
زيدان الربيعي.. موضوعات بسيطة لكنها حيوية
حمدي العطار
ليس من السهولة نقل الواقع بشكل بسيط وناجح الى عمل فني،لأن البساطة قد تكون فيها المعالجة المباشرة وتفقد بذلك خاصية العمق للموضوعات الواقعية المطروحة، في كتاب صدر من دار امل الجديدة سنة 2018 بعنوان (كوميديا وسط المأساة) – يوميات عسكري عراقي ثمانيني- يقدم لنا المؤلف “زيدان الربيعي” السهل الممتنع،ويفصح عن هدفه من هذا لكتاب قائلا “إن هناك الكثير من الأهداف والغايات رغبت في إيصالها الى المتلقي من خلال جمع تلك الحكايات الى الاجيال الجديدة،لذلك كان هذا المشروع يهدف الى توثيق بعض الاحداث لكي لا تندثر تماما عن الذاكرة الجمعية للشعب العراقي الذي عانى كثيرا من ويلات الحرب”
شخصيات بسيطة
نحن نطلع على 40 حكاية، لشخصيات بسيطة اضطرت ان تكون في مواجهة مشاكل عسكرية معقدة فيها طابع الفكاهة وسخرية والمفارقة اللحظية وكوميديا سوداء اطلق عليها الكاتب (كوميديا وسط المأساة)في التمهيد شخص الكاتب والروائي “حسن حافظ” الابعاد الاجتماعية لهذه (النصوص المفتوحة) ويشخص جهد الكاتب بما يلي “يقال عن علم السيسيولوجي، أنه علم يتحدث عن الموضوعات التي يعالجها علم الاجتماع، ليشير الى معنى العلاقات الاجتماعية والسلوك في العادات والتقاليد، هذا اثناء السلم، ولو طبقنا ذلك اثناء الحرب الضروس التي عاشها العراق مع ايران التي أمتدت الى حوالي ثماني سنوات عجاف” موضوعات حكايات زيدان تنشط ذاكرتنا نحن الذين كنا في ذلك الوقت في الخدمة الالزامية العسكرية وتورطنا لنكون في وسط الوحدات الحربية وفي جبهات القتال وصادفتنا الكثير من تلك النماذج الانسانية وما تمر به من مفارقات مضحكة ومبكية!
ان التصدي لتلك المرحلة الغريبة والمعقدة من حياة الشعب العراقي ليس سهلا فهي ايضا تقلب المواجع وهناك من يطالب الشعب العراقي وكذلك الشعب الايراني ان ينسى هذه الحرب القاسية في ظل وجود برامج وفعاليات لدى مؤسسات البلدين تلح على رفع عبارة (لكي لا ننسى) لكن اظن ان زيدان تكلم في حكاياته ليس على الجانب الحربي والقتالي بقدر انه سلط الضوء على العلاقات الاجتماعية بين المقاتلين بكافة مراتبهم العسكرية، هو تحدث عن حيوية حياة المقاتلين في (الخطوط الخلفية) لجبهة القتال!كانت في تلك الحكايات أنعكاسات كثيرة على من ينتظرنا كعسكرين في حكاياتنا المدنية والعائلية بعيدا عن القتال والحروب وهي ما يحدث في الاجازات التي تمنح شهريا او اكثر في حالة العقوبة او الهجوم الى ان تتجاوز الشهرين، هذه الاضاءات في الحياة العسكري ينتهرها (الجندي) المجاز ليحس بنفسه انه لا زال على قيد الحياة ، لقد جسد زيدان بشكل جميل هذه الامنيات والاحلام لدى ابطال حكاياته التي يمكن ان تكون حلقات دراما ناجحة لو كتب لها سيناريو فني محكم، وقد تأثرت كثيرا في حكاية “حمزة” الذي تنبأ بمقتله في ليلة زفافه! في هذه الحكاية يتزوج حمزه بشكل سريع ومفاجئ بأجازته الدورية “لأن أهله أصبحوا على قناعة تامة بأن الحرب ل تتوقف وهذه القناعة قادتهم إلى أن يقوموا بتزويجه على وجه السرعة من أجل أن يكون له أمتداد في هذه الحياة” كان حمزة شخصية محبوبة (يصنع المرح) وصاحب نكته وابتسامة،ويبدو انه قد تزوج من دون عقد رسمي للزواج فلم يستطيع ان يقدم العقد للحصول على اجازة الزواج ،احد زملائه ومن اجل المشاغبة يسأله ماذا ستقول عنك زوجتك إذا استشهدت؟”ويواجه مثل هذا الاحتمال بطرح نكات مضحكة،ولكن الطابع الكوميدي لهذه الشخصية تتحول الى مأساة تراجيدية حينما تسقط ثلاث قذائف هاون وسط الوحدة العسكرية “وقد نهض الجميع من أماكنهم، إلا “حمزة” حيث صاح عليه زملائه حمزة..حمزة..حمزة، إلا أن حمزة لم يرد على نداءات اصدقائه…. حيث تبين أن احدى القذائف سقطت على جمسه بالمباشر ، لتقتله في الحال) هكذا ينقل زيدان كامرته من الضحك والكوميديا الى الحزن العميق!لقد استطاع زيدان الجمع بين القيمة الفكرية والقيمة الفنية، ولا يمكن ان تجعل تلك الحكايات اكثر بساطة مما قدمه الكاتب (زيدان الربيعي)
























