هذياناتك الى مدن مهجورة وذكريات متورمة تنز قيحاً))[ص7-8]?وهذا النوع من السرد هو الذي يبقى سائداً في غالب الأحيان ،يرتبط بمقولته:(( الحكمة والأنوثة والجنون، أركان اللعبة ومصيرها الكريم))[ً14ص]. فقد تنازعت هذا النص احالات انجيلية وتوراتية وصوفية مضمرة في داخله، كما تنازعت ذلك شخصيات مسلمة وأخرى مسيحية؛  في اشارة الى التنوع الاثني والتعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي.

وكاتبنا يرغب في كتابة أوديسة عراقية خاصة به، لها نسيج سردي متوالٍ ليس فيه فواصل ،يشبه الى  حدٍّ ما الكلام  المقدس في الكتب الدينية المختلفة، مثل انثيالات كلام الوحي وتداعيات المجانين أو المحمومين؛ لهذا تجاوز وضع الكثير من الضوابط الشكلية المعروفة في الكتابة مثل استخدام المشاهد والفصول، لأنه يريد أن تكون سيرته الذاتية حكاية متواصلة مثل كلام القديسين والأنبياء ،ولكنه يؤثر الاحالة الى نوع من الوهم أو التوهم، الذي يحكم العلاقات الانسانية أو علاقات الفعل والجنون؛ ولهذا استخدم القطوع الزمنية، بمعنى أنه ألغى صيرورة الزمن نفسه، حيث آثر وضع(/),(//)?دلالة على تجاوزه حركة الزمن؛ مما يشير الى ضخامة الأزمة النفسية والوجودية التي تحيط به، وصعوبة الموقف ومحاولته تأسيس نمط كتابي متمرد يخرج عن الضوابط المألوفة ، لأنه يكتب خارج الدائرة المرسومة ،ولأن الإبداع لا يمكن أن تحيط به دائرة معينة مثل هذه، لأن الكتابة في حدّ ذاتها ليست مدرسية ،وانما هي إبداع ذاتي مستخلص من التجارب الانسانية والمؤثرات التي تحيط بالكاتب من الولادة حتى لحظة الكتابة نفسه.

-3-

يمزج الكاتب من خلال تجربته في كتابة المسرحية بين الحوار القصصي والحوار المسرحي وتقنية وبناء المسرحية والسيناريو مع بناء السرد الروائي ،أو بين بنية الفلم السينمائي وبنية السرد، للتخفيف من حدة الاسترسال المستمر؛ وذلك باستخدام تعدد الأصوات أو الصمت، كل هذا يدمج بطريقة ما مع الرؤيا ونزعته في التمرد ،مع استخدامه لتداعيات الذاكرة والاسترجاع واستدعاء المشاهد والأفكار المختلفة واعادة انتاجها، مؤثراً توظيف الذات لتشكيل البناء السردي، حتى يصبح قادراً على التعبير عن الأزمة الذاتية والشعور بالخوف والاحساس بالخيبات المتتالية، لتأسيس جنس كتابي جديد، وهذا ما يشير الى أن الشخصيات التي ارتبطت بالبناء السردي هي جزء من ذات السارد؛ فهذه (جورية) والراهبة (ميري)و(كاترين)، وأفكاره الخاصة بـ(يسوع)، كلها تحيل الى علاقة الذات بالمحيط الخارجي المتأصل القادر على أن يشكل رؤاه الخصة به، بحيث مزج ما هو واقعي، بما هو خيالي، وبالتالي مهد الى مزج السرد الاعتيادي بالسرد المنفلت عن الضوابط، فشخصية (جورية) تحيلنا الى واقعية غائب طعمة فرمان؛ بينما رسم صورة (كاترين) والراهبة(ميري) وغيرهما من الشخصيات وهو يحيل الى مغامرات الكاتب الذاتية، أو محاولته رسم صورة حيّة عن الشخصية، ليس بوصفها مشاركة في انتاج  نص سردي ،وانما بوصفها الجزء الجوهري / المركزي فيه, فهو يقول عن كاترين:(( انسلت اصابع كاترين الى ما بين فخذي ، ببطء أفعى فالتفت اليها مذعوراً))[ص170].

ومن هنا كانت الأنوثة هي الساعد الأوفر لخلق الاتصال بين الذكورة الموفورة التي تشعر بالحرمان، على الرغم من كثرة مغاراتها، وبين الذات المحبطة/ الخائفة من المستقبل، والمعذبة في الماضي؛ ولهذا فإنّ اللقاء بين جسدين محبطين لابدّ أنّ يعيد من خلالهما بناء الشخصية لتصبح أكثر قوة، وقدرة على تجاوز العقبات، والكاتب يصرح بطريقة ما بنزواته وطموحاته الجسدية ، حين يقول:(( أعشق الأرامل المتروكات، أول ما لامس جسدي ، جسد أنثى كانت أرملة متروكة لسنوات طويلة، غادر جسدها أحواض الماء حتى جف تماماً، الاكتشاف سرّ اللوعة، والسخاء سرّ القبول))[ص73]. فالحرمان /الخوف/ الخيبة يهيمن على حركة النص وفاعليته ؛وهو يحاول أن يطعم سرده الانثيالي ، الذي يشكل أحياناً جزءاً من الاسترجاع والاستذكار، من خلال الدعاء أو الحوار الذي يصبح نوعاً من حركة التخاطب بينه وبين الآخر، لأن الجسد لديه حالة من حالات الخصب والتغلب على الجدب والانكفاء ؛ فهو يقول:(( تقول ميري ـ كان عليك أن لا تلوث أحلامي بلمساتك التي هزت شجرة الروح.. أن لا ترفعني عن صليب رضاي لتمنحني رضا آخر.. أشعر أنّ ثمة مسافة شاسعة تفصلني عن يسوع والعذراء. لا تكفي الدموع لتمحو الخطيئة..))[ص82].

يبدو هذا الشعور بالخطيئة لدى (ميري) نابعاً من تصورها اتبتل السيدة العذراء ،ورهبانية السيد المسيح، في ابتعادها عن الاتصال الجسدي. لأنه يعد نوعاً من الدنس؛ لهذا تشعر بنوع من الصراع الداخلي بين الغريزة المحتدمة في الجسد ،وبين القيم الدينية التي تمنعها من تحقيق ذلك. فتعيش الذات في تناقضات كثيرة، من أبرزها تناقض أسباب الصراع بين القيم والحقيقة الوجودية التي لا يستطيع الانسان ان يلغيها او يسيطر عليها تماماً، فيسوع والعذراء مثال؛ بينما الحب والخمر والجنس أمور ضرورية للمتعة الانسانية .

إنّ الأزمة التي يطرحها شوقي كريم حسن هي أزمة دائمة، ولا يمكن أن تلغى ،وان فكرة الطهرانية هي مجرد قمع واعتقاد باستخدام القمع،وهي تعيش في خيال الكثيرين،ولكنهم في الوقت نفسه يمارسون التدنيس بالأحلام اذا لم تتوفر لهم الفرصة الحقيقية، وفي التصورات والهذيانات والتوقعات،لأن الكتابة هي نص يوحي بالحلم ويستند على مكابرة مضمرة بعدم التصريح بحقيقة الرغبة الانسانية، وانما في التعرض بنزوع خيالي لتحقيق الرغبات المحبطة. مما يشير الى وجود صراعات داخلية بين الإيمان بحقيقة الانسان بوصفه جسدا طهرانياً،وبين حقيقة التطهر التام من الدنس؛ وبهذا تحولت عقدة جلجامش وبحثه عن الخلود الى نواع من الجنون المفرط بالخلود المجهول والمدبج برؤى الهذيان والخوف.

-4-

اذا كان الكاتب قد انطلق في إشارة استهلالية من الأوديسة؛ فانه عاد بالذاكرة الى ملحمة جلجامش الأقدم تاريخياً منها، من خلال احالته الى صور انكيدو ،وصور كوديا ملك لكش ،الذي رؤى رؤيا في منامه ان الآلهة تأمره ببناء معبد لتفسير الأحلام؛ وفي هذه العملية ساوى بين جميس شعبه في هذا العمل. ومن خلال هذه العلاقة بين الحلم / الرؤيا/ الهذيان/الجنون ،والواقع/ الحقيقة كشف عن حيثيات الصراع وجوره القديمة منذ أقدم العصور وفي أقدم الملاحم التاريخية، وأعاد ترتيب هذه التصورات عبر الصياغة السردية لملحمة جلجامش التي جسدتها فيما بعد حكايات (ألف ليلة وليلة)؛ فكل هذه الأعمال والصور القادمة من الماضي ترسو على ضفاف الجنس ،إن لم تكن ملحمة جلجامش تتشبع بأجواء جسدية فاضحة عن أهمية الجنس في تهذيب الانسان المغترب وترويضه من التوحش الى الحضارة، كما حصل لشخصية انكيدو، كما انها نص ادبي فائق الجمال  يقاوم الموت بالجنس ويحاول ان يستبدل موت الجسد بخلود الذكر. وهو ما قامت عليه حكايات (ألف ليلة وليلة).

لقد ربط الكاتب بين تمثال (كوديا) الحجري، وبين شخصية جورية ،فاذا كان كوديا رأى حلماً تأمره به الآلهة ببناء معبد لتفسير الأحلام، واستطاع ان يجمع به شعبه على الطاعة، وينفي عنهم التمييز بين الحرار والعبيد، حين تعاضدوا جميعاً لبناء البرج وهم يحملون الأحجار ، متعايشين كما تعايش الذئب والشاة، فإنّ الكاتب يشير عبر الحوار الى شخصية كوديا بقوله:

  • كوديا حلمَ بمعبد ورفاهية ومنح وجوده صولجان السؤال … وجوري لا تكف الاسئلة … كلما رنت اليّ احاطتني بهالات من الاسئلة التي تدوخ الروح، وتذيب الجمجمة برصاص خبثها!![ص188]

لقد ربط الكاتب بين حلم كوديا ،وبين شخصية جورية المعذبة بالجنس، تحلم حلماً يخرجها من أزمتها ، حينما كانت (ترمي بأنوثتها الثعلبية ، الى لجج ) ذكورته المسترخية.

وكذلك تأخذ شهرزاد بطلة حكايات(ألف ليلة وليلة) جانباً آخر من الدهاء، لتريض الرجل حتى يصبح قادراً على التعايش مع صيرورة الوجود، والغريزة الانسانية ، حيث يقول:

(( يحكى أيها الشهرزاد، أنّ الدموع ما تشاء من الأفئدة!!))[ً168].

وشخصية شهرزاد ترتبط بشخصيتي كاترين وشخصية (سرجون الكدي)، حيث سكوت شهرزاد عن الكلام المباح في نهاية كل ليلة . وهكذا انتقل من الأويسة الى جلجامش فتراث العراق القديم واسلوب القص العربي في العصور الوسطى،  في دورة تاريخية من بدايات السريات الى نهايتها اللولبية؛ في اشارات واضحة الى انه يكتب ملحمة سردية جديدة خارجة عن أطر السرد المعتادة، تمثل تجليات ما بعد الحداثة، في اختزال السرد والحوار واختزال الجنس واختزال الجسد بالمرأة.

مشاركة